أجرى الحوار: المصطفى روض
خصصث مجلة الربيع التي تصدر عن مركز محمد بنسعيد للأبحاث و الدراسات عددها الاخير لقضية الشعب الفلسطيني اختارت له كعنوان بارز و معبر: “صمود وسط الإعصار!”
و تضمن العدد مساهمة متواضعة منا على شكل حوار شامل مع عالم الاجتماع الفلسطيني، جميل هلال، حول راهن الوضع الفلسطيني، و هلال من الوجوه السياسية و الثقافية و الإعلامية البارزة في الساحة الفلسطينية، حيث شغل منصب كبير الباحثين في عدد من مؤسسات البحث الفلسطينية و حاضر بصفته باحثا زائرا في جامعات لندن و أوكسفورد، و شغل منصب مدير الدائرة الإعلامية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما أنه أحد القادة السابقين للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، و سبق له أن نشر كتبا عديدة من بينها: “إستراتيجية إسرائيل الاقتصادية للشرق الأوسط”، “النظام السياسي الفلسطيني و المجتمع المدني بعد أوسلو”، “الطبقة الوسطى الفلسطينية”، “صعود منظمة التحرير الفلسطينية و أفولها”.
و لتعميم الفائدة من قراءة هذا الحوار اضطررنا لإعادة نشر نصه كاملا في موقع “النسبية“:
1 – مجلة الربيع: في بداية هذا الحوار الخاص براهن القضية الفلسطينية، يبدو اكتساح عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني مجمل البلدان العربية مستغربا ومثيرا طالما انه يخدم العدو الصهيوني ويزيد من إضعاف نضال الحركة الوطنية الفلسطينية المنقسمة على نفسها، كما أنه يقيد أنشطة السلطة الفلسطينية المحكومة باتفاقية أوسلو. وعلى النقيض من ذلك يبدو أن هناك إصرار من الشعب الفلسطيني وبالذات من حراك مجتمعه المدني الصاعد على مواصلة مقاومته المدنية وكفاحه المسلح، فكيف تبدو لكم هذه المفارقة بين سلبية السلطة الفلسطينية وتقاعس وتشتت فصائل الحركة الفلسطينية وصمود الشعب الفلسطيني؟
التبرير لتقاس السلطة الفلسطينية على مواجهة العدو
جميل هلال: قيام العديد من الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل في الوقت الذي تستمر الأخيرة ليس فقط في احتلالها لأرض عربية ولكل فلسطين التاريخية، بل وفي مواصلة استعمارها الاستيطاني للأرض والسيطرة على الاقتصاد والمعابر والأجواء وما تحت الأرض، بالإضافة إلى ممارسة التمييز العنصري والتنكيل والتهجير للفلسطينيين ومنعهم من ممارسة حقهم في العودة لوطنهم الأم هو أشد أشكال الخذلان للشعب الفلسطيني وطعن لحقوقه ولتطلعاته نحو الحرية والعدالة والكرامة. وهو في الحقيقة دعم واضح لدولة استعمارية استيطانية تمارس التمييز العنصري والتطهير العرقي على الشعب الفلسطيني، وهو يمنح التبرير لتقاعس السلطة الفلسطينية على مواجهة العدوان الإسرائيلي اليومي بحجة أن لا حول ولا قوة لدينا لأن الأنظمة العربية تقيم علاقات طبيعية مع الدولة المحتلة والمستعمرة، والتطبيع لا يشكل حافزا للحركة السياسية الفلسطينية للتوحد وصياغة رؤية نضالية جديدة محفزة وموحدة للنضال لكل تجمعات الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية (حيث يتواجد نصف الشعب الفلسطيني) وفي الشتات والمهاجر حيت يتواجد النصف الآخر. بالنسبة للشعب الفلسطيني المقيم على أرضه لا خيار له سوى مقاومة المحتل المستعمر والذي حول فلسطين إلى بانتوستانات يمارس فيها المستوطنون العنصريون، بحماية الجيش الإسرائيلي، الإجرام الفاشي والتنكيل والغطرسة.
لقد برزت وحدة الشعب الفلسطيني النضالية في أيار 2021 حيث تناغم نضال مكونات الشعب الفلسطيني وبخاصة في فلسطين التاريخية وبدعم مشهود من فلسطين الشتات والمهاجر، وبصعود ملموس للتضامن العربي الشعبي والدولي من القوى الديمقراطية والمقدرة لمعنى نضال الشعب الفلسطيني التحرري. ويبرز اليوم في تواصل النضال المحلي والفردي ضد المستوطنين وجنود الدولة الفاشية. وسوف آتي على ذكر هذا لاحقا. لكن ما يلاحظ هو التراجع الواضح للحراكات العربية الشعبية، بعد حراكات “الربيع العربي”، ضد ما يجري من قمع واستبداد وتطبيع وفي دعم النضال التحرري الفلسطيني، وكلنا أمل أن هذا صمت مؤقت سيعود للانفجار في لحظة سوف تأتي لأن أسبابه مازالت قائمة، بل تتفاقم باستمرار.
2- مجلة الربيع: في وقت قطعت فيه عملية التطبيع أشواطا كبيرة واستحلت أنظمة عربية مفعوله السلبي على شعوبها التي ترفضه رفضا قاطعا، يبقى أمل الشعب الفلسطيني مفتوحا على إمكانية توحيد صفوف كافة الفصائل الفلسطينية وفق ما سبق اقتراحه في الساحة الفلسطينية من أفكار وأراء لإجراء حوار وطني شامل يفضي إلى حصول قناعة مشتركة لدى الجميع بضرورة إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية بما هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. كيف عالجتم ممكنات الإصلاح والوحدة الوطنية الفلسطينية وبأية آفاق إستراتيجية ترون شروط وإمكانية تحقق الوحدة الوطنية من خلال الإصلاح الديمقراطي الشامل لمنظمة التحرير الفلسطينية؟
مطلوب حركة ممثلة للكل الفلسطيني
جميل هلال: تفكك الحقل السياسي الفلسطيني الوطني إلى حقول محلية (في الضفة الغربية، وقطاع غزة، والأراضي المحتلة عام 48، والأردن مناطق اللجوء والشتات المختلفة) لكل منها قواها ومحركاتها ولغتها السياسية، بات يتطلب أمران ضروريان: الأول إعادة بناء حركة وطنية جامعة، كما سعت إليه منظمة التحرير قبل اتفاق أوسلو واستبدالها بسلطة وطنية تحت احتلال استيطاني عنصري. مطلوب حركة ممثلة للكل الفلسطيني، وبالتالي ضمان تعددية التكوين السياسي لها، بترابط وثيق للتكوين المؤسساتي بحيث تؤخذ القرارات في مؤسسات جامعة وتمثيلية. هذا أولا، وتتطلب مشروعا سياسيا وطنيا أي جامعا لمصالح وتطلعات الكل الفلسطيني وليس فقط لأهالي الضفة والقطاع أو أي منهما بل للشعب الفلسطيني ككل، يأخذ بعين الاعتبار التباينات في ظروف وشروط كل مكون (تجمع) فلسطيني من حيث الأهداف المرحلية الداعمة والمعززة للهدف الوطني الجامع. كيف يمكن أن يتحقق هذان الشرطان؟ أمر متروك للحوار المسؤول لقوى الشعب الفلسطيني؛ وهو أمر قابل للتحقيق إن تم وضع المصلحة الوطنية العليا قبل المصالح الفئوية، ووضع أولوية تحقيق الحقوق الوطنية قبل اعتبار مصلحة هذا التنظيم أو الشريحة او تلك كما هو جاري الآن للأسف الشديد.
المطلوب ليس مجرد اصلاح المنظمة بعد أن فرّغت مؤسساتها من مهماتها وهمش دورها ومكوناتها القاعدية (المنظمات والأطر الشعبية العابرة للحدود السياسية والجغرافية، والمؤسسات والدوائر المتخصصة الجامعة لكل التيارات والتنظيمات السياسية الممثلة لشرائح وفئات من الشعب ومكوناته)، بل المطلوب هو إعادة بناء منظمة التحرير بروح ديمقراطية خلاقة. وهذا ممكن وهناك أطروحات عديدة في هذا المجال.
3- مجلة الربيع: كل الوثائق التي أنجزت من قبل بعض الفصائل الفلسطينية من أجل إنجاز حوار وطني فلسطيني ناجح يضمن تحقيق الإصلاح الديمقراطي الشامل في إطار منظمة التحرير الفلسطينية تبدو أنها وثائق ليست مغرية وغير مجدية. ألا ترى معي أن وثيقة الإصلاح الديمقراطي الصادرة سنة 1982، عقب الانقسام والاقتتال الداخلي في حركة فتح، عن القيادة المشتركة للجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين كانت أفضل وثيقة لو تم اعتمادها لتمكنت الحركة الوطنية الفلسطينية لاحقا من تفادي اتفاق أوسلو ومن كسب مناعة سياسية يستحيل معها أي اختراق أمريكي إسرائيلي رجعي عربي كما يحصل الآن مع التطبيع والإصرار على إقبار القضية الفلسطينية؟
هناك مطالبة بإنهاء المحاصصة
جميل هلال: إدراك أن بنية منظمة التحرير حدث فيها تغيير اتضح منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وطرح بإلحاح منذ إخراج منظمة التحرير من لبنان عام 1982، واتسع بعد حدوث الانقسام داخل حركة فتح، وتصاعد بعد الانتفاضة الأولى وتحديدا بعد توقيع اتفاق أوسلو وتواتر بعد الانتخابات التشريعية وسيطرة حركة حماس على المجلس التشريعي عام 2006 ومن ثم على قطاع غزة في العام 2007. ورغم تباين الشعارات الداعية للإصلاح إلا أنها ركزت في جوهرها على دمقرطة المنظمة وتمثيلها، ووضع ضوابط مؤسساتية على عملية اتخاذ القرارات السياسية والتنظيمية ذات البعد الوطني. ومن هنا كانت هناك مطالبة بإنهاء نظام المحاصصة (أي توزيع مقاعد في الأطر القيادية للمنظمة وفق كوتا محددة بغض النظر على الحجم الفعلي، ومن هنا كانت حصة فتح النصف زائد واحد (أي أكثر من النصف لضمان السيطرة) ووزع الباقي على التنظيمات الأخرى مما غبن تمثيل التنظيمات ذات الحجم الوسطي مثل الجبهتين الشعبية والديمقراطية وعمل لصالح التنظيمات الصغيرة وتحديدا التي تمثل أنظمة عربية (سوريا والعراق بالأساس). المطلب كان إيجاد صيغة للتمثيل النسبي ومنع التفرد في عملية اتخاذ القرار، وبخاصة أن منظمة التحرير مثلث جبهة تحرير وطنية، وبالتالي برزت ضرورة اعتماد صيغة ديمقراطية في اتخاذ القرارات المصيرية بالتشاور وإيجاد صيغة منصفة لتمثيل القوى السياسية ومكونات الشعب الفلسطيني في مؤسسات المنظمة. لهذا السبب برز دور خاص للجبهتين الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي (لاحقا حزب الشعب) في المطالبة بالتغبير كونها تنظيمات ذات وزن جماهيري واستقلال تنظيمي.
الواقع الحالي وتحديدا منذ العام 2007، يختلف عما كان عليه في مراحل سابقة عندما كانت منظمة التحرير تهيمن على حقل سياسي وطني موحد بشكل ملموس. بعد اتفاق أوسلو جرى تهميش المنظمة وتنصيب السلطة الفلسطينية القائمة على جزء من فلسطين وتحت سيطرة احتلال استعماري استيطاني عنصري. هنا بات بناء مؤسسات سلطة “دولاتية” (من الدولة) وليس التحرير هو الهدف وهذا قائم في الضفة الغربية (تحت سيطرة حركة فتح) وقطاع غزة (تحت سيطرة حركة حماس). فالدعوة إلى إنهاء الانقسام والوحدة تتضمن تفكيك أو إعادة صياغة أجهزة كل من السلطتين وهو ما يتطلب المس بمصالح فئات تكونت على رأس كل منهما في الضفة والقطاع. لذا فلا مفر من إعادة بناء منظمة تحرير جديدة بمؤسسات جديدة وقواعد قطاعية جماهيرية (امرأة، عمال، طلاب،) ومهنية جديدة (أطباءـ مهندسين، كتاب، الخ)، وهذا يستوجب توليد اتفاق واسع على قاعدة مشروع وطني جديد وعلى أسس بناء مؤسسات تمثيلية جامعة دون إنكار خصوصيات كل تجمع فلسطيني، وهذا يشترط جهودا خاصة ودؤوبة تتجاوز المصالح الفئوية.
كما يختلف الواقع الراهن عن الواقع الذي ساد في السبعينيات والثمانينات، فلم يعد اليسار الفلسطيني يحظى بالدور الذي كان له في تلك الفترة، ولم تعد له القاعدة الجماهيرية التي تمتع بها آنذاك، وبات لا يملك مشروعا وطنيا متميزا عن اليمين الوطني واليمين الإسلامي، بل يسعى لاهثا للعب دور الوسيط أو المصلح بين الطرفين وليس كصاحب مشروع وطني ورؤية جديدة، وكلاهما يتجاهله بحكم تراجع مكانته الجماهيرية. هذا يساهم في صعوبة إنهاء الانقسام بين التنظيمين الكبيرين وفي إنجاز وحدة وطنية ذات ديمومة وشرعية تمثيلية ومشروع وطني يحظى بقبول شعبي واسع وعابر لحدود الجغرافيا السياسية.
الرهان الآن هو على صعود قوى وطنية جديدة (في كل تجمع فلسطيني تتلاقى تدريجيا) من خارج التنظيمات أو من داخلها تطرح مشروعا وطنيا جديدا يلبي تطلعات وطموحات الكل الفلسطيني، وتتبنى أشكالا مستدامة من مقاومة الاستعمار الصهيوني ولترسيخ قيم الديمقراطية الحقة والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، والبناء على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة.
4- مجلة الربيع: لم يكن بإمكان الأنظمة العربية تطبيع علاقتها مع العدو الصهيوني، ولا تمرير المشاريع الأمريكية وضمنها ما سمي ب “صفقة القرن” المكرسة للتطبيع، لو كانت الحركة الوطنية الفلسطينية حسمت في إنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية بشكل شامل ونهائي. فأين يكمن، إذن، الخلل الرئيسي في عجز الفصائل الفلسطينية عن تحقيق هذه الوحدة التي هي مطلب أساسي واستراتيجي للشعب الفلسطيني؟
استبدال منظمة التحرير بسلطة هزيلة
جميل هلال: أعتقد أن عدة أسباب ذاتية وموضوعية تظافرت لتدفع منظمة التحرير إلى توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993 الذي كان العامل الحاسم في تهميش منظمة التحرير واستبدالها بسلطة هزيلة تقبع تحت سيطرة المحتل والمستعمر الإسرائيلي مسلوبة الإمكانية والإرادة من تحقيق أدنى شروط الدولة الفلسطينية ذات السيادة على أرضها، و من أبرزها التحولات في المنطقة وبخاصة اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل الذي أخرج مصر من حلبة الصراع مع إسرائيل، وثورة إيران الخمينية ودعم دول الخليج العربي، والولايات المتحدة للإسلام السياسي الذي ترافق مع إخراج منظمة التحرير من لبنان بعد حصار دام قرابة ثلاثة شهور، وتشتيت قواها في مواقع عدة، و ولادة خلافات داخلها، ومنها أيضا حروب الخليج واحتلال العراق وإضعافه، وانهيار الاتحاد السوفيتي وتراجع قوى اليسار في العالم وصعود القطب الأوحد في العالم بسيطرة الولايات المتحدة، ومنها تفكك وإضعاف العالم العربي بعد إحباط انتفاضات “الربيع العربي” وصعود الرأسمالية المتوحشة النيوليبرالية.
اتفاق أوسلو لم يكتف بتمزيق منظمة التحرير وتفريغها من برنامجها التحرري، بل قام بتحويل الشعب الفلسطيني إلى تكوينات سياسية وجغرافية معزولة عن بعضها البعض، وتعمل بدون مشروع وطني جامع ولا حركة وطنية موحدة ذات مؤسسات جامعة. الوحدة ستتم بعد مخاض تعيشه كل من التجمعات الفلسطينية الرئيسة، وقد يستمر لفترة غير قصيرة، حيث سيتولد فيها قوى سياسية جديدة ستعمل على طرح مشروع وطني جامع ورؤية سياسية مولدة للتعاضد النضالي المتبادل، والرهان أن العالم العربي لن يبقى على ما هو عليه ولا العالم سيبقى سائرا في درب اللامساواة و الحرمان وحرب الأغنياء على الفقراء.
5- مجلة الربيع: ألا تلاحظ معي أنه منذ الانقسام السياسي والجغرافي للأراضي الفلسطينية جراء اقتتال حركة حماس لحركة فتح وطردها من قطاع غزة سنة 1987، بات ما يسمى بالحوار الفلسطيني – الفلسطيني لإنجاز ما يسمى بالمصالحة الفلسطينية أشبه بحالة كاريكاتورية، فمن جهة حماس ليست عضوا في منظمة التحرير الفلسطينية؛ ومن جهة أخرى، أن معظم أشواط هذا الحوار كانت تجري بواسطة المخابرات المصرية. فكيف تفسرون هذا التناقض الغريب والمثير في نفس الآن؟
جميل هلال: أعتقد أنني لامست الإجابة على هذا السؤال في الرد على السؤال السابق. الصراع بين فتح وحماس والشكل الذي اتخذه هذا الصراع هو من أعراض الحالة التي تعيشها الحالة السياسية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو وتفاقمها جراء تداعيات تشكّل كيانات شبة “دولاتية” ذات مصالح فئوية تقبع تحت سيطرة استعمار استيطاني عنصري وبدعم من قوى إقليمية.
هذا الوضع مس كل مكونات الحركة السياسية الفلسطينية وقدرتها على مجابهة الدولة المستعمرة العنصرية، ومس قدرتها على تنظيم وتعبئة طاقات الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وفرض عليه كيانات محلية غير قادرة على صياغة مشروع وطني جامع ولا بناء حركة وطنية للكل الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتمثيلية، من هنا باتت القرارات تؤخذ خارج إطار مؤسسات وطنية تتمتع بالفعالية والشرعية الديمقراطية أو الثورية، وبات النضال يجري بأدوات فردية أو فئوية أو محلية، و لذلك، ظهر منذ فترة في جنين وفي نابلس و الخليل وغيرها من المدن أفراد أو مجموعات من خارج التنظيمات السياسية وبأهداف يقومون برسم الأهداف وتوفير أدواتها.
6 – مجلة الربيع: هل هدف تحرير فلسطين في حدود عام 1967 وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، كما تبنته منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن تتبناه القمم العربية وضمنها قمة فاس، هو المشروع الآني الممكن؟
العديد من النخب السياسية تتمسك بوهم الدولة المستقلة
جميل هلال: القضية الأبرز التي تجابه الحركة الوطنية الفلسطينية راهنا تتمثل في غياب مشروع وطني سياسي واضح المعالم وجامع لكل مكونات الشعب الفلسطيني. هذا أولا، وفي غياب مؤسسات تمثيلية ديمقراطية جامعة على الصعيدين السياسي والاجتماعي (القطاعي والمهني)، كما وعلى الصعد المحلية، هذا ثانيا. ورغم الفشل المدوي لمشروع إقامة دولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إلا أن العديد من النخب السياسية الفلسطينية المتنفذة ما زالت في حالة إنكار وتتمسك بوهم الدولة المستقلة على الضفة والقطاع رغم كل ما جرى منذ اتفاق أوسلو وحتى اليوم. التمسك بهذا الوهم يؤخر ويشوش على عملية اجتراح مشروع وطني جديد يخاطب مصالح وتطلعات الكل الفلسطيني، بما فيه اللاجئون. إقامة دولة فلسطينية على الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية لا يوفر حلا عادلا للمسألة الفلسطينية بل يبقيها قائمة لأن قضية اللاجئين تبقى قائمة، كما أن قضية إنهاء التمييز العنصري على الفلسطينيين في الأراضي التي احتلت عام 1948 لا تزول بعد قيام دولة على الضفة والقطاع (هذا إن قامت) وبخاصة بعد أن صادقت الحكومة الإسرائيلية في تموز 2018 على قانون أساس القومية واعتبار “إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي”. أي أن كل المعاناة والكفاح اللذين تحملهما الشعب الفلسطيني نتيجة استعمار وطنه وتشريده و تعريضه للقمع والتمييز والحصار والتدمير لمقدراته ولما مارسه من نضال طويل من أجل حريته وتحرره سوف تذهبان سدى.
7- مجلة الربيع: من أخطر التنازلات الفلسطينية التي تسبب فيها القبول المجاني باتفاق أوسلو هو التخلي عن الميثاق الوطني الفلسطيني بعد تعديل بنوده بما يتوافق والرغبة الإسرائيلية وهو ما مس وأساء لحقوق الشعب الفلسطيني. فلماذا لم يعد يجري الحديث داخل الحركة الوطنية الفلسطينية عن الميثاق الوطني، وما هو الموقف المناسب للتعامل مع هذا الميثاق وإمكانية إعادة الإعلان عن التشبث به فلسطينيا؟
جميل هلال: توقيع اتفاق أوسلو مثل التنازل الأكبر عن الميثاق الوطني الفلسطيني، لأنه ترافق مع الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، أي شكل إقرارا بالرواية الصهيونية والتنازل عن عناصر أساسية من الراوية (السردية) التاريخية الفلسطينية، لأنه يتنازل عن فلسطين كما كانت قبل العام 1948، أي فلسطين كجغرافيا كما عرفت في عهد الانتداب (الاستعمار)البريطاني، الممتدة من النهر إلى البحر ومن الناقورة شمالا وحتى رفح جنوب غزة وام الرشراش على خليج العقبة. اختصار فلسطين بالضفة الغربية وقطاع غزة هو تقليص فلسطين إلى ربع حجمها الفعلي، وهو أيضا الارتداد عن اعتبار أن الشعب الفلسطيني يمثله كل أهالي فلسطين قبل العام 1948 وكل من هم من ذرية هؤلاء (ذكورا وإناثا) بغض النظر أين يتواجدون بعد ذلك، وهو انتقاص لنضال الشعب الفلسطيني قبل العام 1948 وبعد ذلك من أجل حق تقرير المصير والحرية والعيش بكرامة على أرض الآباء والأجداد.
بتعبير آخر هو تشويه للتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا وللثقافة الفلسطينية وللحق في العيش بحرية وكرامة وتقرير مصير كامل غير منقوص. نحن بحاجة إلى ميثاق وطني يعيد التأكيد على جغرافيا فلسطين وتاريخها وحقوق أبنائها ولتطلعاتهم للعيش بحرية وكرامة ومساواة.
8- مجلة الربيع: الظاهرة السلبية الأخرى المؤثرة في كفاح الحركة الوطنية الفلسطينية تجسدها حالة اليسار الفلسطيني الذي بات مشلولا وقد انطفأ إعلاميا، كما انه يفتقد حاليا لذلك النضال الطليعي فكريا وسياسيا الذي كان يميزه في السبعينات والثمانينات بما كان يفيد به كافة مكونات اليسار العربي من المحيط إلى الخليج خصوصا أهم فصيلين من فصائله ألا وهما الجبهتان الديمقراطية والشعبية لتحرير فلسطين. فما هي مشكلة انكماش اليسار الفلسطيني بالذات؟
بقيت البنى التنظيمية لليسار أسيرة لتكوينها الداخلي
جميل هلال: في العام 2009 ألفت كتابا بعنوان “اليسار الفلسطيني إلى أين؟” صدر عن دار روزا لوكسمبورغ في رام الله واستند إلى عدد كبير من اللقاءات والحوارات مع أطراف اليسار الفلسطيني التي تعتبر نفسها يسار، وشملت اللقاءات قيادات أولى ومتوسطة وكوادر تخلت عن انتمائها اليساري لأسبابها. السؤال الذي أثرته في البحث دار حول تراجع اليسار وسبل النهوض بدوره. ويصعب هنا الإحاطة بما توصل إليه الكتاب. أهم ما خرج به الكتاب يتلخص بحاجة تنظيمات اليسار لإجراء مراجعة موضوعية وجريئة للأسباب والعوامل الذاتية أولا التي أدت إلى تراجعها. أحد أهم الملاحظات التي وردت في مداخلات اليسار اعتبارها أن العوامل الذاتية كانت صاحبة الدور الأكبر في تراجع دوره ونفوذه، وهي ما يحول دون استنهاضه لدوره. العوامل الذاتية الأبرز التي ذكرت في الكتاب تتمثل في: تكلس البنية التنظيمية لأحزاب اليسار وافتقارها للمرونة الكافية لضمان التواصل بين القاعدة والقيادة وبين مجمل تنظيمات الحزب والجمهور المحيط به، وبالتالي افتقدت القدرة على التأقلم السريع مع المتغيرات الموضوعية والتحولات الخارجية. وبرز هذا في التحولات التي دخلت على الحقل السياسي خلال الانتفاضة الأولى، وبعد اتفاق أوسلو، وإثر قيام السلطة الفلسطينية، والتي أملت مهام جديدة وأشكال تنظيمية ونضالية تتلاءم مع المرحلة الجديدة والتي تطلبت الدمج الخلاق بين مهام التحرر الوطني ومهام النضال الديمقراطي.
بتعبير آخر، بقيت البنى التنظيمية لليسار أسيرة لتكوينها الداخلي المتوارث وأغفلت مسؤولياتها إزاء متطلبات النضال الوطني والديمقراطي. ولم يتردد بعض اليسار في القول بأن التنظيمات اليسارية باتت تدار كمؤسسات لتأمين مصالح خاصة تطغى على وظيفة الأحزاب السياسية والاجتماعية والثقافية. كما أشار إلى ضعف الدور الاجتماعي لتنظيمات اليسار المترافق مع تراجع في الدور الكفاحي كانعكاس لافتقاد اليسار لإستراتيجية تجمع بين ممارسة النضال الاجتماعي ومواصلة النضال من أجل التحرر الوطني. لقد أضاع اليسار هويته الاجتماعية عبر إحجامه عن تبني قضايا الطبقات والفئات الاجتماعية التي على اليسار، ليكون يسارا يحظى بتمثيلها. كما أشار الكتاب، في هذا السياق، إلى انحسار الدور الكفاحي لليسار منذ الانتفاضة الأولى، وهو ما اعتبره كثيرون العامل الأبرز في تراجع هذا الدور، فضلا عن اعتبارهم غياب الدور الاجتماعي والثقافي وانحسار الدور الكفاحي العاملان الحاسمان في تراجع اليسار.
كذلك، أشار إلى ضعف الموارد المالية المتوفرة لدى أحزاب اليسار قياسا لما هو متوفر لدى “فتح” و”حماس”. جانب من هذا الضعف يعود إلى غياب سياسة مالية حكيمة سواء في الاستثمار أو في الصرف أو في الاعتماد على العمل التطوعي والاشتراكات والتبرعات الشعبية.
هنالك كذلك وقع العوامل الخارجية التي مثلتها التحولات الإقليمية والدولية مع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، وجرى تحميل قيادات اليسار مسؤولية مجاراة أسلوب “فتح” (والمعتمد من حركة “حماس”) دون أن يكون لديها الإمكانات ولا الوسائل ذاتها. لقد تراجع العمل التطوعي بعد توقف الانتفاضة الأولى والذي ارتبط ببناء الأحزاب اليسارية لمنظمات جماهيرية ديمقراطية قطاعية (نساء، شباب، معلمين، أطباء، الخ)، وتراجع العمل التطوعي بتراجع حجم ودور هذه الأطر الجماهيرية، وجزء من هذا التراجع يعود للعلاقة النخبوية التي أقامتها أحزاب اليسار مع هذه الأطر وإصرارها على فرض سيطرة إدارية عليها.
كما تم التركيز في الكثير من اللقاءات على حاجة اليسار أكثر من غيره في أن يمثل وحدة الشعب الوطنية في نضاله من أجل التحرر، بالإضافة لتمثيله لمصالح وحقوق الفئات الفقيرة والكادحة في نضالها من أجل المساواة والعدالة والمشاركة. وبرز إدراك آخر بتأثير العوامل الخارجية والموضوعية على تراجع دور اليسار يكمن في فشل التجربة السوفيتية وانهيار منظومة البلدان الاشتراكية في بلدان أوروبا الشرقية، عبر انتفاضات وضغوط شعبية داخلية. يدرك اليسار، كما غيره، أن انهيار الاتحاد السوفيتي أدخل تحولا نوعيا في ميزان القوى الدولي مع اشتداد وتيرة عولمة الاقتصادي الرأسمالي وتبني الحزب الشيوعي الصيني لنظام السوق الرأسمالي. وساهمت التحولات في المنطقة منذ الثورة الإيرانية وحروب الخليج واستثمار جزء من عائدات النفط الخليجية (بالترافق مع الدعم الأمريكي للحركات الجهادية السلفية ضد الشيوعية واليسار بشكل عام كما حدث في أفغانستان وغيرها) في دعم التيارات السلفية وفي السيطرة على المنابر الإعلامية (الصحف والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي) في توليد بيئة سياسية وثقافية متنافرة مع القيم اليسارية والعلمانية والمساواتية. بل ولدّت بيئة أكثر احتضانا للأفكار الليبرالية الجديدة ولتنظيمات الإسلام السياسي وللحركات السلفية، وهذه نمت بقوة وبسرعة في المنطقة.
بانهيار الاتحاد السوفيتي فقدت منظمة التحرير الفلسطينية سندا سياسيا وماديا وباتت الولايات المتحدة، حليف إسرائيل الاستراتيجي، القوة الأعظم في العالم. وشكّل الاتحاد السوفييتي سندا سياسيا و إيديولوجيا و ماديا لليسار الفلسطيني. لكن العلاقة كان لها تداعيات سياسية حدّت، ولو نسبيا، من استقلالية اليسار السياسية (الأخذ بعين الاعتبار مواقف الاتحاد السوفيتي السياسية، والامتناع عن انتقاد سياساته الداخلية)، كما تركت أثارها الأيديولوجية والفكرية (اقتداء اليسار بالمقولات الأيديولوجية السوفيتية بما فيها نظرية النظم والتنظيمات الديمقراطية الثورية)، والتنظيمية (اعتماد النموذج السوفيتي للحزب الماركسي-اللينيني، وللآليات المركزية الديمقراطية)، ولم يسع بالتالي إلى الاستفادة من خبرة قوى اليسار الأخرى في العالم. انهيار الاتحاد السوفيتي أضعف منظمة التحرير، وهذا ترك وقعه على مكانة ونفوذ اليسار حيث لعب اليسار دورا ملموسا داخل وعبر مؤسسات المنظمة التي انتهت أو تم تهميش دورها كثيرا بعد اتفاق أوسلو.
9 – مجلة الربيع: السلطة الفلسطينية تعاني من مشكلة الشرعية. فالشعب الفلسطيني الذي يعطي الشرعية لمؤسسة السلطة بواسطة صناديق الاقتراع صادرت حقه في ممارسة الانتخابات التشريعية وانتخاب رئيس جديد، بعد أن انتهت قانونية الرئيس الحالي منذ عدة سنوات، فهل يجوز تغول السلطة لدرجة مصادرة حق الشعب الفلسطيني الديمقراطي في اختيار من يحكمه ويدير مرحلة استكمال التحرير الوطني، في وقت يعتمد فيه العدو الإسرائيلي الآليات الديمقراطية في بناء مؤسساته رغم طبيعته الصهيونية التوسعية. كيف عالجتم من منظوركم هذا الأمر، فضلا عن استمرار السلطة الفلسطينية في تنسيقها الأمني مع العدو الصهيوني وتحولها إلى شبيه للنظام العربي الاستبدادي في قمعها للمعارضين من رموز النضال الوطني الفلسطيني؟
فقدان الشرعية الديمقراطية والشرعية الثورية
جميل هلال: إلغاء الانتخابات التشريعية (للمجلس التشريعي) التي كان من المقرر إجراؤها في أيار 2021، شكل حدثا صادما لمعظم القوى السياسية ولغالبية المواطنين الفلسطينيين الذين رأوا في الانتخابات العامة، رغم أجراؤها تحت سلطة احتلال استعماري عنصري، فرصة لاختيار ممثليهم في الضفة والقطاع، وترافقت مع طرح إمكانية استكمالها بانتخاب رئيس للسلطة الفلسطينية بعد أن تجاوز الرئيس والمجلس التشريعي قانونيتهما منذ سنوات عديدة.
الواقع الحالي لا يتلخص فقط في فقدان الشرعية الديمقراطية (عبر الانتخابات الحرة) وإنما في فقدان الشرعية الثورية بعد تحول الهدف الرئيسي للحركة الوطنية الفلسطينية من التحرير (من الاستعمار والصهيونية والاحتلال والحصار والتمييز والتطهير العرقي..) إلى بناء الدولة تحت الاحتلال، وبات التنسيق الأمني مع قوة قامعة ومحتلة أمرا تمارسه السلطة الوطنية المتنفذة في رام الله، وتمارس كلا السلطتين في رام الله وفي غزة قيودا على المعارضة السياسية وعلى حرية الرأي والتفكير والتنظيم.
مرة أخرى هناك حاجة ماسة إلى حركة سياسية جامعة (للكل الوطني الفلسطيني) تمثيلية وديمقراطية (بالمعنى القيمي وليس فقط الإجرائي) وتكون مشرفة على الحراكات السياسية في التجمعات الفلسطينية المختلفة. كيف يمكن أن يتم ذلك، هذا بحاجة إلى بحث مطول ونقاش واسع ومفتوح.
10 – مجلة الربيع: ظهرت مؤخرا حركة كفاح مسلح مستقلة للشباب الفلسطيني تسمى “عرين الاسود” من داخل فلسطين كرد فعل على ثنائية شلل الفصائل الفلسطينية وتقاعس السلطة وعلى غطرسة الكيان الصهيوني وتغوله في معاقبة الشعب الفلسطيني بوسائل يجرمها القانون الدولي بما فيها قتل وإبادة الفلسطينيين وأسرهم ومصادرة أراضيهم ومساكنهم، كيف قرأتم ظهور هذه الحركة التي تشكل شوكة حادة في حلق العدو الصهيوني؟
مقاومة المستعمر هو طريق الحرية والمساواة والعدالة
جميل هلال: ظهور نمط محدد من المقاومة في الضفة الغربية والمتمثل في مقاومة أفراد أو مجموعات صغيرة له سنوات عديدة، وإن تصاعد في الآونة الأخيرة، هو في الواقع مؤشر على فقدان السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية القدرة على حماية المواطن الفلسطيني، وعلى غياب دور التنظيمات السياسية في تنظيم المقاومة للمحتل. ومن هنا الالتفاف الشعبي الواسع حول ظاهرة “عرين الأسود” ومجموعات المقاومة التي ظهرت في مخيم جنين والقدس وغيرها من الأماكن وعمليات المقاومة الفردية مثل عملية الشهيد عدى التميمي. إنه تعبير عن الإحساس العام بعدم جدوى مؤسسات السلطة الفلسطينية في مواجهة ما تقوم به إسرائيل من ضم واستيطان وقتل واعتقال وحصار والسيطرة على المعابر والموارد والاقتصاد وحرية التنقل. الاستعمار والقمع والاستيطان والتهجير والقتل كلها عوامل تولد بالضرورة مقاومة وبخاصة عند جيل ضاقت به فرص الحياة بالإضافة أنه لم يعد يرى، كغيره من الفلسطينيين، أفقا مفتوحا لحل سياسي يوفر أدنى مقومات العدالة والسيادة. وما يكشفه المستعمر يوميا هو أنه مهما شدد من قمعه وتنكره للحقوق الجماعية والفردية فلن يقوى على وقف نشوء مقاومة جديدة متجددة. فالعنف، كما علمنا فرانز فانون، هو المنفذ الوحيد لاستعادة المستعمَر إنسانيته التي يهينها الجندي والمستوطن الإسرائيلي كل يوم مرات عديدة.
الشهيد عدي التميمي (2022) يقول في وصيته “أعلم أنني لم أحرر فلسطين بالعملية، ولكن نفذتها وأنا أضع هدفاً أمامي، أن تحرك العملية مئات من الشباب ليحملوا البندقية بعدي”. وقبله قال الشهيد بهاء عليان (2014) في وصيته؛ “أوصي الفصائل بعدم تبني استشهادي، فموتي كان للوطن وليس لكم”. وهنا سرد ديمومة المقاومة وتواصل تبنيها من أفراد ومجموعات صغيرة تدرك أن مقاومة المستعمر هو طريق الحرية والمساواة والعدالة.
1َ1- مجلة الربيع: ضمن الكثير من المسؤوليات التي شغلتموها في السابق، هناك المسؤولية في إعلام مجلة الحرية ومجلة “الفكر الديمقراطي “ومديرا للدائرة الإعلامية لمنظمة التحرير الفلسطينية. فكيف تقيمون وضعية الإعلام الفلسطيني حاليا ومدى تمايزه مع الإعلام الفلسطيني زمن ريادة وطليعية منظمة التحرير الفلسطينية؟
جميل هلال: تركت العمل السياسي المنظم وعدت إلى عالم البحث الأكاديمي والعلمي عام 1993، بعد أن أدركت محدودية هذا العمل (السياسي التنظيمي) وبعد أن عملت مع رفاق آخرين على طرح رؤية جديدة. لكني فشلت وبات واضحا أن اتفاق أوسلو يغلق الباب لحين غير قليل أمام تطوير الحركة السياسية الفلسطينية، لذا عدت إلى ما كنت أفعله قبل انخراطي بالثورة الفلسطينية في أوائل السبعينيات وهو البحث والعمل الفكري. تجربتي الإعلامية (وعملي في التنظيمات الديموقراطية الجماهيرية، وتحديدا بين الشباب والمرأة) كانت مع قوى اليسار الفلسطيني، ولفترة قصيرة بعد العام 1988 مع منظمة التحرير (عند انتقالها لتونس) قبل أوسلو. وهنا كنت كإعلامي أتعامل مع الحركة الفلسطينية ارتكازا على أهدافها وعلاقاتها كحركة تحرر وطني. وهناك فارق كبير بين مهام الإعلامي لحركة تحرر تواجه سلطة استعمارية استيطانية عنصرية ومهام الإعلامي لسلطة تريد التحول إلى دولة على جزء صغير من فلسطين و تحت سيطرة المستعمِر والمحتل والمسيطر. لذا تحول الإعلام الفلسطيني بصفته الطاغية إلى إعلام يشابه إعلام الأنظمة العربية وبرز للسلطة رئيس يخاطب ويعامل كما يخاطب ويعامل رئيس بقية الدول العربية رغم أن الدول العربية دول يفترض أن تكون مستقلة (أي ذات سيادة على إقليمها وإن كان معظمها تابعا بطريقة أو بأخرى)، وهذا ما تفتقده السلطة الفلسطينية المنقسمة والقابعة تحت احتلال استيطاني عنصري يسيطر على مواردها وحدودها وأجوائها وحركة أبنائها. هذا أمر يغيض ويغضب ويثير السخرية، ولا مناص من تغييره إن عاجلا أم آجلا.