بقلم روث فيريرو-توريون*
إذا تم التوصل أخيرًا إلى اتفاق سلام في مصر، يُمكن اعتبار ذلك أعظم إنجاز دبلوماسي في ولاية ترامب الثانية. في الواقع، يُوصف بأنه حدث “تاريخي“، و”نهائي“، بل وحتى “تحويلي“. ومع ذلك، عند تحليل هذه الخطة عن كثب، تكشف عن ثلاث حقائق أساسية لا تُشير إلى سلام عادل بقدر ما تُشير إلى إعادة هيكلة عميقة للسلطة في الشرق الأوسط.
يمكن الإشارة إلى الحقيقة الأولى على أنها نهاية قيادة حماس كفاعل سياسي. بعد سنوات من العزلة والاستنزاف العسكري والحصار الاقتصادي، جُرِّدت الحركة الإسلامية من أي قدرة حقيقية على العودة كمرجعية سياسية في القطاع. الهزيمة في غزة لا تُشير فقط إلى نهاية هيمنتها الداخلية، بل تُشير أيضًا إلى إغلاق دورة سياسية فلسطينية قائمة على المقاومة. يُمكن تحقيق “السلام” بالفعل، ولكن كفرضٍ مُفروض، وليس كاتفاق بين طرفين مُتساوين، حيث يُتناسى، بكل المقاييس، جزءٌ كبيرٌ من المطالب التاريخية للشعب الفلسطيني.
والحقيقة الثانية هي فقدان إسرائيل لمكانتها العالمية. تجد إسرائيل نفسها أكثر عزلةً من أي وقت مضى على الصعيد الدولي، مع خطابٍ مُتهالك لم يعد يُقنع حتى أكثر حلفائها ولاءً. فقد تبرير “الدفاع عن النفس” مصداقيته في مواجهة صور الدمار الشامل ومزاعم انتهاكات القانون الدولي. نتنياهو، الذي كان يومًا ما شخصيةً محوريةً في الدبلوماسية الإقليمية، يجد نفسه الآن محاصرًا، محليًا، بفعل الضغوط الاجتماعية والإجراءات القانونية، وخارجيًا، حيث ضاقت مساحة مناورته بشكل كبير.
الحقيقة الثالثة هي التغيير في السياسة الإقليمية. لقد تغيرت الموازين التقليدية؛ أعادت قوى الخليج وتركيا، وحتى مصر، تحديد أولوياتها بناءً على الأمن والربحية الاقتصادية، تاركة القضية الفلسطينية في وضع هامشي. في هذا السيناريو الجديد، يبرز ترامب كـ”صانع السلام” و”المفاوض”، والاستراتيجي العظيم الذي حقق، على حد تعبيره، “ما لم يحققه أحد من قبل”. إذا كانت اتفاقيات إبراهيم هي التي فتحت الباب أمام التطبيع مع الدول العربية خلال ولايته الأولى، فإن هذه الخطة الجديدة تهدف إلى ترسيخ إرثه الدبلوماسي، إرثٌ تدعمه إسرائيل أقوى وأكثر اعتمادًا على واشنطن.
ومع ذلك، لم يكن من الممكن تنفيذ هذه الخطة إلا لأن ترامب قرر كبح جماح حكومة تل أبيب بعد التقاء حدثين لا ينبغي أن يمرا مرور الكرام. كان أولها الهجوم الإسرائيلي على القيادة السياسية لحماس في قطر، وهو عمل هدد بتفجير أي مسار للتفاوض. أدرك البيت الأبيض خطر فيضان المساعدات، ففرض وقفًا للهجوم العسكري وأعاد فتح القنوات الدبلوماسية. أما السبب الثاني، فلم يكن له علاقة بالحساسية المفاجئة تجاه الشعب الفلسطيني، بل بالعزلة الإسرائيلية والضغط المتزايد من الرأي العام، وخاصة في الولايات المتحدة.
ووفقًا لمركز بيو للأبحاث، يُعرب أكثر من 53% من الأمريكيين الآن عن رأي سلبي تجاه إسرائيل، مقارنةً بـ 42% عام 2022. علاوة على ذلك، لا يؤيد سوى 16% ممن تقل أعمارهم عن 30 عامًا إرسال مساعدات عسكرية إلى إسرائيل، بينما ترتفع هذه النسبة بين من تزيد أعمارهم عن 65 عامًا إلى 56%. تعكس هذه الأرقام تحولًا عميقًا في التصور العام الأمريكي، مما يحد من حرية البيت الأبيض في العمل الخارجي ويُجبره على تبني خطاب “متوازن”، بلاغي أكثر منه واقعي، خاصة مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي.
على أي حال، نحن في مرحلة تمهيدية للغاية من خطة ترامب. حتى الآن، تشمل الاتفاقات الملموسة الوحيدة تبادل الأسرى مقابل الأسرى الفلسطينيين والانسحاب الجزئي للقوات الإسرائيلية من بعض أجزاء غزة. ومع ذلك، لا توجد جداول زمنية محددة أو آليات تحقق. كما لم تُتخذ أي خطوات لمعالجة قضايا جوهرية مثل نزع السلاح وإعادة الإعمار أو تشكيل حكومة انتقالية.
الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الاتفاقية مبنية على الثنائية والفرض، لا على تعددية شاملة تأخذ في الاعتبار المساءلة، وتطبيق العدالة الدولية، أو المشاركة الفعالة للشعب الفلسطيني. لقد تم تهميش صوت المنظمات متعددة الأطراف، مرة أخرى. لا يوجد أي ذكر للتعويض أو العدالة أو تقرير المصير. إنه سلام مصمم من منظور القوة، لا الحقوق.
يجب أن نتذكر أن هذه الخطة لا تتناول سوى الوضع في غزة. لا تذكر شيئًا عن ضم إسرائيل البطيء للضفة الغربية، ولا عن مستقبل القدس، ولا عن إقامة دولة فلسطينية. هذا الإغفال ليس سهوًا، بل هو جزء من المخطط الاستعماري الجديد الذي يحافظ على هياكل السيطرة الإقليمية، بينما يُصوّر “التطبيع” الجزئي كعرض دبلوماسي كبير.
في الواقع، ما يُقدم لنا على أنه إنجاز دبلوماسي عظيم هو خطة استعمارية جديدة، مبنية على الهزيمة وفرض الشروط. هذا يُرسّخ نموذجًا من الوصاية الدولية يُديم التشرذم الإقليمي والتبعية الاقتصادية والتبعية السياسية للشعب الفلسطيني. ما يبدو أنه يُنهي الصراع، في الواقع، يُديم هيكل اللا مساواة. سلامٌ ينبع من الهزيمة، وهو أمرٌ ليس الأول من نوعه في التاريخ. بهذه الطريقة، يُحدّد من يملك المبادرة والقوة القسرية الخريطة، لا القواعد. لقد قرر ترامب العمل بهذه الشروط، وبقية العالم يراقب دون جدوى. مع هذا الحل، سيظل الضحايا هم الخاسرون – في هذه الحالة، الشعب الفلسطيني المُهجّر والمُكمّم الصوت والصامت. وكلنا نعلم أن هذا لا يُحلّ الصراع، بل سيستمر.
إذا تجسّد هذا الاتفاق بشروطه الحالية، فسيكون بلا شكّ نهاية حقبة، ولن يفعل ذلك بفتح أفق المصالحة، بل بإغلاق أفق السيادة الفلسطينية. سيحكم التاريخ على ما إذا كان هذا النظام الجديد سيستمرّ بالسلام أم بالذل. في الوقت الحالي، لا نعرف سوى أمر واحد: “صانع السلام” ترامب هو من يفرض سلامه على أنقاض غزة.
*أستاذة العلوم السياسية والدراسات الأوروبية في جامعة كومبلوتنسي.
https://www.publico.es/opinion/columnas/paz-trump-victoria-impuesta-sobre-ruinas-gaza.html

Ruth-Ferrero