بقلم: يوسف اغويركات
تشهد القضية الفلسطينية في الأيام الأخيرة تحولا ملحوظا في المواقف الدبلوماسية الدولية، تمثل في اتساع رقعة الدول التي تعلن اعترافها بالدولة الفلسطينية، بما في ذلك دول كبرى مثل بريطانيا وأستراليا وكندا. في الظاهر، يبدو هذا التحول خطوة تاريخية طال انتظارها، أو على الأقل انتصارا رمزيا يعيد الاعتبار لحق الفلسطينيين في تقرير المصير. لكن خلف هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري، ما جدوى هذه الخطوة، في ظل استمرار الإبادة في غزة منذ عامين، وتسارع سياسات الضم والتهجير في الضفة والقدس، دون أن ترافقها أي إجراءات عقابية أو آليات ضغط فعلي على إسرائيل؟
الاعتراف، من القانون إلى القناع
الاعتراف بالدولة، وفق القانون الدولي، ليس مجرد إعلان رمزي، بل يجب أن يُقترن بإجراءات ملموسة تُعيد التوازن وتوقف الانتهاكات. كما تؤكد الخبيرة القانونية مونيك شميلييه-جوندرو Monique Chemillier-Gendreau (لوموند، 23 شتنبر 2025)، فإن الاعتراف بلا عقوبات يتحول إلى إجراء رمزي، يُكرّس اختلال القوة بدلا من تصحيحه. إنه تثبيتٌ للوضع القائم، لا مقاومة له. هذا ما يلتقي مع رؤية الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي، الذي يرى في الاعترافات الشكلية “كبديل مخادع للخطوة الحقيقية التي كان لا بد من اتخاذها الآن وهي العقوبات. فالاعتراف مجرد بديل شكلي للمقاطعات والعقوبات التي يجب أن تُفرض على دولة ترتكب إبادة جماعية.” ويضيف جدعون ” إنه مجرد كلام أجوف تتبناه حكومات أوروبا المترددة والضعيفة، لتُظهِر لجماهيرها الغاضبة أنها ليست صامتة” (هآرتس، 3 شتنبر 2025).
في هذا السياق، يصبح الموقف الدولي أقرب إلى التواطؤ منه إلى الإنصاف، إذ يُخفي عجزا أخلاقيا وسياسيا خلف قناع الاعتراف، ويُعيد تعريف الضحية وفق معايير انتقائية تُراعي موازين القوى لا موازين العدالة. الاعتراف الحقيقي لا يُقاس بعدد الدول، بل بجرأتها على فرض القانون، ومواجهة الإفلات من العقاب، وتفكيك منظومة الاحتلال. وإلا، فإن الاعتراف يتحوّل إلى مرآة مشروخة تعكس نوايا حسنة لا تصمد أمام اختبار الفعل.
الإبادة كمرآة للمنظومة الدولية
تقرير اللجنة الدولية المستقلة (14 شتنبر 2025)، برئاسة نافي بيليه، خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية مستوفية لأركان اتفاقية 1948. هذا الاستنتاج لا يترك مجالا للتأويل، الاعتراف بفلسطين دون محاسبة إسرائيل يناقض التزامات الدول الأطراف، ويحول هذا الإجراء الرمزي إلى تواطؤ صامت مع استمرار الجريمة.
هنا، لا يعود الاعتراف خطوة ناقصة فحسب، بل يصبح أداة لتبييض العجز، وتكريس ازدواجية المعايير في النظام الدولي.
الاعتراف كتعويض أم كفرصة؟
في مقالة بعنوان “لا تهوين ولا تهويل… أفكار على هامش تسونامي الاعترافات بالدولة الفلسطينية”، يقدم الباحث عريب الرنتاوي قراءة نقدية متوازنة لموجة الاعترافات الدولية، معتبرا أنها تحمل دلالة سياسية لا يمكن إنكارها، لكنها جاءت، كما قال، “قليلة جدا ومتأخرة جدا”، فهي لم تُسهم في وقف المجازر أو كبح جماح الاستيطان، بل جاءت مشروطة بمنطق أمني يُعيد تشكيل الفلسطيني سياسيا، ويُهمش المقاومة. كما يُنبه إلى تغييب قضية الأسرى، مقابل التركيز على الرهائن الإسرائيليين، ما يكشف عن اختلال أخلاقي في خطاب “حقوق الإنسان”.
هذا التوصيف يُسلط الضوء على البُعد الإجرائي الغائب في الاعترافات، ويُظهر كيف يمكن للخطاب السياسي أن يتحول إلى أداة لإعادة هندسة القضية الفلسطينية، بدلا من أن يكون تثبيتا لحقوقها التاريخية والقانونية.
ومع ذلك، فإن هذا التحول الدبلوماسي لم يكن ممكنا لولا الانقلاب في الرأي العام العالمي، الذي بدأ يُسقط صورة إسرائيل “الاستثنائية”، ويُواجهها كدولة فصل عنصري وإبادة. لكن الحكومات، حتى حين تذعن لضغط شعبي، تظل حريصة على تجنب أي خطوات عملية تُلزم إسرائيل.
الاعتراف هنا يبدو أشبه بإبراء ذمة، لا التزاما سياسيا، يرسخ صورة الفلسطيني كضحية غير مكتمل، لا تستحق التضامن الكامل.
أزمة النظام الدولي، ازدواجية المعايير
سبق لي أن تناولت في مقالات سابقة جوهر المنظومة الدولية واختلالاتها البنيوية، خصوصا حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. وقد أشرت مرارا إلى أن غزة تشكل اختبارا كاشفا لهذه المنظومة، حيث تُفرض العقوبات على دول في حالات أقل خطورة، بينما يُترك الفلسطينيون تحت القصف والتجويع دون أي تدخل فعلي.
هذا التفاوت في الاستجابة لا يعبر فقط عن خلل في تطبيق القانون الدولي، بل يكشف عن ازدواجية عميقة في تعريف “الضحية المستحقة للتضامن”. وفي هذا السياق، يصبح الاعتراف بفلسطين، حين يقدم دون قرارات ردعية أو التزامات عملية، امتدادا لسياسات رمزية تقصي الفلسطيني من مركز العدالة الدولية، ويُعيد تدوير الخطاب الانتقائي مما يُفرغ مفاهيم الإنصاف من مضمونها.
أي اعتراف نريد؟
هذا التحول الدبلوماسي، في غياب آليات تنفيذية ملموسة، يظل خطوة رمزية فارغة، وربما غطاء لتواطؤ دولي متجدد. لكن إن أحسن استثماره، يمكن أن يتحول إلى فرصة استراتيجية، عبر مسارين متلازمين:
أولا: المسار الدولي، تحويل الاعتراف إلى مدخل لعزل إسرائيل، بفرض عقوبات، مقاطعة، وتفعيل آليات الأمم المتحدة لتجاوز الفيتو الأميركي، كما جرى مع نظام الأبرتايد.
ثانيا: المسار الفلسطيني، مراجعة داخلية تعيد بناء الشرعية الوطنية على أسس ديمقراطية وتمثيلية، وتعيد تعريف دور السلطة والمقاومة في مشروع وطني موحد وفاعل.
ما بعد الرمزية
الاعتراف، في ذاته، لا يوقف حربا ولا يحرر أرضا، لكنه يمكن أن يكون نقطة ارتكاز إن تحول من شعار إلى أداة ضغط. السؤال لم يعد، هل نحتاج إلى الاعتراف؟ بل أي اعتراف نريد؟
هل هو اعتراف شكلي يُستخدم لتسكين الضمير الغربي؟ أم اعتراف فاعل، مُلزِم، يُعيد تعريف العدالة في القرن الحادي والعشرين؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل فلسطين، بل أيضا مصداقية القانون الدولي، ومعنى الإنسانية في زمن الإبادة.
