محمد التاودي
من أعماق الذاكرة الجمعية للأمة، حيث تهمس رياح التاريخ بحكايات السيادة والانتماء، تولد حكاية الصحراء المغربية؛ حكاية صمود وإصرار على الوحدة والكرامة.
فالصحراء المغربية ليست مجرد رقعة على خريطة، بل صفحة مشرقة من صفحات الوحدة الترابية، تجسدت في مسيرة نضال متواصل من أجل استكمال الاستقلال وترسيخ السيادة. ورغم ما واجهته من محاولات التمزيق، ظلت هذه الأرض رمزًا للثبات والانتماء، تشهد على تلاحم الإنسان بالأرض والتاريخ.
هي قصة وطن حوّل الصراع إلى جسر للتواصل، وأثبت أن صدق الانتماء وحكمة القيادة قادران على تحويل التحديات إلى انتصارات. فالصحراء التي حاول البعض فصلها عن وطنها، استعادت مكانتها في الجغرافيا والوجدان، وأضحت نموذجًا في البناء الدبلوماسي والتنمية المتوازنة.
وعلى مسرح السياسة الدولية، حيث تلتقي حرارة الانتماء ببرودة المناورات، برزت قضية الصحراء كواحدة من أطول ملاحم التحرر والبناء في العصر الحديث، تحمل في طياتها عبق البيعات السلطانية وصدى المسيرات السلمية ووقار القرارات الأممية التي تؤكد مغربية الصحراء.
ومن هذا الوعي التاريخي، تأتي هذه الورقة لتوثق مسار القضية منذ فجر الاستقلال حتى أكتوبر 2025، حيث انعطف مسار النزاع نحو أفق جديد، مؤكدة الرؤية الوطنية التي جعلت من الصحراء عنوانًا للسيادة والاستقرار.
المرحلة الأولى: جذور في عمق التاريخ (1956 – 1975)
مع بزوغ فجر الاستقلال عام 1956، وتحرر المغرب من براثن الحماية الفرنسية والإسبانية، لم تكتمل فرحة التحرر. ففي خطاب تأسيسي بالدار البيضاء، أطلق الملك محمد الخامس صيحته الخالدة: “لن يني المغرب جهداً في استكمال وحدته الترابية من طنجة إلى الكويرة”.
كانت الكلمات أشبه بعقد اجتماعي جديد، غرست بذوره في تربة الوجدان الجمعي، فنما منه إجماع وطني صلب، تحول إلى سردية مؤسسة للدولة والمجتمع، تجسدت في الخطاب الديني للمرجعية التقليدية وممارسات الولاء اليومية.
ولم تكن هذه الدعوة وليدة اللحظة، بل كانت تتويجًا لشرعية تاريخية متجذرة. فوثائق “البيعات” المتتالية بين شيوخ القبائل الصحراوية وسلاطين المغرب، كانت عهود ولاء وطاعة، نقشت ليس على الرقاق فحسب، بل في مسالك القوافل وذاكرة الرمال.
وقد تجسدت السيادة المغربية عيانًا في رحلات السلطان مولاي الحسن الأول (1886) إلى الأقاليم الجنوبية. حيث مارس أفعالاً سيادية متعددة كالجباية وتعيين القضاة. حتى اتفاقية لالة مغنية (1845) مع فرنسا، لم تشِر إلى أي كيان منفصل، مؤكدة بذلك امتداد النفوذ المغربي.
ولا يقف الدليل عند هذا الحد، فقد يعزز هذا الامتداد التاريخي اتفاقية مراكش 1799 بين السلطان سليمان بن محمد وبريطانيا، التي اعترفت صراحة بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية. كما مثل المبعوث المغربي الأقاليم الصحراوية في مؤتمر برلين 1884، مجسدًا ممارسة فعلية للسيادة في المحافل الدولية.
ولم تكن هذه العلاقة نظرية فحسب، بل تجسدت في نظام “المخزن الصحراوي” الإداري المتكامل. هذا النظام أشرف على الجبابات وعين القضاة، مدحضًا بذلك فكرة “الأرض بلا سلطة”.
بل إن جذور الوجود المغربي في الصحراء تمتد إلى أبعد من ذلك. فالمخطوطات التاريخية المحفوظة في الخزانات العائلية بالصحراء تشير إلى التواصل العلمي والثقافي المستمر مع مراكز العلم في فاس ومراكش.
ولعل من أبرز مظاهر هذه الرابطة الأصيلة أن الصحراء كانت تمثل شريانًا حيويًا للتجارة. كانت القوافل تربط المغرب بإفريقيا جنوب الصحراء، حيث كانت تنقل الذهب والملح والسلع الثمينة. مؤكدة بذلك الدور الاقتصادي الاستراتيجي للإقليم في النسيج الاقتصادي المغربي.
وكشفات الوثائق تسير في المسار نفسه، فقد أكدت الوثائق الأرشيفية الفرنسية تبعية الصحراء للمخزن المغربي قبل الاستعمار. حيث كان شيوخ القبائل يدفعون الزكاة ويستمدون الشرعية من السلطان.
وتجسد هذا الأمر على أرض الواقع، فقد شكل تسليم إسبانيا لمنطقتي طرفاية (1958) ثم سيدي إفني لاحقًا (1969)، فصولًا أولى في مسلسل استعادة الوحدة. لكن قلب الصحراء بقي رهينًا.
وموازاة مع هذه الجهود على الأرض، أضافت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1960 حجرًا جديدًا في بناء القانون الدولي لإنهاء الاستعمار عبر القرارين 1514 و1541، اللذين أكدا حق الشعوب في تقرير المصير. وفي 1963، أدرجت الصحراء الغربية رسميًا في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لتبدأ رحلة قانونية دولية جديدة.
المرحلة الثانية: المسيرة التي هزت العالم (1975 – 1991)
بحلول عام 1975، طلب المغرب رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري.
جاء الرد ليؤكد يقين التاريخ؛ فاعترفت المحكمة بوجود “روابط قانونية وولاء” بين قبائل الصحراء وسلطان المغرب، وهو ما نقض أساس ادعاء إسبانيا بأن الصحراء كانت “أرضًا بلا مالك”.
ورغم أن المحكمة رأت أن هذه الروابط لا تمثل السيادة الكاملة بمعناها الإداري في السياق الاستعماري،فإنها لم تنف أو تعارض حق المغرب في استكمال وحدته الترابية، بل فتحت المجال أمامه لتجسيد هذا الحق عبر الآليات التي تعبر عن الإرادة الشعبية لتقرير المصير في إطار هذه الروابط التاريخية.
وفي خيام بدوية تنتشر في رمال الصحراء، اجتمع الشيوخ لمناقشة هذا الرأي، مؤكدين أن “روابط الولاء” هي عين السيادة، والتجسيد الحي للانتماء والبيعة التي وحدت المغاربة على مر العصور.
وكان الرد المغربي على هذا التفسير ضمنيًا واستثنائيًا. ففي نوفمبر 1975، انطلقت “المسيرة الخضراء”، ذلك المشهد الملحمي حيث تقدم 350,000 متطوع مغربي، كموج بشري هادر، حاملين المصاحف والأعلام، لا السلاح، نحو الصحراء. كانت لوحة إنسانية نادرة، أجبرت العالم على الإنصات لإرادة شعب وحكمة قيادة، وحسمت الأمر على الأرض دون رصاصة.
ولم تكن المسيرة الخضراء وليدة لحظتها، بل كانت تتويجًا لسلسلة من الاستفتاءات الشعبية التي نظمت في أعوام 1970 و1975 و1981، عبرت فيها القبائل الصحراوية عن ولائها للملكية المغربية.
وكانت الاستقبالات السلطانية للوفود الصحراوية في حفلات البيعة تمثل طقسًا سياسيًا ودينيًا يكرس الانتماء. مدعمًا بشهادات تاريخية من تقرير البعثة الأمريكية 1880 ومذكرات الضباط الإسبان التي تسجل دفع القبائل الصحراوية للضرائب للسلطان المغربي.
وتوج هذا المسار التاريخي توقيع “اتفاقية مدريد” بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا، لينسحب المستعمر الإسباني أخيرًا. ودخل المغرب فورًا ليدير الإقليم ويبني بناه التحتية، ناقلًا السيادة من نظرية التاريخ إلى واقع الإدارة والحكم.
لكن الساحة لم تخل من تعقيد، ففي عام 1976، أعلنت جبهة البوليساريو، بدعم من الجزائر، قيام ما سمي “بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” من منطقة نائية، وأطلقت حرب عصابات ضد المغرب.
وفي المقابل، لم يقف السكان مكتوفي الأيدي، فقد شهدت الأقاليم الجنوبية مقاومة شعبية منظمة ضد محاولات الانفصال. شكل السكان المحليون لجانًا للدفاع عن الوحدة الترابية، وانخرطوا في مسيرات واحتجاجات سلمية أكدت تمسكهم بالهوية المغربية، وهو ما وثقه عدد من المراقبين الدوليين في مظاهرات عمت مدن العيون والداخلة والسمارة، معبرة عن رفض السكان لأي محاولة لتمزيق النسيج الوطني.
وتزامنت هذه المقاومة الشعبية مع تحولات حاسمة على الصعيد الإقليمي؛ ففي منعطف مهم عام 1979، أعلنت موريتانيا انسحابها الرسمي من الحرب، متخلية عن مطالبها في القطاع الجنوبي من الصحراء بعد سنوات من المعاناة والأزمات الاقتصادية والضغوط العسكرية.
وبانسحابها، انتقلت السيطرة الكاملة على المناطق الجنوبية إلى المغرب، الذي عزز وجوده العسكري والإداري، مكتملًا بذلك سيطرته على كامل الصحراء، ومحققًا انتصارًا استراتيجيًا وميدانيًا عزّز موقفه السياسي والعسكري.
ولتعزيز الوجود الفعلي وتأمين الحدود، شرع المغرب في بناء جدار أمني عازل امتد كشريط دفاعي حي عبر الصحراء. لم يكن هذا الجدار مجرد خط عسكري، بل تحول إلى شريان حياة ينقل الأمن والاستقرار إلى عمق الأقاليم الجنوبية، محولاً الصحراء النافعة إلى فضاء للتنمية والعمران.
صُمم الجدار بعناية ليترك منفذاً ضيقاً نحو الجزائر، ليس لتحديد الحدود – فهذه واضحة بالقوانين والاتفاقيات – بل ليكون رمزاً للأخوة والتضامن مع الشعب الجزائري. يذكّر هذا التصميم بأن أي خلافات بين الجارين لا يمكن أن تكون أعلى من جسور المصير المشترك وروابط الأخوة التي تجمع بينهما.
المرحلة الثالثة: أحلام الاستفتاء وأوهام الهوية (1991 – 2000)
مع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991 برعاية الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية، دخل النزاع طورًا جديدًا. أنشأ مجلس الأمن بقراره رقم 690 بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، حاملًا بشرى حل يلوح في الأفق.
ومع مرور الأيام، تحول الأمر غير المتوقع، ففي قلب الإقليم، ظلت بعثة المينورسو شاهدًا صامتًا على جمود الحل. لم تكن مهمة البعثة، في جوهرها، سوى الإشراف على وقف إطلاق النار، لكنها تحولت عمليًا إلى مؤسسة للمراقبة في منطقة تفصلها الرمال عن واقع التنمية والازدهار. وطوال عقود، كان تجديد ولايتها روتينًا سنويًا يكشف عن عمق الخلاف حول تحديد الناخبين.
وسرعان ما اصطدمت الآمال بصخرة الواقع، فطوال التسعينيات، علقت جهود الاستفتاء بسبب خلافات مستعصية على معايير تحديد هوية الناخبين. تمسك المغرب بمبدأ “لا استفتاء بدون تصويت المغاربة الذين طردهم الاستعمار الإسباني”، بينما سعت البوليساريو، بدعم جزائري، إلى إدراج عشرات الآلاف من غير الصحراويين في مخيمات تندوف.
وقرار مجلس الأمن رقم 1108 لسنة 1997، الذي جدد ولاية بعثة المينورسو، لم يستطع إنقاذ مسار الاستفتاء من الغرق في مستنقع الخلافات.
وقد كشف فشل هذا المسار عن محدودية الآليات التقليدية للأمم المتحدة في معالجة نزاعات السيادة، مما دفع نحو البحث عن نماذج جديدة تتوافق مع الخصوصيات التاريخية والواقعية لكل قضية. وتجسد هذا الجمود بوضوح في مفاوضات هيوستن عام 1997، حيث جلس الوفدان في صمت ثقيل، عاجزين عن الاتفاق حتى على الأسماء.
الدور الجزائري وجبهة البوليساريو: استمرار الأزمة
خلف الكواليس، كان “الدور المحرك للجزائر”، كما وصفه مراقبون، عاملًا حاسمًا في تشكيل مسار النزاع. فبدلًا من أن تكون “مراقبًا” محايدًا، اتخذت الجزائر موقف الطرف الرئيس في النزاع، موفرة لـ “البوليساريو” الملاذ والدعم اللوجستي والتمويل والسلاح، في سياق استراتيجية إقليمية هدفت إلى إطالة أمد التوتر وتقويض مسار التكامل المغربي الإقليمي.
ومع كل جولة مفاوضات، كان موقف الجزائر يزداد تشددًا، مما جعل فرص التقارب تتضاءل، وزاد من تعقيد مهام الأمم المتحدة في تطبيق خططها.
جبهة البوليساريو: تحول الأدوار وتحديات الأمن الإقليمي
وقد عرفت جبهة البوليساريو تحولًا دراميًا منذ نشأتها، إذ انتقلت من حركة سياسية تزعم تمثيل الصحراويين إلى كيان يقوم على الترهيب والتجنيد القسري، منسلخ عن مبادئ التحرر التي كان يتغنى بها.
فقد اعتمدت، منذ بداياتها، أسلوب العنف المسلح والاختطاف، حيث توغلت مرارًا في الأراضي المغربية مستهدفة المدنيين العزل، لتقتاد العديد منهم إلى ما يعرف بـ “مخيمات تندوف”، التي تحولت إلى فضاء مغلق تنتهك فيه أبسط الحقوق الإنسانية، وتصادر فيه حرية الأفراد باسم شعارات زائفة.
ومع مرور الزمن، لم تعد البوليساريو مجرد حركة ذات طابع سياسي، بل تحولت إلى منظمة عابرة للحدود، تتقاطع فيها المصالح غير المشروعة مع شبكات الجريمة المنظمة في منطقة الساحل الإفريقي.
فقد انخرطت في عمليات الاتجار بالبشر والمخدرات، واستغلت المساعدات الإنسانية الدولية لتغذية اقتصاد خفي يقوم على الفساد والابتزاز. كما قامت باستقطاب عناصر من دول إفريقية فقيرة عبر وعود مضللة، قبل أن تسخرهم في خدمة أجندات تتجاوز قضية الصحراء نحو فضاءات الإرهاب والفوضى.
وأصبحت هذه الشبكات تمثل تهديدًا أمنيًا للإقليم، حيث تداخلت مصالحها مع الجماعات الإرهابية في الساحل الإفريقي، مستفيدة من الفراغ الأمني والفساد في بعض المناطق.
وإيماءًا في التستير على هذه الممارسات، ظلت الجبهة ترفض أي إحصاء رسمي لسكان مخيمات تندوف، مدركة أن الشفافية ستكشف حجم الانتهاكات، وعدد الضحايا الذين يعيشون منذ عقود تحت سلطة أمر واقع لا شرعية له.
وقد كشفت تقارير دولية متعددة عن استغلال قيادات البوليساريو للمساعدات الإنسانية، حيث تحولت هذه المساعدات إلى أداة للثراء غير المشروع والتحكم في السكان. وقد وثقت منظمات حقوقية حالات تلاعب في توزيع المواد الغذائية والأدوية، حيث يحرم المعارضون وأسرهم من أبسط حقوقهم الإنسانية في إطار نظام قمعي يكرس التبعية والخوف.
الدور الجزائري في استمرار الأزمة
أما الجزائر، فقد تبنّت قضية الصحراء كأداة لتحقيق أهداف جيوسياسية متعددة: منع المغرب من المطالبة بالصحراء الشرقية (منطقة تندوف والمناطق الحدودية)، وتحقيق حلم الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر إقامة كيان تابع في الجنوب، وتحويل انتباه الرأي العام الجزائري عن الأزمات الداخلية.
ولقد وصل الأمر بالرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى المطالبة بتقسيم الصحراء عندما أيقن استحالة قيام دولة سادسة في المغرب العربي، وذلك بعد تأكيد الاتحاد الأوروبي على هذه الحقيقة.
تكلفة الأزمة على الشعبين المغربي والجزائري
وتكلفة هذه الأزمة المصطنعة باهظة جداً، وكما وصفها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون نفسه بأنها “مال قارون”، حيث أنفقت الجزائر مبالغ طائلة على شراء الأسلحة وتمويل الأنشطة العدائية، وشراء الذمم واللوبيات الدولية، وتمويل تحركات البوليساريو الدعائية حول العالم.
في المقابل، يعاني الشعب الجزائري من فقر مدقع ونقص حاد في المواد الأساسية، وطوابير طويلة للحصول على أبسط المستلزمات، وحرمان من الحقوق الأساسية والحرية.
انعكاسات السياسة الجزائرية على العلاقات المغربية
واتخذت الجزائر سلسلة من الإجراءات العدائية تجاه المغرب شملت طرد آلاف المغاربة المقيمين في الجزائر ومصادرة ممتلكاتهم، وقد تم ذلك في يوم عيد الأضحى المبارك سنة 1975، في مشهد مؤلم لا يمحى من الذاكرة الجمعية للمغاربة، إذ تم اقتياد الأسر قسرًا نحو الحدود دون السماح لهم حتى بتوديع جيرانهم أو أخذ أمتعتهم، فقط انتقامًا من تنظيم المسيرة الخضراء السلمية.
كما شملت هذه الإجراءات قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل متكرر، وإغلاق الحدود البرية والجوية بشكل تعسفي، وتعليق أنبوب الغاز المتجه إلى إسبانيا عبر المغرب، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية من خلال قتل شباب مغاربة على الشواطئ.
ولقد أسهمت هذه السياسات العدائية لم تؤد فقط إلى تأجيج النزاع في الصحراء، بل ساهمت في تعميق معاناة جميع شعوب المنطقة، وحرمت شمال إفريقيا من فرصة تاريخية للبناء والتطور في ظل التعاون والإخاء.
ورغم هذه السياسات، ظل المغرب يمد يد المصالحة، مؤمنًا بأن مستقبل المنطقة يكمن في التعاون والتكامل، وأن جدران الكره لا تبني أممًا، بل تزيد من معاناة الشعوب وتأخر المنطقة.
المرحلة الرابعة: من وهج الاستفتاء إلى ضوء الحل السياسي (2000 – 2020)
مع فشل مسار الاستفتاء، برزت الحاجة إلى حلول سياسية أكثر واقعية. فبين عامي 2001 و2003، قدم المبعوث الأممي جيمس بيكر “خطة بيكر الثانية”، التي اقترحت حكمًا ذاتيًا انتقاليًا يليه استفتاء. قبلت البوليساريو الخطة بتردد، لكن المغرب رفضها رفضًا قاطعًا، معتبرًا إياها بوابة محتملة للانفصال.
ثم جاء منعطف استراتيجي جديد، حين قدم المغرب في عام 2007 “مبادرة الحكم الذاتي” تحت سيادته، منتقلًا براعة من موقع المدافع إلى المبادِر. وبدعم من قرار مجلس الأمن رقم 1754، الذي دعا إلى مفاوضات مباشرة، بدأت المبادرة المغربية تكتسب تأييدًا دوليًا متزايدًا، وظهرت كحل واقعي وسط بحر من المستحيلات.
ولم تكن ساحة الأمم المتحدة بمعزل عن هذا الحراك، فقد ظلت مسرحًا آخر للمنازلة الدبلوماسية، حيث لعبت اللجنة الرابعة (لجنة تصفية الاستعمار) دورًا محوريًا في صياغة السردية الدولية للقضية.
ولسنوات طوال، كانت الجلسات في نيويورك أشبه بساحة “استماع” سنوية، يتقدم فيها منتخبو الأقاليم الصحراوية، عبر رسائل وشهادات مباشرة، ليؤكدوا انتماءهم الأبدي للمغرب ورفضهم لمشروع الانفصال، داحضين بذلك ادعاءات البوليساريو بتمثيلها الوحيد للسكان.
ومع تحول مسار النزاع نحو الحل السياسي، باتت قرارات اللجنة تؤكد على أولوية الحل الواقعي والعملي وتدعو الأطراف إلى المفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي، مُفرغة مبدأ الاستفتاء من محتواه العملي.
المشاريع التنموية: تحويل الصحراء إلى قاطرة للازدهار
وعلى الأرض، لم يكن الحدث أقل أهمية، فقد حول المغرب التنمية إلى أداة سيادية، جاعلًا من الاستثمار والبنية التحتية وسيلة لتكريس الوحدة الوطنية.
فمشاريع مثل ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع طنجة – الداخلة، وغيرها من الاستثمارات الضخمة في الطاقة والبنى التحتية، جعلت من الأقاليم الجنوبية نموذجًا للازدهار مقارنة بمخيمات تندوف.
وفي إطار تحويل هذه الأقاليم إلى قاطرة تنموية، أطلق المغرب سلسلة من المشاريع الهيكلية الكبرى، أبرزها: مشروع خط أنابيب الغاز نيجيريا – المغرب بشراكة مع دول إفريقية عدة، والمركز الجهوي للاستثمار بالداخلة الذي جذب مستثمرين من إفريقيا وأوروبا وآسيا.
وقد شكلت هذه المشاريع منظورًا حيويًا لتحقيق التكامل الإقليمي، وجعل الأقاليم الجنوبية مركزًا لوجستيًا واقتصاديًا رائدًا.
كما عزز المغرب الإجماع الداخلي عبر إشراك منتخبي الأقاليم ومؤسسات المجتمع المدني، مجسدًا إرادة السكان تحت مظلة الحكم الذاتي.
ولم يقتصر النموذج التنموي على البنى التحتية الكبرى، بل شمل تأهيل الكفاءات المحلية عبر إنشاء جامعة محمد السادس بوليتكنيك بالعيون، والمعهد المتخصص في المهن التمريضية، ومراكز التكوين المهني.
كما تم إطلاق برامج لدعم المقاولين الصغار والشباب، وتحفيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، مما حول الأقاليم الجنوبية إلى قطب اقتصادي واعد يجذب رؤوس الأموال الوطنية والدولية.
وشمل النموذج أيضًا برامج لتمكين المرأة الصحراوية ودعم المشاريع الصغيرة، وإدماج الشباب في مسارات التنمية، مما أسهم في خلق طبقة وسطى محلية أصبحت حامية لمشروع الحكم الذاتي وداعمة لاستقرار المنطقة.
وعلى الصعيد الثقافي، شهدت الأقاليم الجنوبية نهضة في إحياء التراث الصحراوي الأصيل، من خلال المهرجانات الدولية لفنون الصحراء، وترميم القصبات التاريخية، وإنشاء متاحف جهوية تجسد عمق الانتماء الحضاري للمغرب، وتؤكد أن التنوع الثقافي في الصحراء كان ولا يزال جزءًا أصيلًا من نسيج الهوية المغربية الموحدة.
وتظهر المؤشرات الكمية ضخامة هذا التحول: فقد تجاوز حجم الاستثمارات في العقد الأخير 120 مليار درهم، مع نمو في الناتج المحلي الإقليمي بنسبة 7.5% سنويًا، وهو أعلى بثلاث نقاط من المعدل الوطني.
كما انخفض معدل البطالة من 22%إلى 12% في خمس سنوات، فيما تضاعف سكان العيون من 40,000 نسمة سنة 1975 إلى أكثر من 250,000 اليوم.
هذه الحقائق الكمية والتحول النوعي على الأرض ليست مجرد مشاريع، بل هي أفعال سيادية ترسخ “الشرعية الواقعية” للوحدة الترابية. فبينما يعاني سكان مخيمات تندوف من التهميش وصرف المساعدات على تمويل الأنشطة العدائية، تحقق الأقاليم الجنوبية نمواً اقتصادياً يفوق بـ 40% معدلات العديد من مناطق شمال إفريقيا، مما يجعل من خيار الحكم الذاتي ليس فقط حلاً سياسياً، بل إطاراً للازدهار المستدام يتجسد فيه مصير السكان
وحقهم في التنمية والعيش الكريم.وهكذا، تحولت الصحراء من رقعة نزاع إلى مختبر حي للنجاح الأفريقي، ومنطقة جاذبة لرؤوس الأموال والاستقرار.
أما الرؤية المستقبلية، فتستهدف تحويل الصحراء إلى منصة إقليمية للطاقات المتجددة بطاقة مستهدفة تبلغ 10,000 ميغاواط، وإلى مركز لوجستي عالمي يربط إفريقيا بأوروبا، ونموذج للتعايش الثقافي بين الأصالة والحداثة.
كل ذلك يجعل من الصحراء المغربية مختبرًا حيًا للتنمية المستدامة، ونموذجًا لإفريقيا الغد التي تسعى للسلام والازدهار تحت راية التوازن بين الهوية والتقدم.
المرحلة الخامسة: رياح التغيير وزلزال الاعتراف (2021 – 2025)
شهد العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحولات جيوسياسية شكلت نقلة نوعية في مسار القضية. ففي نوفمبر 2020، شكل تحرير منطقة الكركرات وإعادة فتح المعبر الحدودي بين المغرب وموريتانيا منعطفًا استراتيجيًا حاسمًا.
تمكن الجيش المغربي من طرد عناصر البوليساريو المسلحة من المنطقة المنزوعة السلاح، موضعًا حدًا لعمليات عرقلة حركة السلع والأشخاص عبر هذا المحور الحيوي.
وترافق هذا الإجراء مع تعزيز الجدار الأمني المغربي عبر إنشاء مواقع دفاعية متقدمة، شكلت سدًا منيعًا أمام أي محاولات لتعطيل حرية التنقل والتبادل التجاري بين دول المغرب العربي.
ومثلت هذه العملية العسكرية رسالة واضحة بتفوق الوجود المغربي الفعلي على الأرض، مجسدة مقولة “الوقائع ترجح على الخطابات”. كما أسهمت في تعزيز التواصل البشري والاقتصادي بين ضفتي الصحراء، مكرسة حقائق جديدة على الأرض عززت من شرعية الوجود المغربي في الأقاليم الجنوبية.
الاعترافات الدولية: تحول دبلوماسي غير مسبوق
وبعد ذلك مباشرة، في ديسمبر 2020، هز “اعتراف أمريكي تاريخي” أركان الدبلوماسية الدولية، عندما أعلنت الولايات المتحدة رسميًا اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، كجزء من اتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
كان الاعتراف تتويجًا للوقائع الجديدة التي أرساها التدخل المغربي في الكركرات، وإعادة فتح الطريق الدولية، حيث أعاد رسم خريطة التحالفات، وشجع عشرات الدول على فتح قنصليات في العيون والداخلة، معززًا الشرعية الواقعية على الأرض.
ولم يكن الحديث عن التحول ليقف عند هذا الحد، فقد تلى ذلك “تحول أوروبي غير مسبوق”، حيث أعلنت دول كبرى مثل إسبانيا وألمانيا وهولندا وفرنسا وبريطانيا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرة إياها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”. وبينما كانت الجزائر، الرهان الخاسر على خيار الانفصال، تجد نفسها في موقف متزايد العزلة.
ولم يكن المسرح الأفريقي بأقل تعقيدًا؛ فمنذ لحظة إدراج “الجمهورية الوهمية” في منظمة الوحدة الأفريقية عام 1984، في إجراء خالف ميثاق المنظمة وأثار أزمة دبلوماسية أدت إلى انسحاب المغرب التاريخي، بدا أن بوصلة القارة قد انحرفت.
لكن عودة المغرب المظفرة إلى بيت الاتحاد الأفريقي عام 2017، كانت بمثابة رياح تصحيح عاتية. فمنذ تلك اللحظة، نجحت الدبلوماسية الملكية في تحييد المنظمة من النزاع، حيث أكد الاتحاد، عبر القرارات اللاحقة، على دعم مسار الأمم المتحدة الحصري.
وقد تحولت القارة من مصدر إزعاج إلى حليف، حيث أسهمت ديناميكية العودة، وما رافقها من افتتاح قنصليات أفريقية في العيون والداخلة، في إعادة توجيه البوصلة الأفريقية نحو دعم الشرعية المغربية.
وقد تعزّز هذا المسار بحركةٍ إنسانيةٍ مهمة، فقد شهد هجراتٍ معاكسةً لآلاف الصحراويين، من بينهم بعضُ مؤسسي الحركة الانفصالية، العائدين من مخيمات تندوف إلى الوطن الأم، مستجيبين لنداء العفو الملكي.
القرار الأممي 2797: خطوة محورية لمبادرة الحكم الذاتي
وعليه، ومع هذه التهيئة الوطنية والدولية، تجلّت قوة المشروع الوطني من خلال اعتماد مجلس الأمن لمبادرة الحكم الذاتي كحل استراتيجي، حيث شكّل القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025 منعطفًا حاسمًا، تتويجًا لمسار دبلوماسي طويل، إذ انتقلت لغة المجلس من الخطاب التقليدي إلى التأكيد الصريح على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس ذي جدوى للحل القابل للتنفيذ.
ومن هنا، برز التحول النوعي في الموقف الدولي، حيث لم يعد النقاش يدور حول بدائل متعددة أو مقترحات متنافسة، بل أصبح القرار الأممي بمثابة إعلانٍ واضح لانتصار الدبلوماسية المغربية، إذ حطم هذا القرار حاجز الغموض، محوّلًا المبادرة المغربية من خيار بين خيارات متعددة إلى مرتكز شرعي للعملية السياسية.
وانطلاقًا من هذا الاعتراف الأممي المتجدد، حرصت المملكة المغربية على تخليد هذا الإنجاز التاريخي، واستحضار رمزيته في الذاكرة الوطنية، فكان أن أصدرت قرارًا سياديًا بجعل الحادي والثلاثين من أكتوبر من كل عام عيدًا وطنيًا، ليظل هذا اليوم خالدًا في وجدان الأمة، ورمزًا لانتصار الإرادة والسيادة، وتتويجًا لمسيرة دبلوماسية عريقة.
ولعل ما يمنح هذا القرار بُعده الكوني أنه لا يقتصر على كونه إنجازًا وطنيًا فحسب، بل يعكس أيضًا نضجًا في التعامل مع القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة، إذ يتماشى النموذج المغربي مع مبدأ الوحدة الترابية المنصوص عليه في المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، كما يتوافق مع تطور القانون الدولي المعاصر الذي يميل إلى تبني حلولٍ توفيقيةٍ تحافظ على السيادة الوطنية مع احترام الخصوصيات المحلية.
وهكذا، فإن المبادرة المغربية لا تمثل فقط انتصارًا للدبلوماسية والرؤية الاستراتيجية للمملكة، بل تقدم أيضًا نموذجًا قابلًا للتعميم في نزاعات مماثلة حول العالم، حيث تتلاقى فيه الشرعية الدولية مع الواقعية السياسية وروح الإنصاف.
ومن هذا المنطلق، يبرز البعد المفاهيمي العميق لمبادرة الحكم الذاتي، ليس فقط كحلٍّ لقضيةٍ إقليمية، بل كنموذجٍ ملهمٍ للحلول السياسية المتوازنة التي تعيد الاعتبار لفكرة السيادة ضمن إطارٍ من التوافق والحكمة.
مبادرة الحكم الذاتي: نموذج رائد للحلول السياسية البناءة
يُعدّ مقترح الحكم الذاتي نموذجًا رائدًا في فن الحلول السياسية البناءة؛ ليس مجرد آلية إدارية، بل هو رؤية متكاملة تجمع بين أصالة التاريخ وحاجات العصر. إنه يجسر الهوة بين الخصوصية والوحدة، ويحمل في طياته رسالة سلام وتعاون إقليمي.
في صميم هذا المشروع تكمن بنوده الرئيسة التي ترتكز على تثبيت السيادة الوطنية غير القابلة للتجزئة كأساس راسخ، مع تمتع الأقاليم الجنوبية بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية واسعة في المجالات المحلية.
ويأتي تحويل عائدات الثروات المحلية لتمويل مشاريع التنمية في الإقليم ليعزز الاستقلال الاقتصادي ويحقق الازدهار المحلي.
تشكل الهيكلة الدستورية لنظام الحكم الذاتي عمودا فقريا يرتكز على توزيع واضح للسلطات، حيث تتشكل هيئات محلية مستقلة تضمن فعالية الإدارة والشفافية. فيتم إنشاء برلمان محلي يضع التشريعات ويراقب الأداء، وحكومة إقليمية تنفذ السياسات وتدير الخدمات، وهيئات قضائية تحفظ الحقوق وترعى العدالة.
وفي سياق الحفاظ على وحدة الدولة وتماسكها، تبقى السيادة الخارجية ومجالات الأمن والدفاع من صميم اختصاصات الدولة الوطنية. كما تحظى الرمزيات الوطنية بأولوية قصوى، فتحافظ الأقاليم على العلم الوطني كرمز موحد، وتعتمد العملة الرسمية في جميع المعاملات المالية والاقتصادية.
وضمن هذا الإطار تأتي الإدارة الدينية لتشكل ركناً أساسياً، حيث تنظم الشؤون الدينية وتشرع تحت ظل إمارة المؤمنين، سعيًا لترسيخ القيم الدينية في جميع مجالات الحياة العامة والمجتمعية، وتعزيزاً للهوية الوطنية الأصيلة.
وتنطلق الأهداف الاستراتيجية لهذا المقترح من رغبة أصلية في تحويل الصحراء إلى قطب اقتصادي واقعي، وتجسيد المواطنة الفعالة والانتماء الوطني من خلال مشاركة أهلها في إدارة شؤونهم. ولا يقف طمح هذا النموذج عند حدود المنفعة الوطنية، بل يتجاوزه ليكون ركيزة أساسية في تعزيز الاستقرار والسلام في جميع أنحاء المنطقة.
عند مقارنة النموذج المغربي للحكم الذاتي بتجارب عالمية مماثلة، نجد أنه يتفوق على نموذج جرينلاند مع الدنمارك من حيث درجة الاندماج الاقتصادي، ويضاهي نجاح نموذج جزر أولاند مع فنلندا في تحقيق التوازن بين الخصوصية والوحدة.
وهنا يظهر كيف أن هذا الإطار الوطني لم يكن حبرًا على ورق، بل رسخ قِيَم الحكم الذاتي على الأرض وفتح المجال للاعتراف الدولي به، مما مهد الطريق لتأييد المجتمع الدولي ودعمه.
كما تجلى هذا النضج الدبلوماسي في تأييد المجتمع الدولي، حيث لم يقتصر الدعم على المبادرة وحدها، بل تحول إلى إجماع دولي تتزعمه قوى عظمى. فقد حظيت المبادرة بدعم صريح من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، وتزايد عدد الدول التي اعترفت بها كأساس وحيد وواقعي لحل دائم.
وبذلك، لم يعد الحكم الذاتي خيارًا مطروحًا فحسب، بل أصبح مرجعية شرعية ملزمة للمفاوضات، مؤكّدًا قيمته كحلّ وطني واقعي ومستدام.
ومما يعزز هذا المسار أن القرار الأممي قد حظي بتأييد 11 دولة في مجلس الأمن، في حين امتنعت ثلاث دول عن التصويت، وهو ما يؤكد حصوله على أغلبية ساحقة ويضفي شرعية دولية مهمة على الطرح المغربي. وبالربط بين هذا الإنجاز الدولي والتوازن الاستراتيجي، يتضح كيف أصبح الحكم الذاتي أساسًا للسياسة المغربية ومفتاحًا لاستقرار المنطقة.
وفي سياق هذه التحولات الجوهرية، تأتي الدعوة الملكية الأخوية إلى الجارة الجزائر، لطي صفحة الماضي وفتح قنوات التعاون. فالمغرب، بحكمة توازن بين ثبات المبدأ ومرونة الوسيلة، يعزز رواية وطن قائمة على الوحدة والتنمية، ويحوّل النزاع إلى فرصة للتقارب والتفاهم الإقليمي.
وبفضل هذه الرؤية المتكاملة، تتحول الصحراء المغربية من ساحة نزاع إلى نموذج للتعايش والازدهار. فقد صارت الأقاليم الجنوبية جسرًا للتواصل مع إفريقيا، ومختبرًا حيًا لتنزيل نموذج تنموي جديد، تجسّد ذلك في مشاريع هيكلية كبرى من طرق وموانئ ومحطات للطاقة المتجددة، جعلت من الصحراء فضاءً للإبداع والإنجاز.
إن رؤية المغرب للمستقبل تقوم على جعل الصحراء منصة للطاقات المتجددة، ومحورًا للوصل اللوجستي بين إفريقيا وأوروبا، ومختبرًا للاقتصاد الأزرق. إنها رؤية تستشرف المستقبل، وتحوّل التحدي إلى فرصة، والماضي إلى طاقة تدفع نحو البناء والتقدم.
وفي الختام، تبقى قضية الصحراء تذكّرنا بأن مصيرنا أن نلتقي لا أن نفترق، وأن نبني لا أن نهدم. إنَّ إرساءَ السيادة المغربية الكاملة على الأقاليم الجنوبية، من خلال مشروع الحكم الذاتي الواقعي والمدعوم دوليًا، يفتح الأفق أمام تعاون إقليمي حقيقي ونهوض جماعي لشعوب المنطقة.
وانطلاقًا من هذا الرؤية الاستراتيجية، ووعيًا بالروابط التاريخية والثقافية التي تشكل نسيج هذه الأرض، ظل المغرب يمد يد المصالحة، مؤمنًا بأن مستقبل المنطقة لا يُبنى إلا على أسس متينة من التعاون والتكامل. فالتكامل الإقليمي هو حجر الزاوية لتحقيق طموحات الشعوب ونهضة شمال إقريقيا.
وهكذا، يظل المغرب – بتلك الروح – أرضًا للأخوّة والتلاقي، لتكون صحراؤه نبراسًا للوحدة، تنتظر أن تُعانق فيها الأيدي وتتحد فيها القلوب، كما تتآلف النجوم في سماء واحدة، في مشهد خالد من الوحدة والازدهار.