“النسبية”
المكدوس، المعروف أيضاً باسم “مكدوس الباذنجان”، هو أحد أشهر الأطباق التقليدية في بلاد الشام، وخاصة سوريا. إنه ليس مجرد طبق جانبي، بل هو جزء أصيل من مُونة (مخزون) البيوت، يتم إعداده في موسم الخريف ليرافق العائلة طوال العام، مزيناً مائدة الفطور أو العشاء بنكهته الفريدة.
التاريخ والأصل
يعود تاريخ المكدوس إلى مئات السنين، وارتبط اسمه بـ الفلاحين والمزارعين في المنطقة الشامية. كانت طريقة تحضيره، التي تقوم على سلق وحشو وتخليل الباذنجان بزيت الزيتون، هي الطريقة المثلى لحفظ محصول الباذنجان والجوز والفليفلة والبقدونس بعد موسم الحصاد في الخريف.
ويُعتقد أن مدينة حلب السورية هي الموطن الذي اكتشفت فيه طريقة إعداد المكدوس بشكلها الحالي، ومنها انتشرت إلى بقية مناطق بلاد الشام. وهو يُعد تعبيراً عن ثقافة توفير المؤن واعتماد أهل الشام على المكونات البلدية التي يزرعونها.
المكونات الأساسية
المكدوس التقليدي يتميز ببساطة مكوناته وغناها في الوقت ذاته، حيث تتكون الوصفة الأساسية من:
الباذنجان الصغير: يُفضل استخدام الباذنجان ذي الحبة الصغيرة الحجم الخالية من البذور، وتسلق لتصبح طرية.
الجوز: هو المكون الأبرز في الحشوة، يُفرم فرماً خشناً أو ناعماً حسب الرغبة، ويمنح المكدوس نكهته الغنية وملمسه المميز.
الفليفلة الحمراء: تُفرم ناعماً، وتكون عادةً مزيجاً من الفلفل الحلو والحار حسب الذوق، وهي المسؤولة عن لون الحشوة الأحمر الجذاب.
الثوم: يُفرم ناعماً ويضاف للحشوة ليعطي النكهة الحادة والمميزة.
الملح البحري أو الصخري: يُستخدم بكميات كافية لتخليص الباذنجان من الماء الزائد وتسهيل حفظه. وفي غياب هدا النوع من الملح أستعمل الملح العادي.
زيت الزيتون: هو الوسط الحافظ الذي يُغمر به المكدوس، ويجب أن يكون زيتاً صافياً يغطي حبات الباذنجان بالكامل.
طريقة إعداد الباذنجان
صناعة المكدوس فن يتطلب الصبر والخبرة، وتمر العملية بعدة مراحل مهمة:
سلق وتمليح الباذنجان:
يُزال رأس الباذنجان الأخضر.
يُسلق الباذنجان في ماء مغلي لمدة تتراوح بين 6 إلى 10 دقائق حتى يصبح طرياً.
يُصفى ويُشق طولياً في الوسط.
يُحشى الشق بكمية من الملح، ثم يُرص ويُكبس (يوضع فوقه ثقل) ليوم كامل أو أكثر للتخلص من كل الماء الزائد.
تحضير الحشوة:
تُفرم المكونات (الجوز، الفليفلة، الثوم) وتُخلط مع قليل من الملح.
الحشو والتخليل:
تُحشى حبات الباذنجان بالحشوة الجاهزة وتُصف بإحكام داخل وعاء زجاجي معقم.
تُكبس الحبات مجدداً ليلة كاملة للتخلص من أي سوائل متبقية من الحشوة.
في اليوم التالي، يُغمر المكدوس بالكامل بزيت الزيتون الصافي، ويُغلق الوعاء بإحكام.
النضج والحفظ:
يُترك المكدوس في مكان بعيد عن أشعة الشمس لمدة 3 أيام إلى أسبوع (أو أكثر قليلاً) حتى ينضج تماماً وتختلط نكهاته.
يُصبح جاهزاً للأكل ويُحفظ في مكان بارد وجاف.
طريقة التناول
يُعد المكدوس من المقبلات أو فواتح الشهية التي لا غنى عنها على المائدة الشامية، ويُقدم بعدة طرق:
على الفطور أو العشاء: يُقدم بجانب طبق من الجبن الأبيض، والزيتون، وبعض الخضروات الطازجة مثل الطماطم والخيار، مع الخبز العربي الساخن.
كمقبل: يُعتبر طبقاً جانبياً لذيذاً يُضاف إلى العديد من الوجبات الرئيسية.
المشروبات المرافقة: غالباً ما يُتناول مع كوب من الشاي الساخن.
بمزيجه من طراوة الباذنجان، وقرمشة الجوز، وحرارة الفليفلة، وطعم زيت الزيتون، يبقى المكدوس الشامي أيقونةً للمطبخ الشامي الأصيل ومذاقاً لا يُنسى.
الفوائد الصحية للمكدوس وفق تقديرات الخبراء
المكدوس هو مزيج غني بالعناصر الغذائية بفضل مكوناته الطبيعية الرئيسية، وتتلخص فوائده فيما يلي:
1. صحة القلب والأوعية الدموية
أحماض أوميغا 3: الجوز مصدر غني بأحماض أوميغا 3 النباتية التي تدعم صحة القلب وتساعد على خفض الكوليسترول الضار.
مضادات الأكسدة: زيت الزيتون والباذنجان (خاصة في قشوره) غنيان بمضادات الأكسدة التي تحمي خلايا الجسم من التلف وتقلل من خطر الجلطات.
البوتاسيوم: الباذنجان مصدر جيد للبوتاسيوم الذي يساعد في تنظيم ضغط الدم.
2. دعم المناعة والهضم
فيتامين C و A: الفليفلة الحمراء مصدر ممتاز لفيتامين C و A، وهما ضروريان لتقوية جهاز المناعة.
الألياف: الباذنجان غني بالألياف التي تساعد على تعزيز صحة الجهاز الهضمي وتحسين حركة الأمعاء، كما أنها تمنح إحساساً بالشبع.
البكتيريا المفيدة: على غرار المخللات الأخرى، عملية التخليل (حفظ الباذنجان) قد تعزز وجود البكتيريا المفيدة للأمعاء، وهي مهمة لصحة القولون.
3- دعم الدماغ والذاكرة
الجوز والثوم: يساهمان في دعم الذاكرة والوظائف العقلية بفضل محتواهما من المركبات النشطة والمغذيات الأساسية.