بقلم: محمد التاودي
إلى الإعلامي، حامل الكلمة ونبض الحقيقة، أكتب إليك من قلب مواطن يرى فيك مرآة وطنه.
أجلس على حافة المساء، أرقب شمس الحق تتوارى خلف أبراج الصمت، وبين يدي فنجان قهوة وأوراق مثقلة بأوجاع وطن، أكتب إليك. لا لأعاتب، ولا لأحوّل قلمي إلى محكمة، بل لأبوح بما يختنق به القلب حين تعلو الضوضاء ويغيب النور.
أعرف أنك اعلامي تحمل في قلبك شغفًا لا ينضب، وأنك تقاوم يوميًا لتبقى وفيًا لرسالتك. لهذا أكتب إليك، ليس للنقد، بل لأشاركك الأمل والمسؤولية.
أكتب إليك وأنت تمضي بين الميكروفونات والكاميرات، تحمل قميص الإعلامي، توازن بين نبض الشارع وضغط المكاتب، بين الحقيقة كما هي، والحقيقة كما يُراد لها أن تُروى.
تحديات الإعلام
أيها الزميل، رفيق درب البحث عن الضوء في عتمة هذا الزمن، أسئلةٌ تُثقِلُ كاهلي: أيعقل أن نرتجف أمام الحرف؟ أن نخشى الكلمة إلا إذا كانت مدهونة برضى القوة والمال؟ أتُرى أين ذهب ذلك الشغف الأول، حين كان القلم جناحَين للحقيقة، والكاميرا قنديلاً يهدي إلى العدالة؟
في المغرب، حيث تتزاحم الأصوات بين حرية مزعومة وقيود خفية، يواجه الإعلامي تحديات مضاعفة: رقابة تارة، وتضارب مصالح تارة أخرى، فضلاً عن تنافس محموم مع وسائل التواصل التي تسرق الأضواء بسهولة وتغرق الحقيقة في بحر من الإشاعات.
لقد تبدّل المشهد وأظلمت السماء. صرنا أمام منابر تتكاثر أكثر من نجوم الليل، وأصوات تملأ الفضاء ضجيجًا بلا معنى. الحقيقة أصبحت سلعة تُباع خلف ستائر المصالح، وكم من منبر ضحّى بصدقه ليرضي الحاكم أو يلهث وراء الإثارة. وفي قلب هذه العاصفة، يقف الإعلامي وحيدًا يواجه ضغوطًا لا حصر لها: بين سيف المعلن (الراعي المالي) الذي يقطع أي خبر يمس مصالحه، ومطرقة الخطاب العدائي الذي يتربص به عند أدنى هفوة، وصعوبة الوصول إلى المعلومة في زنزانة التعتيم المُغلَق.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتحول الجميع إلى ناشر أخبار، صار الإعلامي أمام تحدٍ مضاعف: أن ينافس سرعة الأحداث دون أن يفقد العمق، وأن يستخدم هذه المنصات بذكاء ليصل صوته إلى من يبحثون عن الحقيقة وسط بحر من الإشاعات.
صوت، مهنة، ضمير
وهنا أتوجه أيضًا إلى أصحاب القرار في المؤسسات الإعلامية: لا تتركوا صحفييكم يواجهون هذه العواصف وحدهم. استثمروا في صحافة العمق، واجعلوا المصداقية رأس مالكم الأول، وادعموا مواهبكم الشابة التي تحمل هم الحقيقة. فإعلامٌ يخاف من الحقيقة لا يستحق إلا أن يكون صدى للأصوات الزائفة.
أما الحقيقة، فهي الضحية الأولى. لم تعد ذلك الظل الباهت فحسب، بل صارت سلعة في سوق النخاسة، تُباع وتُشترى خلف ستائر المصالح والتوازنات القذرة. الإعلام لم يعد مجرد ناقل بريء للخبر، بل لاعبًا على رقعة شطرنج قاسية، يُطلب منه أن يُجمّل القبح ويُزيّف الواقع. كم من منبر باع صدقه ليرضي الحاكم؟ كم من عنوان تاجر بدموع البسطاء ليرتقي في سلّم الإعجاب؟ كم من برنامج يلهث وراء الإثارة، بينما جراح الوطن تنزف في صمت؟
دور الجمهور ودعمه
واعلم أن هذا الجمهور ليس غافلاً. ففي صمت البيوت، هناك من يقلب القنوات باحثًا عن نظرة حقيقية، عن كلمة حق. هناك من يتابعك بعينيه قبل قلبه، لأن الثقة مُعلَّقة. وغِياب المصداقية في الإعلام السائد لا يقتل فضولهم، بل يزيدهم شغفًا للبحث عن الحقيقة في صوتك أنت. نعم، هم كثر… وهم ينتظرون.
وهذا الجمهور، إن وجد فيك الصدق، سيكون سندك. شجعهم على التفكير النقدي، على دعم المنصات التي تحترم عقولهم، وعلى رفض الضجيج الذي لا يحمل معنى. فالإعلام الحر لا يصمد إلا بدعم شعب واعٍ.
قيمة المصداقية والواجب المهني
وأسألك: ما جدوى كل هذه المكاسب إن ضاع المعنى؟ أعرف كما تعرف أن الشغف لم يعد كافيًا، والمهنية لم تعد درعًا واقيًا. ولكن، أي ربحٍ تحققه في ‘صفقة عابرة’ تربح فيها عرضًا زائلًا وتخسر فيها رأس مالك الحقيقي: مصداقيتك؟ أليست المصداقية هي التي تبني جمهورًا واعيًا ومخلصًا، وهو أغلى ما يمكن أن تحققه أي منصة إعلامية؟ وما قيمة الصوت إن صار مجرد رجع صدى لا يهزّ وجدانًا ولا يوقظ ضميرًا؟
إذا ضعف نور كلمتك، فمن سيكون الشجاع الذي يُنير؟ وإن مات السؤال في أفواهنا، فمن سيجرؤ بعد اليوم على سؤالٍ يهزّ عروش الزيف؟
أمام هذا الخراب، لا أملك إلا أن أؤمن. أؤمن بك أنت، بإنسانيتك قبل مهنيتك. أؤمن بذلك الوهج الأول الذي لم تطفئه العروض ولا الضغوط، الوهج الذي جعلك يومًا شاهدًا لا تابعًا، وحارسًا للمعنى لا بائعًا للكل
فالصحافة ليست صدى للسلطة ولا بوقًا لخطاب معدّ سلفًا. إنها ضمير الناس حين يغفو الضمير الجمعي، ذاكرة الوطن حين يُطلب منها النسيان، وصوت من لا صوت لهم. إنها مقاومة ناعمة تبحث عن الحقيقة وسط ضجيج الزيف، بوصلة ترشد حين تضيع الاتجاهات، وموقف أخلاقي لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بقدر ما يحفظ كرامة الإنسان.
ولست وحدك في هذا الدرب. كثيرون ما زالوا يؤمنون، لكنهم تائهون وسط الشاشات الساطعة والمنابر الصاخبة. وأنت ترى بنفسك كيف أن برامجًا تلتزم بالعمق والحرفية تكتسب احترامًا يتجاوز نسبة المشاهدة، وكيف أن صحفيين شجعانًا، رغم كل شيء، استطاعوا كسر حواجز الصمت ولفت الأنظار إلى قضايا كانت غائبة. هؤلاء لا ينقصهم الإيمان، بل يحتاجون إلى من يشعل الشمعة الأولى، ويكتب الحرف الأول بلا خوف، ويقول “كفى” بصوت لا يرتعش.
لهذا أكتب إليك، لا لأوصيك ولا لأحملك ما لا طاقة لك به، بل لأشاركك الحلم: أن نعيد للإعلام المغربي هيبته، وأن نستعيد للكلمة شرفها. أن نرفض أن يكون الإعلام زينة تُعلّق على صدر السلطة، ونصرّ على أن يكون ساحة تُقال فيها الحقيقة كما هي، بجرأة وصدق لا يُشترى.
ربما ستُغلق الأبواب في وجهك، وربما تخسر فرصًا براقة مسمومة، لكنك ستربح نفسك. ستربح الطمأنينة التي لا تُشترى، والنوم الهادئ الذي لا يعرف الندم، والاحترام الصامت في عيون الناس الذين ما زالوا يميّزون بين الصدق والزيف.
في زمن يُغتال فيه السؤال قبل أن يولد، وتُباع فيه الكرامة في أسواق الصمت، نحن بحاجة إلى من لا يساوم على الحقيقة، ولا يضع قلمه في جيب أحد، بحاجة إلى من يملك شجاعة أن يقول “لا” حين يصمت الجميع.
الأمل والعمل
فامضِ ولا تلتفت. الحقيقة لا تحتاج جمهورًا غفيرًا لتكون صادقة، يكفيها من يجرؤ على قولها. واعلم أن هناك من ينتظرك، يترقّب صوتك وسط ضجيج التزييف، يصدّقك حين يكذب الجميع، ويؤمن أن الحقيقة، مهما طال غيابها، لا بد أن تجد طريقها إلى النور.
وليكن تحديَك في كل يوم جديد أن تروي قصة واحدة، بقلمك أو عبر شاشتك، كما يجب أن تُروى: بإنصاف، وبشجاعة، وبإنسانيتها. قصة لا يملؤها رقم ولا إعجاب، بل يملؤها معنى. واختر قضية واحدة،
ب الكثير… فقط أن يرى في الإعلام وجه بلاده الحقيقي.
من مواطن يحب هذا الوطن.