بقلم : عمر الطيبي (*)
يحرص النظام العسكري الجزائري، عبر صناع أساطيره المؤسسة، على ترديد “تعويدة” مفادها “أن الجيش الوطني الشعبي” أي الجيش الحالي، “هو سليل جيش التحرير الوطني”، وذلك في اصرار غريب على قلب الحقائق وتزوير تاريخ هذا الجهاز الإرهابي القمعي، الذي قتل من الجزائريين أكثر مما قتل حتى الاستعمار الفرنسي نفسه، فقد بلغ عدد ضحاياه في العشرية السوداء وحدها أكثر من 250 ألف قتيل وأزيد من 20 ألف مفقود، أما ضحاياه من الشعوب الاخرى، ممن قامت فيالقه القديمة المنخرطة ضمن الجيوش الاستعمارية الفرنسية بإبادتهم، على امتداد القرن التاسع عشر والقرن العشرين، فانهم يعدون بالملايين، فيهم أعداد ضخمة من المغاربة والتونسيين وشعوب دول الساحل والصحراء والبلدان الافريقية الأخرى، ومن كافة الشعوب التي خضعت للاستعمار الفرنسي.
ويصر صناع الأيديولوجيا الشعبوية الكابرانية على تغييب حقيقة ان تصفية “جيش التحرير” بدأت مع انطلاق الثورة عام 1954، من طرف الاستعمار الفرنسي وعملائه المندسين في صفوف الثوار، وذلك تمهيدا لما سيحدث لاحقا من استيلاء جيش الكابرانات والمجندين الجزائريين في الجيش الفرنسي على السلطة في البلاد ابتداءا من سنة 1962، برئاسة شكلية ومؤقتة لأحمد بنبلة، وهي العملية التي استكملت بانقلاب عسكري على هذا الرئيس الشعبوي غير المنتخب، المنحدر من أصل مغربي، نفدها وزير دفاعه هواري بومدين بدعم من الدولة العميقة في فرنسا عام 1965.
ولعل الحدث الأبرز الذي اكتسى دلالة كبيرة في هذا الصدد، هو اعدام العقيد محمد شعباني، أصغر قادة الثورة الوطنيين سنا، بعد محاكمة صورية بتهمة الخيانة الوطنية سنة 1964، و لم تشفع له حتى مشاركته في عدوان نظام الكابرنات على المغرب في ما سمى بحرب الرمال عام 1963، إذ هو الذي قاد شخصيا الهجوم الجزائري الغادر على مدينة فكيك، وقد وجهت له تهمة الخيانة الوطنية بسبب مواجهته العلنية والقوية لبومدين، متهما إياه بالاعتماد على ضباط الصف، المجندين السابقين في صفوف الجيش الفرنسي، في إعادة هيكلة الجيش وتأطيره وبالتالي “خيانة الثورة ودماء الشهداء”، وهو ما كان بومدين يبرره بالتأكيد على ضرورة الاستفادة من الخبرات والتقاليد العسكرية التي راكمها هؤلاء خلال زمن الاستعمار.
وبعد اعدام العقيد شعباني خلا الجو لبومدين وأصحابه من “جماعة وجدة” فأطلقوا أيدي كابرانات فرنسا يرسمون مستقبل البلد على شكل نظام وظيفي تابع لدولة المتروبول الاستعماري، والمقصود “بكابرانات فرنسا” هم ضباط الصف والضباط الحاملين لرتب صغرى من الجزائريين العاملين في الجيش الفرنسي، الذين جرى تدريبهم وتهريبهم لهذه الغاية، عشية ابرام اتفاقية ايفيان، وذلك من خلال مسرحية هزلية أشرفت على إخراجها المخابرات العسكرية الفرنسية، ومثل فيها هؤلاء دور المجاهدين الغيورين الذين هربوا من الجيش الفرنسي لكي يلتحقوا بجيش التحرير الوطني، وكان من بين هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، محمد العماري وخالد نزار، وهو ابن رحال نزار، الرقيب السابق في الجيش الفرنسي، والعربي بلخير، واسماعين العماري، وعبد القادر شابو، وعبد الله بلهوشات، وعبد المالك كنايزية، وخاصة سليمان هوفمان، وبقية رفاقهم ممن شاركوا في المسرحية أياها، وذلك بعدما رقوا انفسهم من رتب كابرانات وسرجانات الى رتب عقداء وعمداء وجنرالات.
وبطبيعة الحال فقد اشتغل هؤلاء وفق الرؤية التي حددها لهم بومدين والتي الزمتهم بضرورة الاستفادة من الخبرات والتجارب التي راكمها الجزائريون من خلال انخراطهم في الجيوش الفرنسية، فقد كان كابرانات فرنسا قد ورثوا حينها خبرة وتقاليد عسكرية قمعية استعمارية إجرامية راكموها على مدى 132 سنة من الاستعمار، مدى لعبت خلاله مختلف التشكيلات العسكرية التي أسسها الجيش الفرنسي من “أنديجان” الجزائر الفرنسية، في تثبيت الوجود الاستعماري في الأراضي الجزائرية، ومن ثم في بدء الانتشار والتوسع في المنطقة كلها في ملحمة إجرامية قل نظيرها في التاريخ، خصوا الشعب المغربي بنصيب وافر منها على شكل مذابح وسلب ونهب وقمع، انتهى باقتطاع مساحات شاسعة من الأراضي المغربية وفرض الحماية على ما تبقى من تلك الأراضي.
وقد برزت من بين صفوف هؤلاء “الكابرانات ـ الضباط” شخصية رجل غامض، اشيع أنه هرب من صفوف الجيش الفرنسي المرابط في ألمانيا آنذاك ليلتحق بالثوار في تونس، وقد لعب هذا الذي سبقت الإشارة الى اسمه، دورا حاسما في التطورات التي شهدتها البلاد تحت حكم بومدين، ويتعلق الامر بالعقيد سليمان هوفمان، الذي لا يعرف من سيرته الشخصية سوى أنه يهودي الديانة، إضافة الى أنه شغل منصب مدير ديوان بومدين والمسؤول عن علاقاته مع “حركات التحرر”، واليه تنسب مسؤولية اعدام العقيد شعباني، واغتيال الوالي مصطفى السيد أمين عام جبهة “البوليساريو” لرفضه تدخل المخابرات الجزائرية في شؤون الجبهة، وقرار طرد المغاربة من الجزائر سنة 1975، وكذا قرار الهجوم الجزائري ـ الليبي المشترك على الثكنة العسكرية في قفصة التونسية سنة 1972، وباختصار فقد كان العقيد سليمان هوفمان هو كاتم سر بومدين، و”حارسه الملاك” كما يقول الفرنسيون، ويبدو أنه لعب دور قناة التواصل الوحيدة بينه وبين الموساد الاسرائيلي والمخابرات الفرنسية.
وقد كان نصيب المغرب من مخططات الكابرانات في هذه المرحلة، عدة قرارات استراتيجية منها: تأكيد الاستمرار في احتلال أزيد من 600 الف كلم مريع من أراضيه، وجعل العداء له عقيدة عسكرية ثابثة لدى الجيش، وطرد نحو 350 الف مغربي من الجزائر، ثم شن حرب شاملة، مباشرة وغير مباشرة على المغرب بهدف التشويش على استعادته لصحرائه الغربية، وعرقلة مخططاته التنموية وذلك تحت شعار غير معلن هو “خير وسيلة للدفاع هي الهجوم”.

عمر-الطيبي-إعلامي.jpg
21 نوفمبر، 2025