بقلم: محمد التاودي
كثيرًا ما تُقاس قيمة الإنسان بما ينتجه، فيصبح وجوده سجلاً للعمل وإنجازاته. لكن ماذا يحدث عندما يحين وقت المساء، وتأفل شمس الحياة المهنية، وتُسدل الستائر على مسرح الوظيفة والحرفة؟ هناك، على عتبة الخريف، حيث تتهادى أوراق العمر محمّلة بحكمة السنين، تُختبر كرامة المجتمع وقدرته على تحويل هذا المنعطف من نهاية إلى بداية، ومن توقف إلى استمرارية.
إنه التقاعد، ذلك الفصل الذي لا يُختزل في كونه مجرد توقف عن العمل، بل هو رحلة أنثروبولوجية عميقة تُعيد تعريف المكانة والهوية والمعنى في خريف العمر.
على عتبة خريف العمر والتحدي
يمثّل التقاعد في النسيج الاجتماعي المغربي منعطفاً حاسماً، يتجاوز كونه مجرّد توقّف عن الوظيفة أو مزاولة الحرفة، ليُصبح ظاهرة تُقاس بها كرامة الإنسان وتماسك المجتمع. إنها اللحظة التي يُسدل فيها الستار على مسرح “الإنتاج المُلزم” ليُفتح على رحاب “الحكمة الهادئة”. هذا التحوّل يُعدّ اختباراً حقيقياً لقدرة الأنظمة الاجتماعية والمالية على احتضان الحكمة القديمة والحفاظ على قامة الشيخوخة مُنتصبة في وجه رياح التحدي.
يُحكم هذا المنعطف في المغرب تعدُّد الصناديق، كأنها جداول مُختلفة تصب في بحيرة واحدة. وقد وضع المشرّع سنّ التوقّف عند 60 عاماً للقطاع الخاص و63 عاماً للموظفين العموميين، وهو حدّ يثير الجدل مع التوجّهات الحكومية الأخيرة لرفعه إلى 65 عاماً بحلول 2030، مما يضع ضغوطاً إضافية على الموظف ويؤجّل لحظة البحث عن معنى جديد. أما بالنسبة للعاملين في الحرف والقطاعات غير المهيكلة، فإن مفهوم “التقاعد” نفسه يظل غائباً أو هشاً، محكوماً بمنطق “ما دام الجسد يقوى، والعين تبصر، فالعمل واجب”.
وفي اللحظة التي يضع فيها الموظف آخر وثيقة أو يغلق الحرفي ورشته، يدرك فجأة أن زمنه بات يختلف، زمن الاستهلاك دون الإنتاج.
وفقًا لتقارير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق المغربي للتقاعد ومشروع قانون المالية، يتجاوز عدد المتقاعدين في المغرب 1.42 مليون نسمة في عام 2025، كأنهم أوراق الخريف المتناثرة تحت وطأة الزمن، بينما تتدهور نسبة الإعالة في صناديق التقاعد من خمسة عمال لكل متقاعد في العقود الغابرة إلى أقل من أربعة عمال اليوم؛ أي إنّ كل متقاعد أصبح يعتمد على مساهمة عدد أقل من النشيطين لدعم معاشه، بعدما كان في الماضي يستند إلى قاعدة أوسع. وهذا يضع الضغط الديموغرافي كسيف معلّق فوق رؤوس الحكماء.
وتشير التقارير نفسها إلى أن متوسط المعاش في القطاع الخاص لا يتجاوز 2168 درهمًا، مقابل حوالي 8000 درهم في الإدارة العمومية، فتتفاوت الكرامة المالية كتفاوت الجبال والوديان.
وتشير هذه الأرقام إلى فجوة هيكلية في النظام؛ حيث إن هذا التفاوت الضخم لا يقتصر على اختلاف الأجور، بل يعكس ضعف قاعدة التغطية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعدم كفاية الحد الأدنى للمعاشات، مما يجعل هذا التفاوت البنيوي تحدياً مزدوجاً أمام كرامة المتقاعدين ذوي الدخل المحدود في القطاع الخاص. وأمام هذا الواقع الصعب، حاولت الدولة التخفيف من حدّة الضغط الاجتماعي عبر إجراءات مالية جديدة، إلا أن أثرها بقي محدوداً.
وأقرت الحكومة في مطلع 2025 إعفاءً تدريجياً من الضريبة على الدخل للمعاشات، ابتداءً من 50%، على أن يصل الإعفاء الكامل في 2026، إلا أن هذا الإجراء لا يزال دون مستوى التضخم الفعلي الذي تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنه بلغ حوالي 6.5%، ويبقى متوسط معاش القطاع الخاص أقل من 3000 درهم.
أما العامل والحرفي، فغالباً ما يجد نفسه على هامش هذه المعادلة، يعتمد على مدخرات هزيلة أو على معاش ضئيل لا يعكس عمراً من الكدح، أو – في كثير من الأحوال – على عائلة تمتد إليها يده طلباً للعون، فيتحول من عائل أساسي إلى عالة، وهي ضربة قاسية لكرامة بنتها سنين من العطاء.
هنا يكمن محك الكرامة الأول: هل ستبقى الحقوق المالية حصناً آمناً للجميع، أم ستنهار تحت وطأة التحوّل الديموغرافي والفجوة النظامية؟
التمثّلات الاجتماعية والفجوة القاسية: بين الحكيم و”المنتهي الصلاحية”
تكشف التمثُّلات الاجتماعية عن ثنائية مُوجعة يعيشها المتقاعد. فمن جهة، يُنصَب له تمثال للحكيم الروحي، حافظ الذاكرة، وراوي القصص القديمة، وكأن شيبه هو إكليل الشرف. وفي حين يصارع المغرب هذه الثنائية المُرهِقة، يهمس الواقع العصري في أذنه بأنّه “منتهي الصلاحية”، غريب عن عالم التكنولوجيا وسرعة الحياة.
هذه النظرة تتفاقم عند الحديث عن العامل والحرفي. فإذا كان الموظف المتقاعد يحمل لقباً وظيفياً سابقاً يمنحه هالة من الهيبة، فإن العامل الذي قضى عمره في البناء، أو الحرفي الذي أبدع بيديه، يرى مجتمعه يتعامل معه وكأنه “آلة استهلكت”. فمكانته التي كان يستمدها من براعته اليدوية وقدرته على الإنتاج والإعمار، تتهاوى فجأة عندما تتوقف يداه عن العمل.
في نظر جيل السرعة، يصبح المتقاعد – بغض النظر عن خلفيته – مجرد “متحف صامت” يُزار للإعجاب بآثاره القديمة، لكن دون مشاركة حقيقية في دينامية الحاضر. هذه النقرة المزدوجة تُلقي بظلالها الثقيلة على نفسية المتقاعد، فتهتزّ مكانته الاجتماعية، ويشعر بأن قيمته الوحيدة كانت في ما يقدمه من جهد، لا في ما يحمله من إنسانية وحكمة.
وفي هذا السياق، تُقدّم التجارب الدولية صوراً مُلهِمة؛ ففرنسا أنشأت منذ سنة 2007 “بيوت الكبار” كفضاءات تُعيد دمج الحكمة في الحياة العامة، بينما فتحت إسبانيا “الجامعات الشعبية وبرامج التعليم للمسنين” التي تجعل المتقاعد معلماً ومُدرّساً في الوقت نفسه.
أما السويد، فقد ذهبت أبعد من ذلك حين جعلت الشيخوخة سياسة دولة، لا خياراً مؤقتاً؛ فوفّرت مساكن جماعية للمسنين تُدار بروح العائلة، وبرامج مشاركة مدنية تجعل من المتقاعد شريكاً في القرار المحلي وليس مجرد متلقٍّ للرعاية. نماذجٌ تُثير سؤالاً مُقلقاً: أليس آن الأوان ليحتضن المغرب حكمته كما تحتضن الأرض أشجارها العتيقة؟
غير أن هذه النماذج تبقى استثناءً عالميًا، فيما لا يزال أغلب المتقاعدين المغاربة، خاصة في القرى والهوامش، يواجهون واقعاً أقسى بكثير.
هذه العزلة تتفاقم بفعل الفجوة القاسية بين النص القانوني والواقع المعيشي. فالكرامة الحقيقية لا تُبنى على التكريم الرمزي وحسب؛ إنها تبدأ من الكرامة المعيشية. إنّ قيمة المعاشات، خاصة في السلالم الوظيفية الدنيا، لا تكاد تصمد أمام موجات الغلاء والتضخم. الأدهى من ذلك هو الغياب شبه التام لبرامج مُنظّمة تُعنى بإعادة الإدماج، مما يُحوّل المتقاعدين إلى جزر معزولة خارج دينامية الحياة اليومية النشطة.
وتتسع هذه الفجوة في أحضان الفوارق الاجتماعية والجغرافية، حيث تشير تقارير الجمعيات المهتمة إلى أن المتقاعد القروي يعاني من معاش لا يتجاوز 1500 درهم، كأنه قطرة في صحراء الغلاء، خاصة في غياب التغطية الكاملة للقطاع غير المهيكل، بينما تختلف مصائر المرأة الأرملة في المدن الكبرى عن تلك في القرى النائية، فتُصبح الكرامة المعيشية ميزاناً يميل مع طبقات المجتمع وأماكنه، مما يجعل الشيخوخة في المغرب خريفاً متفاوتاً بين الذهب والرماد.
ولكي لا تبقى هذه الصورة مجرد أرقام ونظريات، تتحول إلى واقع ملموس، نقف عند حكاية السي الطيب.
شاهد عيان: رحلة السي الطيب وبحثه عن المعنى
لتجسيد هذه المعاني، نقف عند حكاية السي الطيب، الرجل الذي جعل من التقاعد رحلة للتجدد والإبداع رغم كل الانكسارات الخفية التي تتسلل إلى روح المتقاعد. ففي أحياء الدار البيضاء، حيث يمتزج عبق التاريخ بالتحولات المتسارعة، عاش السي الطيب، وقد تجاوز الخامسة والستين بعد سنوات طويلة أمضاها في خدمة الناس والعمل الدؤوب داخل حي سيدي مومن.
كان واحداً من أولئك الذين لا تفوتهم صلواتهم؛ يستيقظ قبل الفجر، يتوضأ بهدوء، ثم يمشي نحو المسجد كمن يسير إلى موطنه الأول. وبعد الصلاة، يخرج مع أصدقائه القدامى للهرولة في ضواحي الحي، وكأنهم يطردون عن أجسادهم غبار السنين ويستعيدون شيئاً من خفة الشباب. كانت تلك اللحظات من الرفقة الصادقة تمنحه طمأنينة لا تُقاس بثمن.
لكن التقاعد، رغم حلمه الطويل، جاء محمّلاً بارتباك الخروج من دائرة الحاجة إلى دائرة النسيان. شعر السي الطيب بأن العالم من حوله يتحرك بسرعة أكبر مما يتسع لها قلبه، وأن الفراغ الذي خلّفته أيام العمل يشبه فجوة صامتة لا تُسمع لكنها تُوجع.
فقد وجد نفسه مُحاصَراً بصوت التلفزيون الذي اعتاد أن يكون مجرد خلفية صامتة لوقته المزدحم، وبضياع الإيقاع المُنظَّم الذي كان يمنحه شعوراً بالهدف والانتماء. كانت الأيام الأولى ثقيلة، يملؤها شعور عارم بأن أدواته قد صُدئت، وأن مهاراته التي بناها بعرق جبينه لم تعد مطلوبة في هذا العالم المتسارع، وهو ما يمثل أولى الضربات القاسية على جدار الكرامة النفسية.
ومع ذلك، لم يستسلم. قرر ألا يظل في الظل، وأن يبحث عن طريق جديد يعيد إليه معنى الانتماء وقيمة الحضور. بدأ يشارك في أنشطة اجتماعية بسيطة، يزور مراكز الحي، ويقدّم نصائح للشباب، كأنه يفاوض الزمن على مكان جديد يليق بكرامته وتجربته.
ولأن التجارب الفردية كثيراً ما تعكس ظلال الواقع الاجتماعي، نستحضر ما رواه أحد المتقاعدين العائدين إلى المغرب بعد عقود في الغربة، في دراسة حديثة حول الشيخوخة والعودة. قال بصوت يختلط فيه التعب بالحكمة: «كان الأمر صعباً جداً، فبعد عقود من الغياب يصبح الاندماج الاجتماعي كالصعود إلى جبل بلا دليل».
عبارة تلخص التحدي الروحي والوجودي الذي يواجهه كثيرون في رحلة الخريف هذه؛ رحلة تحتاج إلى مجتمع يحتضن شيخوخة أفراده لا أن يتركهم وحدهم في مواجهة الزمن.
حين حلّ التقاعد بالسي الطيب، وجد نفسه أمام مرحلة جديدة لم تعد فيها جداول العمل والمهام اليومية موجودة، واختفى الإيقاع الذي كان يمنحه شعوراً بالهوية والانتماء.
في صباح يومه الأول بعد التقاعد، جلس على شرفته المطلة على الشارع، متأملاً الحياة بتفاصيلها الصغيرة، حتى لمح العم محمد، صاحب الدكان الصغير، وهو ينقل صناديق الفاكهة إلى الداخل. تساءل السي الطيب: “كم من مرة مررت أمام هذا العم دون أن ألتفت إليه؟” فاستشعر أن العالم الذي كان جزءًا منه قد استمر بدونه.
بدأ الفراغ يملأ أيامه؛ فخرج بين الحي والحديقة القريبة، وجلس على المقاعد الخشبية التي طالما شهدت أحاديث المتقاعدين قبله في حديقة الهضبة الخضراء بسيدي مومن، حيث تتداخل الأشجار مع أصوات الطيور المهاجرة، ويختلط عبق الزهور بأنفاس الرياح البحرية، كانت تلك المقاعد الخشبية شاهداً على أحاديث لا تنتهي، كأنها لوحات من ذاكرة الزمن تروي قصص الشيوخ في هدوء الظلال.
وهناك، وفي إحدى الأمسيات الهادئة، جلس على أحد المقاعد جانب رجل مسن عرفه من بعيد، فاقترب منه وقال مبتسمًا:
«السي الطيب، التقاعد ليس نهاية الطريق، بل فرصة للبدء من جديد.»
نظر إليه السي الطيب متأملاً، ثم قال ببطء:
«لكنني لا أعرف من أين أبدأ. حياتي كلها كانت عملي، والآن أشعر وكأنني فقدت هويتي.»
ضحك الرجل قائلاً:
«كلنا مررنا بهذا، لكن السؤال هو: ماذا تحب أن تفعل؟ شيء لم يكن لديك وقت له من قبل؟»
بدأ السي الطيب يشعر بأن التقاعد لم يكن كما تصوّر؛ فالأيام التي كان يملؤها العمل والانشغال انتهت، وأصبح يبحث عن شيء يملأ وقته. حاول ملء فراغه بقراءة الجرائد، لكنه وجد الأخبار محبطةً، تعج بالغلاء والفساد. فكر في الاندماج في الأنشطة الاجتماعية، لكنه اصطدم بواقع مرير؛ فلا توجد فضاءات كافية للمتقاعدين، والمجتمع ينظر إليهم كعبء لا كطاقة يمكن استثمارها.
لكن السي الطيب لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة؛ فقد بدأ يبحث عن دور جديد في الحياة، عن شيء يمنحه الشعور بالقيمة مرة أخرى. قرر مشاركة خبراته وتجاربه مع الآخرين، فبدأ بنشر مقاطع فيديو قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، يشارك من خلالها نصائح عن الحياة، وقصصًا طريفة، وبعض دروس إصلاح أجهزة الحاسوب. وتفاجأ بعدد المتابعين الذين تركوا له تعليقات مليئة بالإعجاب والامتنان.
غير أن قصة السي الطيب ليست القاعدة، بل استثناءً لامعًا وسط واقع أشد تعقيداً؛ فليس بعيداً من هناك، أغلقت الحاجة فاطمة ورشة النسيج اليدوي في حي أناسي، ولم يتجاوز معاشها 1200 درهم، فتحولت من امرأة منتِجة إلى معتمدة على أبنائها، في تذكير مُرّ بأن العديد من الحرفيين التقليديين يجدون أنفسهم خارج دائرة الدعم والاعتراف بعد التقاعد.
وذات مساء، وبينما كانت هذه المقارنات تُثقل قلبه، شعر السي الطيب بحاجة إلى استراحة يستعيد فيها صفاءه الداخلي، فقادته خطاه إلى الحمّام الشعبي.
بعدما أنهى طقوس النظافة والاسترخاء، جلس في زاوية الحمام، مسندًا ظهره إلى الجدار الدافئ، متأملاً الوجوه العابرة بين البخار المتصاعد. وإذا به يدخل في حديث عفوي مع “الكسّال”، ذلك الرجل الذي أصبح بينهما ودٌّ غير معلن. بدأ الحوار بهدوء حتى سقط السؤال الذي كان يراود السي الطيب منذ فترة:
«ما سر التقاعد الذي يجعلك تبدو وكأنك وجدت الحياة في تفاصيلها؟»
فرد الكسّال بنبرة واثقة، وعينين حافيتين باليقين:
«تقاعدي، يا سي الطيب، استثمرته في تربية أولادي. الدخل الذي سأجنيه حين يشيب رأسي لن يأتي من صندوق تقاعد، بل من قلوب أبنائي الذين ربيتهم ليكونوا سندي في زمني المقبل.»
هكذا، أدرك السي الطيب أن الحياة لا تُقاس بما نفقده، بل بما يبقى لدينا من قدرة على التأثير والإبداع. قرر أن يكون عنصر تغيير في مجتمعه؛ فبدأ بتنظيم لقاءات دورية للمسنين في الحي، وإحياء قيم التواصل والتكافل. لم يكن هدفه الترفيه فقط، بل خلق بيئة يشعر فيها الجميع بأنهم ما زالوا جزءًا فاعلًا من نسيج الحياة.
التحديات والتوصيات: نحو ميثاق اجتماعي لـ “الخريف الذهبي”
وأمام هذا المشهد المركّب، يصبح من الضروري الانتقال من التشخيص إلى الفعل، ومن ملاحظة الخلل إلى ابتكار حلول تستجيب لحاجات المتقاعدين في واقع متغير. وفي هذا السياق، لا يكفي إصلاح المعاشات أو تطوير الخدمات الصحية فحسب، بل لابد من خلق آليات جديدة تُعيد للمتقاعد دوره ومكانته داخل النسيج الاجتماعي.
ومن بين المقترحات العملية التي يوصي بها الباحثون في هذا الباب، مبادرة يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً على الأرض:
«إنشاء مجالس حكماء الأحياء في كل عمالة، يُنتخب أعضاؤها من المتقاعدين ويتقاضون تعويضاً رمزياً، ليكونوا مستشارين فعليين في المجالس الجماعية وفي حل النزاعات المحلية».
وإلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال ضرورة الإصلاح الثقافي للشيخوخة؛ إذ يجب تفعيل دور الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية في تقديم خطاب مضاد للتمثلات السلبية، وإعادة موضعة المتقاعدين ككنز اجتماعي بدلاً من عبء مالي، ليترافق الإدماج الاقتصادي مع اعتراف مجتمعي كامل بقيمتهم.
وتأتي هذه المبادرة باعتبارها جسراً بين الحكمة المتراكمة عبر السنين واحتياجات المجتمع اليومية، كما تمنح المتقاعد دوراً مؤثراً يتجاوز حدود الأسرة إلى الفضاء العمومي، وتعيد وصل العلاقة بين الشيخوخة والمشاركة المدنية، بدل اختزالها في الرعاية فقط.
لقد أدرك أن التقاعد، وإن بدا في ظاهر الأمر نهاية لمشوار طويل من العمل الدؤوب، إلا أنه في جوهره بوابة لبدايات جديدة؛ فرصة لإعادة النظر في الأولويات، وللاستفادة من الخبرات والتجارب التي اكتسبها على مر السنين. كان ذلك من خلال استعادة شغفه بالقراءة، والانخراط في حلقات الذكر والنقاش، والتواصل مع الجيران والأصدقاء الذين لا يزالون يشكلون جزءًا أساسيًا من نسيج حياته.
وفي تلك اللحظات التي عاشها بين ضحكات الأطفال وأحاديث الجيران وصدى خطوات الزمن في الأزقة، وجد السي الطيب ما ينسيه الفراغ الذي خلفه العمل؛ بل أوجد له مكانًا ينبض بالأمل والتجدد. لقد أصبح يعلم الجميع أن لكل مرحلة من مراحل الحياة فرصها الخاصة، وأن العطاء لا يتوقف، بل يتحول بمرور الزمن إلى طاقة جديدة تُضيء الدروب وتفتح آفاقًا لا نهاية لها.
هكذا، ترك السي الطيب لنا درسًا قيمًا؛ بأن الحياة بعد التقاعد ليست نهاية المطاف، بل فصلٌ جديد ينبض بالأمل والتحديات، ودعوة لكل إنسان أن يستثمر ما تبقى لديه من قدرات وشغف ليصنع لنفسه مسارًا يثري به حياته وحياة من حوله.
لقد أصبح رمزاً للحكمة والتكيف، يعلم الجميع أن لكل مرحلة من مراحل الحياة فرصها الخاصة، وأن العطاء لا يتوقف، بل يتحول بمرور الزمن إلى طاقة جديدة تضيء الدروب وتفتح آفاقاً لا نهاية لها.
وإذا تأملنا هذه التحولات من زاوية أعمق، اتضحت الحاجة إلى قراءة تُنصت لجوهر الإنسان ومعناه داخل المجتمع.
المقاربة الأنثروبولوجية: الكرامة في استمرارية المعنى
كما أشار عبد الكبير الخطيبي في «الذاكرة الموشومة» إلى أن الكرامة في المجتمعات المغاربية لا تنفصل عن استمرارية الدور الاجتماعي حتى بعد توقف الإنتاج الاقتصادي، فليكن التقاعد في المغرب فصلاً من المجد المُستدام، حيث يجد كل متقاعد مكانه الطبيعي بين الناس، وتستمر حكمة سنواته الطويلة في إفادة الآخرين. فلتكن السنوات المتراكمة بذوراً لغد ذهبي، يُنير حياة الفرد والمجتمع معاً، ويحوّل الشيخوخة إلى موسم خصب من العطاء والمعنى.
الخاتمة: مسؤولية المجتمع في الوفاء
يشكّل التقاعد في المغرب، كما في كلّ مجتمع يطمح للتقدّم، معياراً لمدى التزام الدولة والمجتمع بضمان الكرامة حتى أواخر العمر. إن رحلة السي الطيب تُثبت أن التقاعد ليس وداعاً بل استدامة للحياة بقوافل جديدة.
إن بناء هذا النموذج المُستدام والمُشرّف يتطلّب إعادة الاعتبار لقيمة التضامن الاجتماعي، والنظر إلى المتقاعد على أنّه رأس مال رمزي ومعرفي لا ينفد، بل ينتظر الفرصة ليُزهر من جديد في خريفٍ ذهبيٍّ مُثمر.
فليكن التقاعد في المغرب فصلاً من المجد المُستدام، لا فترة لانتظار النهاية. يجب أن نُدرك أن كل مُتقاعد هو بوابة مفتوحة على زمن مضى، وناقل لذاكرة الأجيال. خسارة أي من هؤلاء الحكماء دون الاستفادة من رصيدهم، هي خسارة لجزء من هوية المغرب العميقة التي لا تُقدَّر بثمن.