لماذا فاز أنطونيو كاست في الانتخابات الرئاسية التشيلية ولم تفز جانيت جارا؟
شكّلت الانتخابات الرئاسية في تشيلي عام 2025 محطة سياسية مفصلية، عكست تحوّلًا واضحًا في مزاج الناخبين. مع فوز أنطونيو كاست، مرشّح اليمين المحافظ المتشدّد، على جانيت جارا، مرشّحة اليسار، في الجولة الثانية من الانتخابات، مسجّلًا أحد أكبر التحوّلات السياسية في البلاد منذ عودة الديمقراطية.
النتائج غير المنتظرة
حصل زعيم اليمين المتطرف كاست على 59 في المائة من الأصوات، مقابل 43 في المائة لجانيت جارا. وجاءت هذه النتيجة بعد سنوات من حكم يساري قاده الرئيس غابرييل بوريك، في ظل تصاعد الإحباط الشعبي من الأداء الحكومي في ملفات أساسية مع التأكيد على أنه حقق مكاسب اجتماعية هامة، فضلا عن توسيع مفهوم الديمقراطية في الممارسة.
عوامل وراء فوز كاست
- هاجس الأمن والجريمة
أحد أبرز أسباب فوز كاست كان تركيزه المكثّف على الأمن والنظام العام. فقد تصاعدت في السنوات الأخيرة مخاوف المواطنين من الجريمة المنظمة والعنف الحضري، وهو ما استثمره كاست عبر خطاب صارم يدعو فيه إلى تشديد القوانين وتعزيز دور الشرطة، في مقابل رؤية اعتُبرت أقل حزمًا لدى اليسار.
- ملف الهجرة
طرح كاست سياسات متشدّدة تجاه الهجرة غير النظامية وضبط الحدود واقتراح بناء الأسوار وحفر الخنادق في الحدود، وهو خطاب لقي صدىً لدى شرائح واسعة من الناخبين، خصوصًا في المناطق المتأثرة بتدفّق المهاجرين. في المقابل، وُصفت مواقف مرشحة اليسار خارا بأنها أكثر ليونة، ما أضعف جاذبيتها لدى الناخب الوسطي.
- تجميع أصوات اليمين في الجولة الثانية
رغم أن جانيت جارا تقدّمت نسبيًا في الجولة الأولى، فإن كاست نجح في توحيد أصوات اليمين والوسط-اليميني في الجولة الثانية، مستفيدًا من دعم ناخبي مرشحين محافظين آخرين، بينما عجزت جارا عن توسيع قاعدتها خارج الإطار التقليدي لليسار.
- رفض أيديولوجي لليسار الراديكالي
انتماء جانيت جارا إلى التيار اليساري المرتبط بالحزب الشيوعي خلق حالة نفور لدى جزء من الناخبين المعتدلين، الذين صوّت كثير منهم لكاست بدافع الخوف من مشروع أيديولوجي راديكالي، وليس بالضرورة اقتناعًا كاملًا ببرنامج اليمين.
- تأثير السياق الإقليمي والاقتصادي
جاءت الانتخابات في ظل تباطؤ اقتصادي، تضخّم، وتراجع ثقة بالمؤسسات، إضافة إلى موجة إقليمية شهدت صعود قوى يمينية محافظة في عدد من دول أمريكا اللاتينية ضمنها الأرجنتين جارة الشيلي، ما عزّز فرص كاست.
من الجولة الأولى إلى الثانية
في الجولة الأولى، توزّعت الأصوات على عدة مرشحين، وبدت الساحة مفتوحة. لكن في الجولة الثانية، حُسم السباق لصالح كاست بفضل الاستقطاب الحاد وتحويل الانتخابات إلى خيار ثنائي بين “الأمن والاستقرار” و“الاستمرار في نهج اليسار”.
دلالات سياسية أوسع
لا يعكس فوز كاست مجرد انتصار شخصي، بل يشير إلى:
- تراجع الثقة الشعبية في اليسار الحاكم
- أولوية قضايا الأمن والاقتصاد على ملفات العدالة الاجتماعية
- تحوّل تشيلي إلى ساحة استقطاب سياسي حاد بين يمين محافظ ويسار جذري
استثمار مخاوف الشارع
فاز أنطونيو كاست لأنّه نجح في استثمار مخاوف الشارع التشيلي وتقديم صورة عن نفسه نفسه كبديل حازم في قضايا الأمن بعد تفشي الجريمة المنظمة و تدفق هائل للمهاجرين والاقتصاد، بينما لم تستطع جانيت جارا كسر حاجز الرفض الأيديولوجي ولا توسيع تحالفاتها السياسية. وتؤكد هذه الانتخابات أن تشيلي دخلت مرحلة سياسية جديدة عنوانها القطيعة مع مرحلة اليسار والبحث عن الاستقرار بأي ثمن.