عزيز ستراوي
نعم، أنا هو الكلب الزنجي الملقب بماطاباكوس يعني “قاتل البوليس”، لكن مهلا لا تسيئوا الظن بي، وتعتقدون بأني كلب مسعور مهووس بالعض، وسفك الدماء، أو ربما أعمل لحساب عصابة إجرامية تتاجر في المخدرات بالعكس أنا كلب مسالم خلوق أنحدر من فصيلة كلاب أصيلة ولدت من رحم أرض الشيلي، ونشأت وتربيت في أحضان شعب “آلمابوتشي” سكانها الأصليين.
ولا تصدقوا ما يشاع عني بأنني كلب ضال متشرد هذا غير صحيح فلدي أسرة، ومنزل.
والكل يعرف السيدة “ماريا” مربيتي إنها امرأة طيبة، وفي منتهى الرقة، واللطف تغدق علي بحنانها، وتعاملني كابنها، ولا تقصر في توفير كل احتياجاتي.
وللتوضيح أكثر فأنا لست من فصيلة تلك الكلاب المدللة الناعمة، والتي تستعمل للزينة والفرجة، والبهرجة، ولمختلف الخدمات الأخرى كالحراسة والقنص.
لاتستغربوا إذا قلت لكم بأنني كلب من نوع خاص كلب استثنائي نذر حياته للنضال.
اسألوا أصدقائي الطلبة فهم يعرفون قصتي بالكامل وكيف لي أن أنسى تلك السنوات الثمانية التي قضيتها برفقتهم في شوارع سانتياغو.
أتذكر جيدا أنني كنت في كل صباح، وبعد أن تعد لي مربيتي “ماريا” وجبة متوازنة سخية تضم خلطة من لحوم مطبوخة وخضروات ألتهمها بنهم، ثم أنطلق بكل نشاط نحو الميدان الكبير “لابلاسا إيطاليا” يستقبلني الرفاق بحفاوة يحتضنوني، ويطبطبون على رأسي، وكالعادة يضعون حول رقبتي وشاحا أحمر بعدها نتوجه في مسيرة سلمية حاشدة نحو القصر الرئاسي نحمل اللافتات، ونردد الشعارات، وبالطبع أحرص دائما على التواجد في الصفوف الأولى لأحمي أصدقائي من بطش رجال الردع كم أمقت هذه المسوخ الآدمية فعلى الرغم من أنهم يحتمون بالملابس الواقية وبالخوذات، ويتبجحون بكل أنواع الأسلحة التي يحملونها متظاهرين أمامنا بالقوة والجبروت إلا أنهم في الحقيقة مرعوبون أجل، إني أشم رائحة الخوف التي تنبعث من عرق أجسادهم وقت المواحهة، والاشتباكات.
إنهم يعرفونني جيدا لقد ذوقتهم من عضاتي، وكبدت الكثير منهم جروحا بليغة كم مرة حاولوا الإيقاع بي، ومحاصرتي لكن كنت دائما أنجو بجلدي أتذكر ذات مرة لما نصبوا لي كمينا أحاطوا بي طوقوني، لكنني استطعت أن أنفلت من بين سيقانهم، ثم أطلقت قوائمي للريح وقد صمموا على القبض علي ومن فرط غباوتهم طاردوني وسط الشارع بالسيارة معتقدين أنهم سيصطادون حيوانا بريا في أرض خلاء كانت خطة الهروب مرسومة في ذهني بسرعة غيرت وجهتي، وانسللت من بين سيارتين مركونتين على الرصيف، وعبرت مسلكا قادني الى الحديقة ومن هناك توجهت نحو نفق الميترو بخفة نزلت أدراجه وهكذا اختفيت عن أنظارهم.
كلا لن أدعي أمامكم بأني بطل لايقهر وكيف لي أن أنسى ذلك اليوم المشؤوم عندما كنا متجهين نحو القصر الرئاسي أذكر جيدا كانت صديقتي “أنجليكا” تسير بجانبي تقرقع على آنيتها وهي تردد مع الجميع أغنية الحق في العيش “لفيكتور خارا” اصطدمنا في طريقنا بالشرطة وبغية ردعنا وفرم لحمة صفوف مسيرتنا، وتحويلها إلى شتات شكلوا حزاما منيعا ثم بدأوا يطلقون علينا خراطيم المياه، والقنابل المسيلة للدموع، وبالطبع لا يترددون في إطلاق الرصاص وللرد على هذه الاعتداءات لايملك رفاقي كعادتهم غير ارتداء الكمامات واستغلال ما أمكن تلك الذخيرة من القنابل التي تصلنا بإعادة رميها من جديد في محيط الشرطة لحظتها كنت أتحرك، وأتابع بحذر ما يحدث لتوفير الحماية لرفاقي ‘فإذا بي أتلقى رصاصة في ساقي اليسرى أحسست بألم فظيع عويت كما تعوي الذئاب تحاملت على نفسي محاولا أن أنهض لكني لم أستطع شعرت بشلل تام لكن مما زاد من ألمي وقوع صديقي “أنريكو” في قبضة الشرطة تواثب عليه ثلاثة منهم وخوفا من الفضيحة ورقابة الكاميرات سحبوه كخروف فوق الأرض المبللة وهناك خلف شاحنتهم بدأوا يشبعونه ركلا ورفسا من المؤكد أنهم حطموا هاتفه لأنه كان يستعمله في تصوير، وتوثيق الاحتجاجات اليومية، وقد حز في نفسي أن أسمعه يقاوم لوحده، ويصرخ في وجوههم بدون أن أفعل شيئا من أجله، وهو الذي لم يكن يبخل علي كلما أتى إلى الساحة بالعلب التي تحوي أطعمة لذيذة منكهة.
لكن ستعذرني صديقي أنريكو عندما ستعرف لاحقا بأنني كنت في قلب معترك تلك المواجهات ساقطا على الأرض، وساقي تنزف كنت مثلك في محنة وبحاجة الى من يسعفني فوضى صاخبة تعم المكان والأجواء خانقة مشحونة بدخان القنابل والحرائق وبسيول المياه المتدفقة في كل الاتجاهات.
نعم أتذكر انني بدأت أرتجف وأتنفس بصعوبة، بل أن رئتي أفرغت من آخر ذرة من الهواء ولم أعد استوعب ما يحدث لي أغمي علي تماما، لكن في لحظة ما استيقظت على يد ناعمة حانية تتمسح بكل رفق على فرائي لما فتحت عيني وجدت بقربي أنجليكا تبتسم لي ابتسامتها الودودة تقول :”لاتقلق يا بطل، أنت بين أيدي آمنة “.
وبالفعل كنت ممددا على طاولة وكان البيطري قد انتهى على التو من معالجة ساقي، ولفها بالضماد، وبمجرد ما وضع المقص، وسحب القفازتين من يديه تقدمت أنجليكا نحوه عانقته، وطبعت قبلة على خده.
كم كان بودي أن استمر مع رفاقي في درب النضال، لكن تبا للمرض والشيخوخة عجلا بموتي، وعلى الرغم من أنني مطمور تحت الأرض مغمور بصمت القبور مازال يصلني من الخارج ضجيج، وصخب الحياة اليومية تصلني احتجاجات أصدقائي المتظاهرين في الميدان كم أرغب الآن أن أكون معهم من المؤكد انهم مازالوا يتذكرونني.
هل صحيح أنهم صنعوا لي تمثالا؟
النحات
ما زلت أّذكر ذلك اليوم كان يوم أحد أنهيت بعض أعمالي في الورشة، ثم توجهت كعادتي بعد منتصف الظهيرة إلى ساحة لابلاسا إيطاليا لمؤازرة رفاقي كانت سماء سانتياغو قد استعادت صفاءها وإشراقة شمسها بعد يومين ماطرين وكأن الطبيعة تتواطأ مع المحتجين وتهديهم يوما ربيعيا جميلا ليتدفقوا من كل الطرق، والمسالك بأعداد كبيرة يحملون الأعلام الوطنية ويتأبطون اللافتات واليافطات متوجهين الى الساحة في انتظار الانطلاقة الموعودة نحو القصر الرئاسي.
وجدتني أنجرف وسط هذا السيل من المتظاهرين الى أن وصلت الى الساحة هناك وجدت تجمعا خطابيا حاشدا، وقد حول النشطاء الأدراج إلى منصة، وبدأ كل واحد يطرح الطرق التنظيمية الكفيلة بمواصلة النضال عرفت من بينهم صديقي “أغناسيو” شاب ثلاثيني أسمر قوي البنية ينحدر من شعب “المابوتشي” يضع رقعة على عينه اليمنى لأنه فقد عينه أثناء إحدى الموا جهات، وعلى ذراعه الأيسر أثبت وشما يمثل حمامة السلام الشهيرة “لبيكاسو” لما أخذ الكلمة قال وكله ثقة وحماس:َ “أيها الرفاق كما تعلمون لم نعد نعترف بهذا النظام، ولم نعد نثق في وعوده الكاذبة ثقوا بي نحن بحاجة إلى زعيم له حس وطني زعيم لا يجري وراء الامتيازات زعيم مثل ماطاباكوس يتميز بالصدق والوفاء، ونكران الذات”
آنئذ اهتزت الجموع مؤيدة كلامه بموجات من الهتاف والتصفيقات ولم نعد نسمع في تلك اللحظة إلا ماطاباكوس ماطاباكوس ماطاباكوس يتردد اسمه في أجواء ساحة لابلاسا إيطاليا.
أيقنت لحظتها أن الكلب ماطاباكوس غدا أيقونة رمزا للنضال، وأنه ذلك الزر الذي يمكن ان يشعل فتيل ثورتنا الشعبية.
عندما عدت في ذلك المساء إلى ورشتي كانت فكرة أن أصنع لماطاباكوس تمثالا قد ترسخت تماما في ذهني، وقد قضيت أزيد من أسبوعين أصنع كل قطعة منه بمنتهى المتعة، والعشق محاولا أن أسكب فيها كل مهاراتي الفنية، وكم كنت سعيدا لما أنهيت اللمسة الأخيرة، ورفعت يدي عن التمثال، ولكي أحتفي بطريقتي بهذا الإنجاز أعددت كأسا من شراب “الموتي”، ثم جلست في ركن قصي من الورشة، وبدأت أحتسي الشراب بتلذذ وأنا أتملى تمثال ماطاباكوس ها هو أمامي الآن ينضح بالحياة ملفع بسواده الجميل يقعي في شموخ المنديل الأحمر يكلل رقبته وعيناه اللوزيتان تنقدان ذكاء فجاة تملكني شعور قوي جارف حمل معه دموعا انبجست من عيني من المؤكد أنها ليست دموع حزن بل هي دموع فخر واعتزاز نابعة من حبي لوطني فلقد أدركت يومها أنني أعيش لحظة تاريخية نادرة ستبصم بدون شك مسيرتي الفنية وخاصة وأنني سأحظى بشرف تقديم هدية ثمينة للشعب الشيلي :تمثال ماطاباكوس.
الرئيس:
ذلك الكابوس اللعين عاد مرة أخرى ليهاجمني ويقض مضجعي.
أكون غارقا في نومي فإذا بي أسمع أصواتا وحشية أصوات أشبه بعواء الذئاب ،وكأنها قادمة من أعماق غابة بعيدة …أرى كثلة سوداء كثلة متوهجة كروية الشكل تتجه نحوي يبدو وكأنها انطلقت من فوهة مدفعية كلما اقتربت مني تكبر تكبر تكبر، وفجأة ينبثق منها الكلب الزنجي يبدو أكثر من حجمه عملاقا، وكأنه عفريت جبار خرج للتو من قمقمه.
كم هو مخيف شرس شعيرات فرائه تنتصب كأشواك حادة عيناه كالجمرتين يحدق في ومن خيشومه يطلق نحوي أنفاسا حارة لاذعة، وبدون أن يهملني يزمجر يكشر عن أنيابه السائلة باللعاب، ثم يثب ينقض علي يبغي رقبتي …
أقفز من سريري ،وكلي رعب ،وصراخ، وعرق.
آه ! بت أكره الكلاب أمقتها بمجرد ما أرى شكلها، وأشم رائحتها، وأسمع نباحها أشعر بالتقزز بالغثيان لدرجة أنني أجبرت زوجتي على التخلي عن كلبتها “Pepita” لم يكن الأمر سهلا، ولكي أجبر خاطرها أهديت لها في عيد ميلادها قطة جميلة من فصيلة الأنغورا لكني أعلم جيدا بأنها مازالت تحن إلى كلبتها، وتتـألم لفراقها.
كم كنت مخدوعا مغبونا عندما أخبروني بان ماطاباكوس مات طرت فرحا ولكي أحتفل بهذا الحدث السعيد شربت أنخاب موته مع رجالي تنفست الصعداء وقلت وداعا للكوابيس وبالفعل قضيت عامين كاملين أنعم بالراحة على كرسي الرئاسة فقد أضحت شوارع سانتياغو هادئة تماما لا قلاقل، ولا مظاهرات وكم كنت في خطابي الأخير متحمسا أكثر مما ينبغي عندما قلت بالله ماذا قلت ؟ نعم، أتذكر أنني قلت بالضبط “إننا محسودون على الفردوس الذي ننعم فيه” والآن الكل يسخر من هذه السخافات التي نطقت بها أي فردوس وأي نعيم والاحتجاجات تشتعل نيرانها في شوارع سانتياغو، وتنتشر في كل الأماكن التي يحل فيها تمثال الكلب.
الويل لذلك النحات الماكر ! الويل له !
التقارير تقول إنه هو هو من فعلها صنع للكلب تمثالا أحياه من جديد، وكأنه خرج من قبره بعدما شبع موتا لو كنت في عهد “بينوتشي” لبترت لهذا الوغد أصابعه كما فعلوا بذلك المغني المعتوه عازف القيتار “فيكتور خارا”
والله سأجن وان أرى على شاشة التلفاز جموع المتظاهرين يحملونه على أكتافهم وكأنه قديس بل أينما وليت وحللت في أي مكان في أية قرية في أية مدينة في الشيلي تجد صوره في كل مكان على الجدران، وعلى القمصان، وعلى ربطات العنق، وحاملات المفاتيح، بل ان كل المنازل في الشيلي فتحت أبوابها ورحبت بهذا الكلب اللقيط وصرت تجده قابعا “كالمسيح” او “كبودا” على شكل تماثيل ومجسمات ولوحات تشكيلية تزين الغرف والصالونات، لكن ما أثار استغرابي تفشي هذه الموضة الجديدة ! إقبال الناس على تربية هذه الفصيلة من الكلاب الزنجية رغم أنها قبيحة ذميمة إنه الحمق بعينه !
ومما أطار صوابي أنني قضيت في الحكم ولايتين على التوالي ولم أحظ بالشعبية التي حظي بها هذا الكلب الزنجي شعبيته كاسحة تكاد تفوق شعبية “شي غيفارا” و”بابلو نيرودا” و”غابريلا أمسترال” في حين لا يتردد هؤلاء الإرهابيون في تلطيخ سمعتي، والمساس بهيبتي ففي كل خرجاتهم الاحتجاجية يصنعون لي مجسما يضعون عليه صورتي، ويكتبون عليه إسمي، وبعد أن يلفوا حبلا حول رقبتي يتلذذون بشنقي مرات ومرات عديدة، ثم يختمون حفلهم الوحشي هذا فيضرمون النار في أشعر بحرقة تلك النار تشتعل في داخلي.
وأنا أراهم بأم عيني كيف يمثلون بجثتي بينما أنا حي يرزق.
ويا خيبتي ! كل شاشات العالم تتناقل هذه الفرجة المجانية لقد صيرني هؤلاء السفلة أضحوكة بين الجميع وموضوعا للسخرية والتشفي.
تبا لهم! هل نسوا بأنني أنا الرئيس؟ نعم، أنا رئيسهم والرجل الأول في البلاد.
لذا كان علي أن أتصرف أن استعيد شيئا من كرامتي أن أثأر منهم ومن كلبهم.
أطلقت رجالي على التمثال، وأمرتهم بأن ينكلوا به ويدمروه عن آخره وقد جربوا كل شيء: شوهوا معالمه قاموا بحرقه تعمدوا تحطيمه وإتلافه بجره عبر سيارة رباعىة الدفع، لكن بدون جدوى الأوغاد كانوا دائما يرممونه ويبعثون فيه الحياة ويحملونه من جديد الى الساحة في أجواء احتفالية بحيث يهب الجميع لاستقباله يهتفون باسمه ويهللون فرحين بقدومه وكأنه زعيمهم.
لكن ماعساي أن أفعل؟ وهذه الثورة الشعبية، بل على الأصح هذه الثورة الكلبية لا تبشر بخير وكل الطرق لإخمادها أضحت مستحيلة أشعر بالقلق بالخذلان بالخيبة، وبكرسي الرئاسة يهتز من تحت مؤخرتي.
أهي النهاية؟
المرجع: نص الحوار الذي اجراه الصحفي مصطفى روض مع الفنان النحات “مارسيل صولة صانع تمثال ماتاباكوس المنشور بجريدة “أخبار اليوم” المغربية.
مقالته عن ماتاباكوس والحراك الاجتماعي في الشيلي المنشورة في “أخبار اليوم” المغربية المغربية وبصحيفة “إل سيودادانو” التشيلية.

الصورة-.-م.JPG.png