بقلم: ليلى الشافعي
نظم “منتدى مبدعات بلا حدود” بشراكة مع المركز الثقافي بنسليمان مؤخرا، تقديما لأربعة مؤلفات، لأربعة صحافيين اشتغلوا سابقا بوكالة المغرب العربي للأنباء، هم أحمد الطاهري في كتابه “العين ترنو … والكلمة تشاء” وابراهيم بنحمو في كتابه “مغربيات ملهمات.. وجوه ومسارات” وسعيد رحيم في مؤلفه “الهرمكة” ومحمد رضوان في بحثه “أوهام الغرب عن الإسلام” وبين مداخلة وأخرى، كانت تصدح أغاني كل من الفنان رشيد الشناني والفنانين جعفر الشرايبي وخديجة دوكار.
واستهل السيد أحمد الطاهري مداخلته بالتعريف بالعلاقة بين الصحافة والكتابة الأدبية، خاصة وأن كتابه يقع في التخوم بينهما، قائلا “لا شك أنها علاقة استدراج وإغناء، فالأدب يضخ الحياة في شرايين الصحافة ويشحذ نبضها كي لا تصير مجرد مادة هامدة. إذ بلا لمسة الإبداع وفي غياب بصمة الجمال، يظل الصحفي، مهما علا كعبه، يتخبط في سطوة العادية.”
وأكد أنه خلال مساره المهني، ظل هاجسه الضاغط هو العمل على الارتقاء بالمستوى التقريري العادي للمادة الصحفية الى المستوى الجمالي والابداعي، مشيرا إلى أن هذا الأمر يتأتى بالخصوص لمن تملكه شغف القراءة والكتابة الأدبية، وهو الشغف الذي يتولد عنه شغب جميل يتمثل في اللهو واللعب باللغة بالمعنى المجازي، أي تطويع هذه اللغة وتجميلها وتنميقها بما يفيد في بسط أفق المعنى وجعله نفاذا وبليغا.
وفي تفسيره للعنوان، (العين ترنو) قال الكاتب أحمد الطاهري إن فعل “رنا” إلى الشيء: أدام النظر إليه وتأمله. ومن مرادفات كلمة “رنا”: أبصر، أناف، تطلع، رأى، رمق، شاهد، عاين، لاحظ، لمح، نظر مبرزا أن العنوان يحيل إلى التفاعل الحي بين المشاهدة المتأنية لظاهرة أو موضوع ما بالعين البصيرة اللاقطة لا بالعين الناظرة العادية.
وذكر ثلاث شذرات من ثلاث شهادات، أولاها خطها زميله نزار الفراوي الذي يرجع له الفضل الكبير في هذا الإصدار، في مقدمة الكتاب، واختار لها عنوان: “ذخيرة الأديب المستتر.. دم يغلي في الظل”: يكتب “إن الكاتب يعرف بالضبط كيف يدير تعدده ويخصب تنوع مشاربه، بحيث يحمي نصوصه الصحافية من شطط التجريد وجموح العبارة وخطر الانفصال عن الموضوع، ويحرص على التماسك المنطقي الذي يخدم أولويات وأهداف كتابة مقتصدة مطوقة بمهمة عاجلة لتوصيف حالة واقعية راهنة، وتفسير خلفياتها والعرض المتوازن للمواقف والفرقاء اللاعبين في ساحتها وتوقع مآلاتها بناء على مدخلات معقولة. الأدب يخدم الكتابة الصحافية ولا يقتلها، في هذه الحالة، وهجانة النص المحلق على تخوم هذين العالمين ليست نقيصة حين يديرها فكر ماهر وقلم محنك”.

صحافيون-كتاب-منتدى.jpeg
أما الشهادة الثانية فتثمل في مقال لصديقه الباحث في حقل السوسيولوجيا والفلسفة، عزيز لزرق، حمل عنوان: “عن العين السادرة والكلمة الشاهدة” كتب فيها “يصدر كتاب (العين ترنو .. و الكلمة تشاء)، في زمن تختزل فيه العين في دور المشاهدة و الفرجة، في زمن سائل يتميز ب(اليد تلمس والكلمة تنكمش)”…
وتساءل عن ماذا يكتب أحمد الطاهري؟ مجيبا: “إنه يكتب عن كل ما ترنو إليه العين، وعن كل ما تستطيع الكلمة أن تطوعه مشيرا إلى أن الكتاب يتضمن 62 منجزا كتابيا، 22 منها تدور حول قضايا سياسية ومجتمعية، و40 منها تتناول قضايا ذات طابع ثقافي بامتياز، سواء تعلق الأمر بنصوص عن القصة، عن الشعر، عن الفن، أو بإبداع نصوص سردية. في كل هذه المنجزات الكتابية تحضر الرؤية (العين) الحصيفة النقدية (التي ترنو)، والشهادة (الكلمة) الهادفة والقصدية (التي تشاء).
وأضاف أن الكاتب يريد أن يجعل كتابته تستجيب لمطلبين: المطلب الأول، مطلب العين التي ترنو إلى الشيء، و”تديم النظر إليه في سكون طرف”، حيث ترنو إلى حسنه وما ليس حسنا في ذاته وفي معناه، تفضح العين قبحه، بمحسنات لفظية وببديع المبنى. والمطلب الثاني، مطلب الكلمة التي تشاء، فإذا كانت العين لا تختار ما تلتقطه، فإن الكلمة تختار كيف تريد وتحب وترغب فيما تكتبه. لكن ثمة نظام ترتيبي وتراتبي، فالأولوية للعين، والحسم للكلمة، العين محرك الكتابة والكلمة قاطرتها، العين كاميرا الكتابة والكلمة ألبومها. بهذا المعنى يصح القول إن هذا الكتاب، هو من نوع الكتابة بالعين، حيث تنقلب الأدوار فتصبح العين هي من يقوم بالحكي، وتصبح الكلمة هي من تلتقط الصورة: فالعين هنا ساردة والكلمة ملتقطة، موضحا أن العين تقوم بدور الفصح والفضح، إنها تفصح عن بواطن الذات وتفضح تناقضات شاهدة.
وفي الشهادة الثالثة، قال المؤلف أنها للمبدع والكاتب الصحفي عبد الحميد جماهري، خلال حفل توقيع الكتاب في فبراير الماضي بالدار البيضاء جاء فيها “لو كنت منصفا لقلت إن أفضل تقديم للكتاب الآن هو أن أقرأه عليكم صفحة صفحة، جملة جملة، لما في قراءته من إغراء لا يحسن بي أن أنقص منه أو أن أزيد قليلا”.
وتابع جماهري: “تفكر من داخل فخ محكم مفاده أنك تبني أفق انتظار على أساس أن الموقع أعلاه في الغلاف، قادم من وكالة المغرب العربي للأنباء، وبالتالي لابد تتلقى القصاصات الصادرة عن الوكالة، حيث يكون الكاتب في التحرير الصحفي مطالبا بالمراوحة بين الدرجة الصفر في اللغة. لغة بلا أعضاء ولا أطراف بلا خيال. لغة تكاد تكون مقعدة من شدة التقعيد الأسلوبي. لا قدرة لها على الانزياح”.
واستطرد: “تفرح بكثير من النشوة عندما يتخلخل أفق الانتظار كما يحب النقاد قول ذلك؛ فتكون مصاحبة الكتاب قراءة للدهشة والإمتاع في مرادفات صقيلة للكلمات (…) تقرأ، ثم تشعر، في غمرة عزلة ذاتية، حرة، متداعية تتذوق نفسها بأن الكتاب يستحق قراءة ثانية”.
أما الكتاب الثاني فقد كان للكاتب الصحافي ابراهيم بنحمو، وهو موسوم ب “مغربيات ملهمات .. وجوه ومسارات”، الصادر عن مطبعة المناهل بالرباط، والمتكون من 120 صفحة، وقدمه مؤلفه قائلا “إنه يتضمن بورتريهات وحوارات وتغطيات صحافية أنجزها عن كوكبة من النساء الاستثنائيات، وذلك خلال الفترة الممتدة من 2017 إلى 2021، حيث عمل حينها صحافيا مراسلا معتمدا لوكالة المغرب العربي للأنباء في العاصمة الإماراتية أبو ظبي”.
وتسلط هذه المواد، حسب المؤلف، الضوء على إنجازات هؤلاء النساء في مجالات متنوعة كالأدب والفنون والطب والعلوم والإعلام والرياضة والتنمية المستدامة والفلاحة وترتيل القرآن الكريم، وجرى تكريمهن في تظاهرات ومنديات ومعارض محلية ودولية استضافتها أبو ظبي ودبي والشارقة.
واعتبر الكاتب إبراهيم بنحمو أن هذا العمل يتوخى المساهمة في إبراز الوجه المشرق للمرأة المغربية المتسلحة بالعلم والعزيمة القوية والرغبة في التألق والريادة، وفي الوقت ذاته كسر صورة نمطية اتجاه المغربيات في بلدان الخليج، يتم الترويج لها بين الفينة والأخرى في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
ويتناول الكتاب الثالث الذي هو عبارة عن رواية تحمل عنوان “الهرمكة” للصحافي والكاتب سعيد رحيم والتي تشكل أول عمل أدبي يتناول فترة من تاريخ قرية بوزنيقة منذ ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين إلى نهايته، قبل أن تتحول إلى مشروع مدينة أو بالأحرى مدينة قروية.
يطوف بنا الكاتب، بأسلوب سردي مشوق عبر صفحاتها ال166، على مجمل المراحل السوسيو اقتصادية والاجتماعية والثقافية التي بصمت نشوء بوزنيقة وانتقالها من أرض خصبة في خدمة المستعمر الفرنسي داخليا وخارجيا إلى فترة ما بعد رحيل فيالق الاحتلال وظهور فئة ممن أطلق عليهم الراوي “أولاد غرناطة” ـ تمثلا بآخر ملوك الطوائف وسقوط آخر مملكتهم في الأندلس ـ ممن تقاطرت عليهم منافع لم يحافظوا عليها إلى أن أسقطهم التهاون والجشع والتجاهل في مخالب “الهرمكة”، إحالة على الآلة التي جلبها معه انطوان المواطن الإسباني الهارب من ديكتاتورية الجنرال فرانكو إبان الحرب الأهلية الإسبانية. حيث “الهرمكة” أهم آلة في معمل الفلين، على ضفة أخدود السحيلة، غير أن الكاتب اعتبرها لا تطحن الفلين وحده، بل تصحن معه أمال الناس وأحلامهم.
وقدم الرواية الزجال والناقد أحمد السالمي، حيث شرع في تفكيك مفهوم “الهرمكة”، وهو مفهوم متداول في المأثور اللغوي للمحكي المغربي، والذي تحيل طبيعته السلطوية على القهر الجسدي من اعتقالات وعنف ولصوصية وشجارات وغيرها من أنواع القصاص بمفهومه الزجري.
وأشار إلى أن أخدود السحيلة سيشكل العمود الفقري الذي سينبث حوله كيان مجتمعي على إثر ظهور أول معمل على ضفته الجنوبية معتبرا أن المعمل سيخلق نمط حياة جديد لساكنة “بلدة البوز” حيث ستنبثق دور من طوب وصفيح تعكس البوادر الأولى لمجتمع شبه صناعي.
واعتبر أن ما يثير الانتباه هو الاحتفاظ بأسماء الأمكنة كما هي في الواقع، متسائلا إذا ما كانت إمكانية لوضع القارئ ضمن الأجواء القريبة من معرفته، مجيبا “هذا ما نلمسه في الاعتراف السردي الذي يفرض ذاته على الكاتب، وكيفية ترجمته مبنى حكائيا في قوالب الفعل الحدثي الناتج عن الشخصيات المرتبطة بها”.
وتابع أننا نجد أنفسنا أمام بنية اجتماعية تتمظهر مكوناتها بالمفهوم السردي في وحداتها الصغرى/ الشخصيات من حيث دلالات وجودها، وعلاقاتها وأفعالها التي تحدد أحجامها؛ إذ يعتبر دور كل من كمال وإدريس محوريا في توجيه الأحداث سواء تعلق الأمر بالسارد العالم وهيمنته “استمر كمال في سرد ما ظل مستترا بدواخله: أو عندما يترك السرد لكمال من حيث تموقعه، أو زاوية الاحداث والوقائع ..”.
وأوضح أن السلوك الذي يركز عليه الكاتب بالنسبة لقواه الآدمية نابع من طبيعة المعتقدات الثقافية السائدة بكل حمولتها الراسخة، وتمثله في الكتابة “شكل معمل الفلين تحولا مهما في حياة ساكنة البوز … من العلاقة المباشرة بالأرض والتراب .. الجر والحرث .. إلى فتح مجال علاقة بالماكينة وآلات التصنيع.” مشيرا إلى أنه في سياق ما يطمح إليه الكاتب بين الثابت الذي يحدد مفهوم الشخصية والطموح البطيء لأبسط الاعتبارات التي تركن إليها هذه القوى في التعبير عن الرأي بمعنى ما “وما هي إلا أسابيع قليلة حتى وجد الجيلالي نفسه عضوا في المكتب النقابي لأول مركزية في ذلك العهد”، أي أوجه المواجهة التي تتغيى التغيير.
ثم استطرد أن عملية السرد لا تخضع للزمن في خطيته، بل قوالبها تباعد الزمن السردي عن الزمن الممتد من حيث حركيته الفنية، وما انفلاته من الكاتب إقرارا بامتداده الطبيعي سوى التفاتة إلى الذاكرة الجماعية للمجتمع، حقبة وسنواتها بكل أحداثها الواقعية (بداية العمل النقابي 1961، معتقلات سياسيات من بينهن الشهيدة سعيدة المنبهي في سجن بالدار البيضاء سنة 1977، منتصف الزمن الرصاصي، مجزرة صبرا وشاتيلا منتصف شتنبر 1982…) حتى يستقيم الزمن الحكائي في علاقاته المتباينة من حيث انتقال الأحداث وفق مجرياته، بدء بمنطلق خط السرد الأولي – وفي أغلبه تداعي عبر الذاكرة من خلال العلاقة بين كمال رشدي وإدريس كقطب رحى تنبعث منه الأحداث – في تراتبيته وتداخلاته (الاسترجاع والاستباق والتكسير) ثم العودة من جديد تمهيدا إلى استرجاعات مختلطة ما بين الزمن الواقعي وزمن الذاكرة والزمن السردي.
وأوضح أن السرد لا يقتصر على اللغة في توالي أنساقها، وإنما إلى عوالم سيميائية تتمظهر بها توصيفا لكل مرحلة من مراحل الرواية للبلدة “… ضفة انتقلت من أرض عارية إلى ما يشبه مدينة تلاقت أبنيتها مع بعضها البعض بعد أن كانت “نوايل” وأكواخا وخياما ودور صفيح متباعدة”، أي أن الزمن لا يثبت على حال واحدة، فهو لا يقاس بمعايير زمنية مألوفة (السنة، الشهر، اليوم، الليل، النهار، الساعة ..) ضمن زمن الفعل الحدثي في تسلسله، بتداخل الماضي بالحاضر عبر بنيات السرد ومنطقه حفاظا على أدبيته واتساع تخييله.
وأشار إلى أن بلاغة الإمتاع تستفزنا بتدرجها مرة بالهدوء والتفكير المسترسل (الوقوف في كل مرة عند مكون من مكوناته، دون أن نعتبر منه الأساسي والثانوي مادام بناء الرواية لا يستغني عن مساهماتها فعلا وتصورا: الإحاطة ب”بلدة البوز” من كل جوانبها الإثنوغرافة .. كما هو الشأن بالنسبة لأغلب الشخصيات في تتبعها وصفا وفعلا: كمال، ادريس، الجيلالي، الشرقي، العبادي، باحنيني، إبراهيم، الطاهر، فهمي وو.. والحركة الدؤوبة للقرية في صيرورتها ..)، ومرات بالأفعال الحدثية في خلق وضعيات تصعب معها الحلول السهلة، حتى بات مألوفا أن أحداث “الهرمكة” تكسر رتابتها من خلال هذه الصعوبات، لذا كان لا بد من مكائد تجعل الأحداث تنمو وتتطور.
واستطرد، أن هذا ما يلاحظ من خلال الرباط الميكانيكي بين المتخيل السردي وواقعية “بلدة البوز” من خلال ما طرأ عليها من تغيير (حركتها الاقتصادية، الجزارة، الشواء، المخبزة، السوق الأسبوعي وما يتخلله من نشاط تجاري وترفيهي (الحلقة) والأنشطة الثقافية والفنية: دار الشباب، “حركة أولاد الشعب” والرياضة والتعليم ..) دون فصلها عن الفضاء العام وموقعها الاستراتيجي (أخدود السحيلة، الضفة الجنوبية لأخدودها، الضفة الشمالية له، جهة الشمال الشرقي..) هذه التحديدات هي المحطات الأساسية، التي اتخذت من حوار كمال وإدريس غير المباشر، مادة لكل منهما، بالوقوف عليها دون فصلها عن الأجزاء الأخرى للبلدة ولبنياتها المتعددة.
أما بالنسبة للكتاب الثالث فكان للصحافي والكاتب محمد رضوان والمعنون ب”أوهام الغرب عن الإسلام، بحث في جذور معاداة الثقافة الإسلامية في الغرب” وقدمه المؤلف مشيرا إلى أن الإسلام يخضع لرؤية تكاد تكون ثابتة في الذهنية الثقافية الغربية، تنم عن موقف تاريخي معاد تجاه الإسلام والمسلمين، وعن هذه الرؤية، تتداعى العديد من الصور والتمثلات والمقولات عن الشرق الإسلامي والثقافة والحضارة الإسلامية.
وأبرز أن ما يميز رؤية أوروبا المسيحية في القرون الوسطى، وأروبا النهضة في عصر الأنوار، أنها تصدر عن كيان سعى دوما إلى تحديد هويته ومرجعيته و”أناه” في مقابل “الغير أو “الآخر”، الذي كان في معظم مراحل التاريخ يتمثل بالنسبة للمسيحيين الغربيين في “الشرق”، أو “العالم الإسلامي” بصفة عامة.
وأضاف أنه إذا كانت هذه الرؤية قد تطورت مع تعاقب الزمن إلى العصر الحديث، فإن ذلك لا يعني أن سماتها والأحكام التي انطوت عليها قديما قد تغيرت بصورة جذرية في العصور التالية، فالذي تغير إنما هو طرق التعبير عنها، ووسائط إنتاجها، ونقل مضامينها، وتصريف أحكامها.
وأشار إلى أن موقف الغرب من العالم الإسلامي انبنى تاريخيا على أساس ديني لعبت فيه الكنيسة المسيحية دورا حيويا في سعيها إلى محاربة الإسلام وتهميشه وتضييق دائرة انتشاره عبر العالم، وخاصة في المناطق التي كان لها فيه موطئ قدم. وليست الحروب الصليبية الضارية، التي استمرت نحو قرنين (من 1095م إلى 1292م)، والتي دعا إليها أحد آباء الكنيسة، وهو “أوربان الثاني”، إلا واحدة من صور العداء والعنف الذي وقفت المؤسسة الكنسية وراءه بثقلها للقضاء على المسلمين واسترداد مناطق نفوذها الديني منهم.
واعتبر الاستشراق “الذي ساهمت الكنيسة في وضع لبناته الأولى، ونفخت فيه من روحها وأمدته بأفكارها عن الإسلام، امتدادا لجهود الكنيسة ومراميها لهدم الإسلام، لكن جهود الاستشراق لم تنحصر في الاهتمام بالحقل الديني، وإنما شملت ميادين المعرفة والعلم والفلسفة والفكر والآداب، فكان إقبال المستشرقين على تعلم العربية ودراسة العلوم الإسلامية من أجل فهم الثقافة الإسلامية من الداخل، ولم يكن التيار الغالب في الاستشراق، يسعى من وراء فهم هذه الثقافة إلى بناء صورة حقيقية عن الإسلام والمسلمين وحضارتهم، وإنما كان الهدف من ذلك الوصول إلى أيسر السبل الممكنة لهدم هذه الثقافة بالتركيز على بث الشكوك والشبهات حولها، وتعميق أو تضخيم بعض إشكالاتها في الفكر والفلسفة وعلم الكلام، أو بتسليط الضوء على بعض معضلاتها في السياسة والاجتماع”.
وأضاف أن الاستشراق استطاع بدوره إنتاج سلسلة من الأفكار المريبة عن أصالة الثقافة الإسلامية وحقيقة إسهامها في الحضارة الإنسانية؛ فالعرب والمسلمون بالنسبة لعدد من المستشرقين لا يتعدى دورهم الثقافي والحضاري عملية ترجمة الفكر والفلسفة الإغريقية من اليونانية إلى العربية، ونقلها إلى أوروبا بعد ترجمتها من العربية إلى اللاتينية.
وتابع أن الدافع إلى وضع هذا الكتاب، كان محاولة فهم بعض الأسباب التاريخية في الحملات الراهنة المناهضة للإسلام وقيمه وثقافته في أروبا والولايات المتحدة، وذلك في محاولة للإجابة عن بعض الأسئلة من قبيل؛ هل صحيح أن الحملات الغربية ضد المسلمين اليوم لها ما يبررها سياسيا وأمنيا لمحاربة التطرف والإرهاب، وهل هذه الحملات هي نتيجة طبيعية لما حصل من اعتداءات في الغرب بدء من هجمات نيويورك في 11 شتنبر2001، وانتهاء بأحداث مدينة “تولوز” الفرنسية خلال مارس 2012، أم أن الدوافع في تلك الحملات هي أعمق من ذلك، وأشد ارتباطا وتعبيرا عن تيار تاريخي في الثقافة الغربية معاد للمسلمين وثقافتهم؟.
وقال إنه “خلافا للكيانات الثقافية والحضارية الأخرى كالصين والهند واليابان، يرى الغرب العالم الإسلامي ككيان تاريخي نازعه دوما السيادة فيما يعتقد أنه “ملك” له بشكل قطعي”، فالغرب ينظر إلى الكيان الثقافي الإسلامي عدوا ينازعه العقلانية الإغريقية، والحقيقة المسيحية، وكذلك الأرض أو الجغرافية التي تحيط بحوض البحر الأبيض المتوسط.
هذا وقد نشط أجواء اللقاء الفنانين رشيد الشناني الذي غنى أغنيتين الأولى من كلماته واللحن الإيطالي لأغنية بيلا تشاو والثانية بعنوان “تنسى كأنك لم تكن” من ألحانه وكلمات محمود درويش، أما جعفر الشرايبي والفنانة خديجة دوكار، فقد أمتعا الجمهور بأغنيتين طربيتين، إحداهما لسيدة الطرب العربي أم كلثوم.
كما صعدت الشاعرة المتألقة لطيفة مجاد، وشنفت مسامع الحاضرين بقصيدة “محكمة” حاكمت فيها العقلية الذكورية التي تدفع المرأة إلى الوقوف أمام المحكمة من أجل الطلاق

ليلى-الشافعي-كاتبة.jpeg