بقلم: محمد التاودي
في البدء كانت الابتسامة… قبل أن تُخلق الكلمات، وقبل أن تُنسج الحروف، وقبل أن تُولد اللغات. كانت هناك إشارة صامتة، تتحدث من القلب إلى القلب، تتجاوز الأصوات وتعلو على الاختلافات، كأنها أول ما تعلّمه الإنسان قبل أن يتقن النطق والتعبير.
وكما قال غابرييل غارسيا ماركيز:
«لا تتوقف عن الابتسام حتى وإن كنت حزينًا، فلربما فتن أحد بابتسامتك.»
فالابتسامة ليست مجرد انحناءة عابرة للشفاه، بل هي قوس قزح يظهر بعد عاصفة المشاعر، دليلٌ على أن الروح ما تزال قادرة على الضوء. وهي الجسر الخفي الذي يربط بين شطآن النفس البشرية المتباعدة، يختصر المسافات، ويمنح اللقاء الإنساني دفئه الأول، حيث يبدأ الفهم قبل الكلام، ويولد الأمل من أبسط إيماءة.
في هذه الصفحات، ستمشي معي في رحلة استثنائية… رحلة تبدأ من اللحظة الأولى لوجود الإنسان، وتعبر قرون الحضارات، وتخترق أعماق النفس البشرية، وتصل إلى قلوبكم أنتم – أيها القراء – حيث سأحكي لكم قصتي بكلماتي أنا… أنا الابتسامة.
لقاء خاص في اليوم العالمي للابتسامة
في قاعة الاجتماعات الرئيسية في المقر المركزي للمؤسسة العمومية للخدمات الاجتماعية، اجتمع الموظفون في جو يختلف عن اجتماعات العمل المعتادة. كان اليوم الجمعة الأولى من شهر أكتوبر، وهو التاريخ الذي يحتفل فيه العالم سنويًا بـ “اليوم العالمي للابتسامة”، الذي أُطلق تخليدًا لرمز الوجه المبتسم، وفكرته الأساسية: “افعل عملاً طيبًا، وساعد شخصًا واحدًا على الأقل على الابتسام.”
القاعة الواسعة ذات الجدران الزجاجية كانت مغطاة بلافتات بسيطة تحمل رمز الوجه المبتسم ، مع عبارات تشير إلى روح المناسبة. لم تكن هناك أوراق عمل أو تقارير أداء، فقط كراسي مريحة منتظمة في نصف دائرة مفتوحة.
الجمهور كان مميزًا هذا المساء: موظفو المؤسسة العمومية بمختلف مستوياتهم الوظيفية. في الصفوف الأمامية جلس المديرون ورؤساء الأقسام ببدلاتهم الرسمية، لكن رباطات عنقهم محلولة، وجلس بجانبهم مساعدوهم والسكرتاريون الذين ينقلون هموم المكاتب وتفاصيلها الدقيقة. وراءهم، موظفو الخط الأمامي الذين يلتقون بالمواطنين يوميًا في مكاتب الاستقبال وفي فروع الخدمات البلدية، وجوههم تحمل آثار تعاملات اليوم الطويل.
كان هناك أيضًا مختصو العلاقات العامة ومسؤولو التواصل المؤسسي الذين يبنون الجسور بين المؤسسة والمجتمع، وفريق الدعم النفسي والاجتماعي الذي يعمل خلف الكواليس لاحتواء الضغوط. الجميع اجتمعوا ليس كرؤساء ومرؤوسين، بل كشركاء في خدمة إنسانية واحدة.
دخل المضيف، السيد مدير المؤسسة العمومية، رجل في الخمسينيات من عمره، معروف بجدّيته وإدارته الحازمة، لكن اليوم كانت خطواته أكثر هدوءًا، وملامحه أكثر استرخاءً. لم يقف على المنصة المرتفعة، بل وقف في مركز الدائرة البشرية، وكأنه واحد منهم.
“زملائي وأعزائي الموظفين،” بدأ صوته واضحًا وحميمًا. “نلتقي اليوم في مناسبة استثنائية، لا علاقة لها بخطط العمل أو مؤشرات الأداء. نحن هنا لأن غدًا هو اليوم العالمي للابتسامة، وفي هذا العام قررنا ألا نحتفل به بتوزيع بطاقات معايدة، بل أن نفهمه.”
توقف وأدار نظره حول القاعة، ملامحًا وجوهًا يعرفها جميعًا من اجتماعات العمل الصارمة.
“نحن في هذه المؤسسة،نتحمل مسؤولية ثقيلة:خدمة المواطن، وإدارة الخدمات الاجتماعية، والتواصل مع مؤسسات المجتمع. والضغط الذي نعيشه يوميًا – سواء كان ضغط الأرقام، أو ضغط الشكاوى، أو حتى الضغط الذي نخلقه لأنفسنا – قد يجعلنا أحيانًا ننسى جوهر عملنا: الخدمة الإنسانية.”
رفع يديه بتواضع، كأنه يستعرض القاعة
“اليوم،أدعوكم جميعًا– مديرين ومساعدين، موظفي مكاتب وفرق ميدانية، مسؤولي تواصل ومسؤولي تنفيذ – لنغلق ملفاتنا ساعة واحدة فقط. لنحاول معًا أن نخلق لغة مشتركة جديدة داخل مؤسستنا. لغة لا تعرف التدرج الوظيفي، ولا تعرف ‘رئيس’ و’مرؤوس’، بل تعرف فقط بشرًا يعملون معًا لخدمة بشر.”
ازدادت حميميته وهو يتحدث، وكشف عن شيء شخصي نادرًا ما يفعله.
“فكروا معي:عندما يبتسم رئيس قسم لمساعده،هل يضعف ذلك من هيبة المنصب؟ أم يخلق جسر ثقة يسهل العمل؟ عندما يبتسم موظف الاستقبال لمواطن متذمر، هل يحل المشكلة الفنية؟ ربما لا، لكنه يفتح الباب لحلها. وعندما تبتسم مؤسستنا – من خلال كل واحد منا – للمؤسسات الشريكة وللمجتمع، ألا نخلق بيئة عمل وإنجاز أكثر إنسانية وأقل إرهاقًا؟”
ساد صمت تأملي في القاعة، وكأن كل موظف بدأ يراجع تفاعلاته اليومية.
“لهذا،” تابع المدير بصوت أكثر هدوءًا، “دعوتكم لاستقبال ضيف غير عادي. ضيف ليس خبيرًا في الإدارة، ولا مستشارًا تنظيميًا. بل هو أقدم وأنجح أداة اتصال عرفتها البشرية، وأكثرها فعالية في كسر الحواجز وبناء الروح الجماعية. إنها الابتسامة. لكننا لن نستمع إلى محاضرة عنها، بل سنستمع إليها هي شخصيًا، وهي تخبرنا كيف يمكنها أن تساعدنا في تحقيق ما نصبوا إليه: تواصل حقيقي بين جميع أطراف مؤسستنا، وبين مؤسستنا والمجتمع.”
أومأ برأسه للمساعدين، فتم تخفيف الأضواء قليلاً، تاركًا إضاءة دافئة.
“فأطلب منكم،كمدير لكم،وصديق لكم، وزميل في هذه الرحلة: دعوا عناوينكم الوظيفية خارج الباب. اجلسوا كأشخاص. كآباء، كأمهات، كأبناء، كجيران. واستعدوا لسماع ما قد يغير ليس فقط طريقة عملنا، بل طريقة وجودنا معًا.”
تراجع المدير خطوات قليلة وجلس في الصف الأول، كأي موظف آخر، معلنًا بفعله أن السلطة الوحيدة في هذه القاعة الآن هي سلطة الكلمة التي ستأتي.
وبعد لحظة من الصمت الموحّد، بدأ الصوت يعلو في القاعة، صوت دافئ وحكيم، يملأ الفراغ ليس من مكبرات الصوت، بل كما لو كان يصدر من القلب الجمعي للحاضرين:
“أشكركم… على هذه الدعوة غير المتوقعة داخل جدران مؤسستكم.
أعلم أن لكل واحد منكم دورًا مختلفًا:مديرًا يحمل عبء القرار،مساعدًا يحمل عبء التنفيذ، موظف استقبال يحمل عبء الانطباع الأول، مختصًا يحمل عبء الحلول.
لكنني أعرف سرًا واحدًا يجمعكم جميعًا:كل واحد منكم،في مكان عمله هذا، يريد أن يُفهم، وأن يُقدر، وأن يشعر بأن عمله له معنى.
جئت لأقول لكم:أنا لست ترفًا،ولا علامة ضعف. أنا الجسر الأقصر بين مكتب المدير ومكتب المساعد. أنا المفتاح الذي يفتح قلوب المواطنين القادمين إليكم بمخاوفهم. أنا اللغة المشتركة بين مؤسستكم والمؤسسات الشريكة لكم.
جئت لأذكّركم بأن أقوى سياسة مؤسسية هي تلك المكتوبة ليس على الورق،بل على الوجوه.وأن أنجح خطط التواصل هي تلك التي تبدأ بزاوية شفة مرتفعة قليلًا قبل أن تبدأ بالكلام…
فلنبدأ معًا من حيث يبدأ كل تواصل حقيقي:من الاعتراف بأنكم ،قبل كل شيء، بشر…”
المساحة الصامتة بين النظرة والعبارة
قبل أن ننتبه للكلمات، هناك ما يسبقها.
وقبل أن نفهم المعنى،هناك ما يهيّئ القلب لاستقباله.
في تلك المساحة الصامتة بين النظرة الأولى والعبارة المؤجلة،
تتشكّل أشياء لا تُرى،لكنها تُربّي،تُطمئن، وتفتح الطريق دون ضجيج.
تقديم الذات: من أنا؟ وما هو مساري الوجودي؟
أنا الابتسامة.
أتحدث إليكم اليوم بصوتي أنا،لا لأعرّف نفسي، بل لأستعيد لحظة ميلادي الأولى. لم أولد من الكلمات، ولا من الأفكار المرتّبة، بل من حاجة الإنسان إلى الآخر حين يعجز عن الشرح. أنا الوميض الذي يظهر قبل السؤال، والإيماءة التي تسبق الفهم، والعلامة الأولى على أن القلب ما زال قادرًا على التواصل.
وكما قال الكوميدي والموسيقي فيكتور بورجي:
«الابتسامة هي أقصر مسافة بين إنسانين.»
وهذه ليست عبارة جميلة فحسب، بل خلاصة وجودي. أنا الجسر الأصيل الذي يختصر مسافات الوحشة، ويكسر حواجز الصمت، ويفتح باب اللقاء دون استئذان. أسبق اللغة في تعريفنا بإنسانيتنا المشتركة، وأذكّرنا—في لحظة خاطفة—أننا متشابهون أكثر مما نظن، وأن أبسط الإشارات قد تحمل أعمق المعاني.
سأخبركم عن مساري الوجودي: كيف بدأت نبضةً أولى في روح الإنسان، وكيف رحلت عبر العصور والحضارات، محتفظةً بجوهرها رغم تعدد الأسماء والتفسيرات. سأسير بكم من أعماق النفس البشرية وخفايا الدماغ، إلى ساحات الحياة اليومية حيث أكون سلاحاً ضد القبح، ومقاومةً صامتةً لليأس. من غرف المستشفيات المليئة بالخوف، إلى فصول الدراسة حيث ينمو الطفل، إلى بيوتنا حيث تنسج العلاقات بلحمتها وسداها.
سأحكي لكم كيف أكون أحياناً “صدقة” في موروثنا العربي، وعلامة حياء في ثقافة أخرى، وجسراً بين القلوب في ثالثة. وكيف أختلف جوهرياً عن قناع الزيف الاجتماعي، لأنني أنبعث من تصالح داخلي، وليس من إنكار للألم.
في هذه الرحلة، سأحدثكم بضمير المتكلم “أنا”، لأنني الفاعل والشاهد، وليس موضوعاً غائباً. ولأن الحديث عن الجوهر يقتضي البدء من المنبع، دعونا نعود معًا إلى اللحظة الأولى.
الولادة الكونية: النبضة الأولى في روح آدم
قبل أن تُخلق الكلمات في حنجرة آدم، كنتُ أنا النبضة الأولى في روحه، الإشارة الصامتة التي تقول: هذا الكائن مختلف… هذا الكائن يحمل نوراً. من تلك البداية المقدسة، انطلقت رحلتي لأعبر عصورًا لا حصر لها.
الرحلة عبر العصور: الابتسامة لغةٌ لا تحتاج ترجمان
عبر العصور، تنوعت تفسيراتي بين الفلسفات؛ ففي الشرق رأوني تأملاً داخلياً، وفي الحضارات العربية عدُّوني كرماً في اللقاء، وفي الغربية نُظر إليّ كفنٍ في التواصل. لكن جوهري بقي واحداً: أنا لغةٌ كونيةٌ لا تحتاج إلى ترجمان، أعبُر الحضارات والأزمان كرسالةٍ إنسانيةٍ خالصة.
وهذا الجوهر يتجلى بوضوح في الديانات السماوية، حيث وجدتُ نفسي لساناً للرحمة وجسراً للتواصل الإنساني. ففي الإسلام، كرَّمني الوحي حين جعلني النبي محمد ﷺ صدقةً يُتقرب بها إلى الله، فقال: «تبسّمك في وجه أخيك صدقة». فأصبحتُ أداة عبادة ألمم بها القلوب وأزرع الثقة.
وانتقالاً إلى المسيحية، تجلَّى فيّ جوهر المحبة الغافرة، فصرت رمزاً للسلام الداخلي واللقاء المتسامح. أنا التعبير الملموس عن النور الذي دعا إليه المسيح، أترجم التسامح إلى لغةٍ تُرى وتُحس.
وفي اليهودية، أقف شاهداً على الرضا والسكينة، علامةً على الثقة بالعناية الإلهية ووسيلةً لتعميق الأواصر الإنسانية.
وهكذا تلتقي الحضارات والديانات في رؤيةٍ واحدة: فأنا لست مجرد انعكاسٍ عابرٍ على الشفاه، بل روحٌ تفيض من القلب. أنا الهدية البسيطة التي تذكِّر الإنسان بأنه خليفة الرحمة على الأرض، وأول خطوةٍ في رحلة التواصل الإنساني التي تبدأ بلمسة نورٍ صامتةٍ.
ولهذا السبب، ها أنا ذا أقف اليوم في هذه القاعة، لأؤكد لكم:
أنا الابتسامة…
لستُ تعبيرًا عابرًا على وجهٍ عابر، بل أثرًا صغيرًا يُراكم المعنى في حياة الإنسان. أظهر أحيانًا بلا سببٍ واضح، وأختفي أحيانًا رغم وفرة الأسباب، لكن حضوري هنا معكم اليوم—في هذا اللقاء—ليس مصادفة، بل امتدادٌ لرحلة إنسانية عبرت العصور، وانتقلت من وجهٍ إلى وجه، ومن قلبٍ إلى قلب.
مرحبًا بكم في هذا المكان… حيث أُمنح فرصة أن أتكلم عن نفسي.
حوار الأضداد: محادثاتي السرية مع الحزن
كثيرًا ما أسمع الحزن يناديني بصوت خافت لكنه ثاقب:
“أيتها المخادعة،كيف تجرؤين على الحضور وأنا هنا؟”
فأجيبه بهدوء، متأنية في كل كلمة:
“لستُ ضدك يا أخي، بل معك. أنا لا أُبدّدك، ولا أنكر وجودك، بل أحمل معناك إلى النور. وجودك معي يجعلني أفهم الحياة بعمق أكبر، ويعلّمني الصبر والرحمة.”
وفي هذا الحوار الصامت، أعيش على حدود التناقضات، أتنقل بين الألم والرجاء، بين الانكسار والقدرة على الاستمرار. أحيانًا يثقلني، وأحيانًا يحررني، لكنه دائمًا يعلّمني أن التعايش مع الحزن ليس هزيمة، بل طريقة لرؤية العالم بعينين أكثر وضوحًا وقوة.
أصبح بهذا الجسر الدقيق رابطًا بين الظلام والضوء، بين الصمت والكلمة، بين الألم والنشوة الصغيرة التي تطرأ على القلب حين أكتشف أن الحياة، رغم كل شيء، تستحق الاستمرار.
مختبر الجسد والروح
أما العلم، فقد حاول أن يفهمني بلغته الخاصة، فاكتشف أنني أولد في اللحظة التي يلتقي فيها العصب بالروح، حين تطلق الغدد رسائل كيميائية تُهدّئ النبض وتُضيء مناطق في الدماغ كانت غارقة في الظلال. لستُ مجرد إحساسٍ عابر، بل تحوّلٌ بيولوجي يعيد تشكيل اللحظة من الداخل.
أتجلى في ما يُسمّى “الخلايا العصبية المرآتية”، تلك التي تشرح كيف أنتقل—كالعدوى الجميلة—من المربي إلى الطفل، من الأم إلى رضيعها، من إنسانٍ إلى آخر دون اتفاقٍ مسبق. وفي هذا الانتقال الصامت، أكون بذرة الفرح الأولى، وأحيانًا… بذرة الشفاء.
نور الروح أم قناع اجتماعي؟
أتميز عن ابتسامة الزيف أو ما يُسمى بـ”العمل العاطفي المجهد”. فلستُ قناعاً يخنق المشاعر الصادقة، بل أبعث من تصالح مع الذات. لستُ إنكاراً للألم ولا تزويراً للحزن، بل شكلٌ من أشكال الحكمة اليومية التي تسمح بالاعتراف بثقل الحياة دون أن تفسد علاقتنا بالآخرين.
فلسفتي هادئة، لكنها عنيدة.
أؤمن بأن الإنسان لا يُقاس فقط بما يعرف،
بل بكيفية تعامله حين يَعرف.
العودة إلى الذات: حوار مع الطفل الداخلي
فجأةً أتذكّر أن الطفل الذي كنته ما زال واقفًا عند باب الحجرة، حيث يُغلق المصباح الأخير كل ليلة. وفي هذه اللحظة، أدرك أنني لستُ للآخرين فقط، بل أكون عودةً نظرٍ إلى ذلك الطفل الداخلي، فنهمس له:
“ما زلتَ هنا، وما زلتَ على قيد الأمان. لن أتركك وحيدًا، وسأظل أحمل ذاكرتك بداخلي كجزء من حياتي.”
هذا الاعتراف يقودني إلى موقف أخلاقي أصيل، أعمق من السذاجة والمظاهر:
لستُ سذاجةً،
بل أحمل موقفًا أخلاقيًا خفيًّا،يهمس في داخلي:
«سأبقى إنسانيًا،حتى حين لا يُكافئني العالم على ذلك».
وفي هذا الحوار الصامت مع طفلي الداخلي، أتعلم الصبر على نفسي، وأستعيد القدرة على الحب والرحمة، حتى في اللحظات التي تبدو فيها الحياة قاسية أو غير عادلة. أكتشف أن العودة إلى الذات ليست ترفًا، بل فعل شجاع من الوعي والحنان، يربطني بجوهر وجودي وبكل ما يجعلني إنسانًا كاملًا رغم كل شيء.
عابر الثقافات
أنا الابتسامة الكونية التي تسبق الحدود والزمن، أتجاوز القوانين والاختلافات، وأحلّ في كل قلب ينبض بشراً أو شوقاً.
في الموروث العربي، أكون “صدقة” نابضة، هدية صامتة تحمل الخير والرحمة، تتسرب بين الأرواح كندى المحبة.
أما في الثقافة الغربية،فأتحول إلى ابتسامة صادقة مكتملة، أو كلمة تشجيع تنبض بالدفء، حيث تُقرأ الابتسامة تعبيراً عن الصراحة والانفتاح، جسراً يعبر من النفس إلى النفس في وضوح بشري نقي.
وفي الثقافة الآسيوية الأصيلة، كالثقافة الصينية، أكون ابتسامة هادئة محتشمة، تحمل في طياتها احتراماً عميقاً وحياءً راقياً، لفتة دقيقة تتحدث بلغة القلب قبل أن تتحرك الشفاه، وتظهر التقدير دون كسر حاجز الأعراف، فتظل كلمح العيون – مفهومة دون حروف.
ورغم هذا التعدد الجميل في المظاهر، فأنا الجسر الواصل بين القلوب قبل الألسنة، النقطة التي تتلاقى عندها المشاعر الإنسانية الجوهرية، قبل أن تبحث الكلمات عن تعبير.
أنا الندى الإنساني المشترك، أعيش في كل لقاء كدعوة صامتة للفهم المتبادل، وكلمسة تقارب بين الثقافات، تذكرنا أننا – رغم تنوع ألواننا وعباءات حضاراتنا – نشارك في الرحلة الإنسانية ذاتها، متحدين في ذلك السرّ الجميل: ابتسامة القلب التي تفهم كل اللغات.
صمود في الأزمات: شمع في غرف العناية
في غرف العناية وأروقة المستشفيات، حيث يثقل الخوفُ الأجواءَ ويبطئ الزمن، أكونُ شمعةً صغيرةً لا تُنير المكانَ فحسب، بل تُذكِّرَ القلوبَ بأنَّ الألمَ ليسَ نهايةَ العالم.
وحين يفشلُ الإنسان، ويترنح بين خيبته ومحاولته القادمة، أكونُ الجسرَ الخفيَّ بين السقوط والنهوض. لا أكونُ تهنئةً بالنصر، بل أكونُ عَفْوَاً عن الهزيمة، وإذناً داخلياً للبدء من جديد. أظهرُ في زاويةِ الشفتين الخائبتين، وفي عينين تلمعان رغم الغيمة، لأقولَ: “ما زالَ في الصدرِ نبضٌ، وفي النفسِ بقيةٌ”. فأكونُ شجاعةً تتخفى في رداءِ الوداعة، وأصبحُ اللحظةَ التي يقررُ فيها القلبُ أن ينظرَ إلى الخسارةِ كدرسٍ، لا كقضاءٍ.
في مستشفى الأطفال، رأيتُ طبيبًا حكيمًا يخفي وجهَه خلفَ ستار ملوَّن، رسمَ عليَّ ابتسامةً عريضةً قبلَ أن يُدخِلَ الإبرة. فانكسرَ الخوفُ فجأةً، وانفلتَتْ من حنجرةِ الصغيرِ ضحكةٌ بكَّاءةٌ، لأنَّ الوجهَينِ – المرسومَ والحقيقيَّ – اتَّحدا في لمحةٍ واحدة، فصارَ الألمُ أقلَّ وحشيةً، وصارَ الخوفُ ذكرى.
وحينَ أكونُ على شفتَي الطبيبِ قبلَ الجراحة، أو في عينَي الأمِّ أمامَ طفلِها المريض، أكونُ شجاعةً متخفِّيةً في ثوبِ البساطة، لمسةً إنسانيةً تُرجِّحُ كفَّةَ الأملِ على كفَّةَ اليأس.
أنا الابتسامةُ التي لا تَشفي الجرحَ، لكنَّها تُضمِّدُ الخوفَ. لا تَمنعُ الألمَ، لكنَّها تُذكِّرُ الروحَ بأنَّ بعدَ العاصفةِ يأتي الهدوءُ، وأنَّ في كلِّ لحظةِ ألمٍ.. يُمكنُ للقلبِ أن يبتسمَ من داخله.
مقاومة باللطف: خيمة في الظلّ
في زوايا العالم المنسيّة، حيث تُعزف الحياة على أوتار الصمت، أقيم خيمتي الصغيرة بين فراغات الألم. لا تحمل لوحات مضيئة، ولا تُعلن عن نفسها بأصوات عالية، لكنّها تنبت كنبتة برّيّة بين شقوق الإسمنت البارد.
هنا، حيث تتوقّف الكلمات عن العزاء، أكون لغتي الخاصة: جملة قصيرة تُنطَق بالعينين قبل الشفتين، يد تمتدّ فتُعيد تنظيم الفوضى في قلب غريب، صمتٌ يحمل دَفئاً يفوق إطناب العبارات. أكون سلاحاً غير مرئيّ في وجه قسوة الوجود، مقاومة صامتة لا تُحملق في اليأس بل تُحوّله إلى تربة تُزهر من جديد.
في هذه الخيمة المتواضعة، لا أعدُ بالنصر، بل أمنح شيئاً أثمن: الاعتراف بأنّ الألم حقيقيّ، وأنّ الوجع مُبرَّر، وأنّ في هذا الاعتراف ذاته بدايةَ الشفاء. فأكون مساحةً لا تُصلِح ما انكسر، بل تحتضن من تحطّم، لتذكّره أنّه ما زال، رغم كلّ شيء، قادراً على أن يبتسم من جديد.
حاضرة في كل مكان
في صالات الانتظار الصامتة، حيث أكون حبل نجاة للقلوب المعلّقة بين الخوف والرجاء، وفي المكاتب المغلقة، حيث أنسّن صرامة الجدران بنسمة من الإنسانية. في ممرّات المستشفيات المثقلة بالوجع، حيث أكون صلاة صامتة تعلّق على جدران اليأس، وفي الساحات العامة المزدحمة، حيث أنسج خيوط أخوّة خفيّة بين الغرباء المتعجِّلين.
وفي زوايا اليأس المظلمة، حيث تنكسر الأجنحة قبل أن تحلّق، أكون النافذة الصغيرة التي ينساب منها نور خافت. لا أقول “كل شيء سيكون بخير” – فهذا قد يكون كذبة – بل أقول “أنت لست وحيداً في هذا الظلام”. أكون اليد التي لا تحلّ العقدة، بل تلمسها فتشعرُ بها تتراخى. في عتبة الاستسلام، أكون همسة المقاومة الأخيرة: تذكيراً بأنّ كلّ سقوطٍ يحمل في طيّاته بذرة نهوض.
أُزهر في كل هذه المساحات، أكون بذور فرح متناثرة بين فوضى الحياة، تترسّخ في التربة الخصبة للقلوب الطيبة. لا تحتاج إلى منابر كبيرة، بل تنبت في ثنايا اللحظات العابرة: ابتسامة تلمع في عينَي ممرِّضة مُتعبة، نظرة تفاهم بين غريبَين في محطة انتظار، لحظة صمت مُشترَك تنزع سلاح الوحشة.
أنا الطيف الدافئ الذي يتسلّل إلى الأماكن التي يغيب عنها الضوء، فأذكِّر الإنسان أنه، رغم انشغاله ويأسه، ما زال قادراً على أن يكون شمعة في ظلام شخصٍ آخر. فأكون مفاتيحَ صغيرة تُفتح بها مساحاتُ أمل خفيّة، في عالم ينسى أحياناً أن البساطة هي أعقد أشكال الذكاء، وأعمق أساليب المقاومة للظلام الذي يزحف إلى القلب.
لغة القلوب: الابتسامة في عالم التربية
يُساء فهمي كثيرًا في عالم التربية. يظنّني البعض تهاونًا لينًا، أو مجرّد زخرفة تلطّف صرامةً يعتبرها البعض ضرورية. لكنّي في الحقيقة الأساس غير المرئي الذي تُبنى عليه كل تربية ناجحة، الجسر الذي يصل بين المبدأ والإنسان، بين الخطأ والتعلم.
أتذكر صباحاً شتوياً قارساً، رأيت فيه جدتي تُدفئ يديها تحت منديلها المطرز، بلطف وكأنها تعدّ سراً مقدساً، قبل أن تمسك بيدي الباردة الصغيرة. فحضرتُ في تلك اللمسة، حتى قبل أن تصل الحرارة من يديها إلى يدي: كأنني شراع صغير تُقيمه الروح حين تخشى أن يتكسّر الصقيع على قلبٍ لم يزل يتعلّم نبض الحياة.
الطفل لا يتعلّم القيم من سيل النصائح المتتالية، بل يلتقطها من ملامح وجهٍ يقابل توتره بابتسامة صبور. ولا تبني الثقة نفسها في داخله من كثرة التوجيهات، بل من ذلك الشعور العميق بأنه مقبول تمامًا، حتى وهو يرتكب خطأه الأوّل، ومفهوم بكل ما فيه، حتى وهو عاجز عن شرح العاصفة التي تشتعل في داخله.
هكذا يتعلّم الإنسان، من غير كلمة واحدة: أن الدفء يولّد الدفء، وأن الابتسامة الهادئة التي ترافق العتاب، تُعلّم أكثر ممّا تعلّمه أقسى الكلمات. لأنها تقول للطفل دون حروف: “أنت أكبر من خطئك، وأنا أحبّك حتى وأنت تتعثّر، لأنّ تعثّرك جزء من مشيتك، وليس نهايتها.”
في التربية الحقيقية، أكون أنا الابتسامة التي ليست جائزة تُمنح عند النجاح، بل لغة تُقدّم عند الفشل. أكون المساحة الآمنة التي تقول: “هنا، في هذا المكان الدافئ، يمكنك أن تسقط، ثم تقوم، وتتعلّم، ثم تنمو، وأنت محفوظ في حضن لا يخزيك، بل يحتضن إنسانيتك وهي تتشكّل.”
فأكون بذلك البذرة الأولى للثقة بالنفس، والنافذة التي يطل منها الطفل على عالمٍ يعلم أنه، رغم كل شيء، مكانٌ يستحق أن يبتسم فيه.
الإيقاع الوجودي: من النفس الأول إلى النفس الأخير
أنا الابتسامة التي تُولد مع أول نَفَسٍ يهتز في رئة الوليد، فأشرق الحياة في عينيه قبل أن يفهمها.
أما في اللحظة الأخيرة،فأنا كلمة الوداع الصامتة التي تظلّ معلّقة على شفاه فارقة، شاهدةً على أن الروح تحمل معها بصمة الجمال الذي منحته للعالم.
أنا الجسر المعلّق بين البداية والنهاية، بين أول نبضة قلب وآخرها، بين الدهشة الأولى والسكينة الأخيرة. وفي امتدادي هذا، في هذا العبور من الغبطة إلى السلام، تكمن خلودي – ليس خلودًا زمنيًا، بل خلودًا إنسانيًا: أن أكون الشاهدة على أن البشر قادرون على الوداعة حتى في ذروة ألمهم، وعلى العطاء حتى في لحظة الرحيل.
عودة إلى الجوهر: الرحلة المستمرة
في يوم ما، ستقف وجهاً لوجه مع إنسان يقرأ في عينيك ما عجزت عن نقله عبر الكلمات، وتمد يدك فتجد يداً أخرى تمسك بها وكأنها تحتضن جرحاً لا تراه. عندها ستفهم أنني لست مجرد انحناءة شفاه، بل أنا ذلك التمهيد الصامت الذي يسبق كل قصة حقيقية، الباب الذي يفتح قبل أن تُطرقه.
فنحن هنا لا ننتهي بسطور تُختتم، بل نستمر بكلمات تتحول إلى نظرات، وبتأملات تجد طريقها إلى القلب قبل العقل. بعض المعاني لا تُحفظ في الذاكرة كحقائق جافة، بل تذوب في اللاوعي لتظهر فجأة على هيئة قرار أكثر رحمة، أو كلمة أكثر دفئًا، أو وجه أقل قسوة تجاه الذات والآخرين. ومن هذا المكان، يبدأ وجودي في الانتقال من الخارج إلى الداخل، حيث أجد معانيي الحقيقية.
وفي نفس الوقت، أعود إلى الداخل، فأصبح أداة للتواصل مع الذات قبل الآخرين. أتحول نحو الداخل، عندما يجد الإنسان في عينيه نظرة تقبل تتعلم العطاء دون طلب. أرافق الروح المتعبة في هدنة داخلية، فلا أكون للآخرين فحسب، بل للذات أولاً وأخيرًا.
أكون الصفحة البيضاء التي تُرسم عليها صورتي كما أحب أن أكون، لا كما يطلب مني العالم. وهكذا، بينما أعيش داخلي، أواجه التحديات التي يفرضها العصر الرقمي على وجودي وعلى طبيعتي الحقيقية.
لكن في عصر الصورة الرقمية، أواجه معنى وجودي بتحديات جديدة، تتطلب وعيًا أكثر دقة وإدراكًا لطبيعتي الحقيقية. في زمن الصور الرقمية والابتسامات المحسوبة بدقة، أكون أحيانًا مجرد منحنى تقني، زاوية تُضبط بإعدادات الضوء والظل.
لكني في حقيقة أمري أكثر من ذلك بكثير: أنا التعبير الوحيد الذي يقاوم التزييف الكامل، لأن القلب يكتب على الوجه ما لا تستطيع الفلاتر إخفاءه. العينان دائمًا شاهداي الأمينان على حرارتي أو برودتي الصناعية. ومع كل هذا، أستمر في الوجود كجسر بين الداخل والخارج، بين ما أراه وما أشعر به، وبين ما يُظهره العالم وما أختزنه أنا بداخلي.
ومع إدراكي لهذا، يظهر أثر وجودي كحركة بسيطة لكنها عميقة، تحمل في طياتها تأثيرًا هادئًا يتجاوز اللحظة نفسها. إن كان لهذا الحوار كله أثر، فسيكون أشبه بلمسة خفيفة على سطح الماء، تخلق دوائر تتصاعد بهدوء ثم تختفي، تاركة السطح أكثر صفاءً مما كان. أثري كخطوات خفيفة في طريق مهجور، أترك وراءي إحساسًا بأن شيئًا جميلاً قد مر من هنا.
وفي النهاية، تبقى صورتي الداخلية حية بداخلي، حتى لو غادرت السطور أو نسي البعض بعضها. سأغادر هذه السطور وقد يُنسى بعضي، لكن ما سيبقى هو ذلك الإحساس الخفي بأن الوجه يمكن أن يكون وطناً، وأنني أنا يمكن أن أكون بلداً مشتركًا نلتقي فيه، ولو للحظة عابرة.
الفرح العائلي: حول مائدة العيد
أتذكرُ ذلك الصباح الباكر يوم العيد، حين اجتمعت عائلةٌ حول مائدة الإفطار بعد عامٍ طويل من التشتت. كان الأب قد عاد من رحلة عمل بعيدة، والأبناء قد توافدوا من مدن متباعدة. في البداية، كان الصباح يحمل ذلك الصمت الخاص بلقاءات الغياب الطويل، حيث تتراقص الكلمات على الشفاه قبل أن تجد طريقها إلى الهواء.
ثم بدأت الأم توزع فناجين القهوة، وتوقف وقت قصير أمام زوجها. في تلك اللحظة، التقت عيناهما، وانطلقت من شفتيها ابتسامة خجولة، كأنها تختزل عاماً كاملاً من الانتظار والشوق والصبور. كانت ابتسامة لم تُسمع، لكنها هزت الغرفة كلها.
وفي تلك اللمحة، انكسر الجليد. تحول الصمت إلى ضحكات متدافعة، وبدأت الذكريات تتدفق كالنهر العائد إلى مجراه. كنتُ هناك في تلك الابتسامة الأولى، اللحظة التي أعادت الذاكرة المشتركة، واللغة السرية التي يفهمها كل قلبٍ حنون.
كنت البداية اللطيفة التي حوّلت لقاءً عادياً إلى عيد حقيقي، والتذكير بأن بعض الفرح لا يحتاج إلى زينة ولا خطابات، بل فقط إلى نظرة تعرف كيف تقول: “أشتقتُ إليكم”.
انتصارات صغيرة: في مكاتب العمل والمؤسسات
وفي مكتب من مكاتب مؤسستكم هذه، رأيتُ موظفة شابة أنهتْ مشروعًا كانت تعمل عليه لأسابيع تحت ضغط شديد. عندما جاءها المدير ليخبرها بأن العمل قد قُبل وتمت الموافقة عليه، ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تستطع كبتها، ثم تحولت إلى دموع خفيفة من الارتياح والفخر.
نظرت إلى زملائها الذين وقفوا معها خلال هذه الرحلة، وتبادلت معهم نظرات فهم وسعادة. في تلك الابتسامة المختلطة بالدموع، لم يكن هناك مجرد إنجاز وظيفي، بل كانت هناك لحظة إنسانية نقية من الإنجاز المشترك والاعتراف المتبادل.
وشائج عابرة: لقاءات لا تنسى في الأماكن العامة
في محطة انتظار مزدحمة، أو مقعد حافلة متجاور، أو طابور طويل في السوق، تلتقي العيون للحظة. عيون غريبة تحمل تعابير لا نعرف خلفياتها، لكنها تتحدث بلغة بشرية نقية. في تلك اللحظة العابرة، قد تلتقي ابتسامة خجولة من شخص لن تراه مرة أخرى، لكنها تترك في نفسك دفئاً يستمر.
رأيتُ مرةً امرأة عجوزاً في القطار، تمسك بيدها حقيبة صغيرة وورقة عناوين مهترئة. نظرة الحيرة في عينيها كانت تكفي لتحكي قصة كاملة. اقتربت منها شابة، ابتسمت لها ابتسامة هادئة وساعدتها على قراءة الورقة. لم تكن محادثة طويلة، لم تكن حتى مساعدة كبيرة. لكن الابتسامة التي تبادلتها المرأتان، قبل أن تنزل العجوز في محطتها، كانت تكفي لتحويل رحلة قلقة إلى ذكرى جميلة.
في هذه اللحظات العابرة، نكون نحن البشر في أبسط صورنا، وأصدق تعابيرنا. ابتسامة في مكان عام ليست مجرد مجاملة، بل هي اعتراف صامت بأننا جميعاً في هذه الرحلة معاً، حتى وإن كنا غرباء. هي جسر مؤقت بين عوالم منفصلة، تذكير بأن الإنسانية لا تحتاج دائماً إلى معرفة طويلة، بل إلى نظرة لطيفة في الوقت المناسب.
وفي زحام الحياة وسرعتها، قد تكون هذه الابتسامات العابرة هي الأكثر صدقاً. لأنها غير متوقعة، غير مخطط لها، تخرج من القلب مباشرة إلى القلب. لا تنتظر شيئاً في المقابل، لا تريد إلا أن تقول: “أراك، وأنا هنا إن احتجت”. ثم تمضي، تاركة وراءها أثراً خفيفاً كعبير زهرة مررت بجوارها.
فلسفة الانتقال: الضوء الذي لا ينكسر
حين أغيب عن وجهٍ، لا أموت… بل أتنقّل كالضوء في مرايا الكون، أنتقل من عينين إلى عينين، من قلبٍ إلى قلب. لا ينكسر وجودي، بل يتشظّى ليصير أكثر وأكثر، كشمسٍ تعطي كلَّ وجه شعاعًا خاصًا.
في رحلتي هذه بين الوجوه، أترك ورائي أثرًا لا يُرى بالبصر، لكنه يحفر مجرى في الذاكرة الشعورية، في ذلك المكان الذي تختزن فيه الأرواح دفء اللحظات لا صورتها. وفي النهاية، سأكون ـ مع كل تلك الوجوه التي حملتني يومًا ـ ضوءً واحدًا، سجلاً كونيًا يثبت أن البشر عرفوا كيف يضيئون بعضهم، ولو بلحظة عابرة.
الهدية التي لا تُشترى
وسأبقى دائمًا كما بدأت: هدية بلا سعر، ولغة لا تشيخ، وكنز يُودع في القلوب لا في الصناديق. قد تضيع الأسماء، وتتبدل الأماكن، وتتآكل الحكايات، لكنني أعرف أن الشعور الذي أزرعه لا يموت. إنه ذلك الإحساس الخفي، المطمئن، بأن المرء كان مرغوبًا فيه، محتضَنًا، مفهومًا حتى قبل أن يتكلّم… أحيانًا بابتسامة واحدة فقط.
السؤال الأخير: هل تكفي الابتسامة؟
وإن سألني أحدهم يومًا: هل تكفي الابتسامة؟
سأجيب بهدوء:هي لا تُغني عن الخبز، ولا تشفي جرحًا، ولا تحلّ أزمة… لكنها تخفِّف الظلام قليلًا، حتى تستطيع العين أن ترى موضعَ الخطوة التالية، ويستعيد القلب نبضته وسط الضباب. هي ليست الحل، بل هي النور الذي يريك أين يوجد الحل.
الخاتمة: وداعٌ بلا فراق
هذه كانت رحلتي معكم… من النفس الأولى التي فتحت عينيها على الدنيا، إلى هذه الكلمات التي تلامس أعينكم الآن. في كل محطة، لم أكن سوى بصمة البساطة في عالم معقد، وتذكير خفي بأننا، تحت الألقاب والحدود واللغات، نتحدث لغة واحدة أصيلة: لغة الوجه الصادق، والعين الحانية، والقلب المفتوح.
فلتكون هذه الرحلة معي دعوة لتعلم لغة الضوء الداخلي، لغة الوجه حين يكون مرآة الروح. لغة لا تحتاج إلى ترجمة، ولا إلى قاموس، بل إلى قلب حاضر، وإلى شجاعة أن تكون ناعمًا في عالم قاسٍ.
أنا الابتسامة… وأنا معكم منذ النظرة الأولى، وسأظل معكم حتى بعد أن تغمض العيون. لأن من يحمل ابتسامة في قلبه، لا يغيب أبدًا. بل يتحول إلى ضوء ينتقل من روح إلى روح… إلى أن يمتلئ الكون كله، بنورٍ من صنعنا نحن البشر.