“النسبية”
يتصاعد بشكل مثير الصراع بين كتلة «سومار» اليسارية الراديكالية بزعامة يولاندا دياث و«الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني» بزعامة بيدرو سانشس ملقيا بتداعياته السلبية على اليسار.
يسار منقسم في لحظة حاسمة و قوى اليمين مستفيدة منه
تشهد الساحة السياسية الإسبانية في الآونة الأخيرة توتراً متزايداً داخل المعسكر التقدمي، على خلفية الصراع المتصاعد بين حزب سومار، الذي تقوده نائبة رئيس الحكومة يولاندا دياز، والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بزعامة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز.
ورغم اشتراك الطرفين في الحكومة، فإن الخلافات السياسية والاستراتيجية، بل وحتى المتعلقة بأسلوب القيادة، باتت علنية، ما ينذر بإضعاف اليسار الإسباني في مرحلة دقيقة داخلياً وانتخابياً.
أولاً: ما طبيعة الخلاف بين «سومار» و«الاشتراكي»؟
1. اختلاف الرؤى حول السياسات العامة:
يرى حزب سومار أن الحزب الاشتراكي يتبنى مقاربة متحفظة وغير كافية في قضايا مركزية، مثل:
أزمة السكن وارتفاع الإيجارات،
توسيع الحقوق الاجتماعية،
الإصلاحات الديمقراطية ومكافحة الفساد.
في المقابل، يرفض الحزب الاشتراكي ما يعتبره «تصعيداً غير مبرر» من شريكه الحكومي، ويتمسك بخط أكثر براغماتية، ما ولّد شعوراً لدى سومار بأن شريكه الأكبر يميل إلى الانغلاق واحتكار القرار داخل الحكومة.
2. قضايا الفساد وإدارة الأزمات:
زادت حدة التوتر عندما طالبت قوى داخل سومار بمواقف أكثر حزماً تجاه قضايا قضائية وملفات فساد تمس شخصيات محسوبة على الحزب الاشتراكي.
هذه المطالب قوبلت بالرفض من قيادة الحزب الاشتراكي العمالي، التي اعتبرت أن إثارة هذه القضايا علناً تضر بصورة الحكومة وتخدم خصومها السياسيين، وهو ما عمّق الشرخ بين الطرفين.
3. أزمة اليسار البديل وتفككه:
لا يقتصر الصراع على العلاقة الثنائية بين سومار والاشتراكي، بل يتجاوزها إلى تفكك أوسع داخل اليسار البديل، خاصة مع حزب بوديموس وقوى يسارية أخرى.
تتهم هذه الأطراف سومار بالتحول إلى مجرد امتداد سياسي للحزب الاشتراكي، بينما ترى قيادة سومار أن هذا التشتت يضعف قدرة اليسار على التأثير الفعلي.
ثانياً: تداعيات الصراع على اليسار الإسباني:
إضعاف الكتلة التقدمية:
أدت هذه الخلافات إلى:
تراجع وحدة الخطاب اليساري أمام الرأي العام،
ضعف القدرة على التعبئة السياسية،
تزايد الإحباط داخل القاعدة الانتخابية التقدمية، ما يفتح الباب أمام العزوف عن التصويت لفائدة مرشحي اليسار أو الانتقال إلى خيارات أخرى.
يحذر محللون سياسيون من أن استمرار هذا الانقسام قد يؤدي إلى خسارة مقاعد برلمانية حاسمة في الاستحقاقات القادمة، ويقوض فرص اليسار في الحفاظ على موقعه في الحكم وفقدان شعبيته.
ثالثاً: كيف يستفيد الحزب الشعبي و«فوكس» من أزمة اليسار؟
1. الحزب الشعبي: استعادة الوسط السياسي:
استغل الحزب الشعبي حالة الارتباك داخل الحكومة التقدمية ليقدم نفسه كبديل «مستقر» وقادر على الحكم.
ومع تآكل الثقة في وحدة اليسار، نجح الحزب اليميني بزعامو فييخو في استقطاب ناخبين معتدلين كانوا تقليدياً أقرب إلى الحزب الاشتراكي.
2. «فوكس»: الاستثمار في الغضب والخيبة:
من جهته، وجد حزب فوكس اليميني المتطرف في الأزمة فرصة ذهبية:
إذ يروّج لخطاب يعتبر اليسار «منشغلاً بصراعاته الداخلية وغير قادر على إدارة البلاد ومحاربة الفساد،
وتستثمر قضايا الفساد والانقسام الحكومي لتكريس سردية «التطهير» و ضبط «النظام».
وقد تُرجم هذا الخطاب إلى مكاسب انتخابية في عدد من الأقاليم، حيث ضاعف فوكس تمثيله البرلماني مستفيداً من تفكك المعسكر التقدمي.
3. صورة اليسار لدى الرأي العام:
يساهم الصراع بين سومار والحزب الاشتراكي العمالي في ترسيخ صورة سلبية عن اليسار باعتباره:
غير قادر على إدارة خلافاته،
فاقداً للبوصلة السياسية،
عاجزاً عن تقديم مشروع موحد ومقنع.
وهي صورة توظفها قوى اليمين واليمين المتطرف بفعالية لتعزيز حضورها الانتخابي.
رابعاً: السياق العام للتحول السياسي في إسبانيا:
تعكس هذه الأزمة تحولات أعمق في المشهد السياسي الإسباني، حيث:
تتزايد الاستقطابات الحادة بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار، بينما يبدو اليمين، رغم تناقضاته الداخلية، أكثر قدرة على التنسيق التكتيكي،
في مقابل يسار يعاني من غياب قيادة جامعة ورؤية مشتركة.
النتيجة هي جمهور تقدمي متردد، فاقد للثقة، وأكثر ميلاً إلى الشك في جدوى العروض السياسية الحالية لليسار بمختلف مكوناته.
إلى أين يتجه اليسار الإسباني؟
إن الصراع بين «سومار» والحزب الاشتراكي العمالي ليس مجرد خلاف عابر داخل الحكومة، بل هو مؤشر على أزمة بنيوية أعمق تعيشها قوى اليسار في إسبانيا.
ففي الوقت الذي تتآكل فيه وحدة الخطاب التقدمي، ينجح الحزب الشعبي وحزب فوكس في توسيع نفوذهما عبر استغلال الانقسام والإحباط الشعبي.
ويبقى التحدي الأكبر أمام اليسار هو إعادة بناء الثقة، توحيد الأولويات، وصياغة مشروع سياسي واضح المعالم قادر على مواجهة صعود اليمين ومنع فقدان ما تبقى من قاعدته الاجتماعية والانتخابية.