“النسبية”
لم تكشف الأزمة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في هندوراس عن خلل تقني عابر، بل عرّت مرة أخرى الطبيعة الهشة للديمقراطية التابعة في بلد ما زال يدفع ثمن عقود من الهيمنة السياسية والاقتصادية. فقد تحوّل تأخر إعلان النتائج، وتضارب محاضر الفرز، إلى دليل إضافي على أن العملية الانتخابية، في ظل غياب إصلاحات جذرية، لا تزال رهينة موازين القوى لا إرادة الشعب.
منذ اللحظات الأولى للأزمة، بدا واضحاً أن الصراع لم يكن فقط بين مرشحين أو أحزاب، بل بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى، ولو بحده الأدنى، إلى استعادة القرار الوطني، وآخر يعيد إنتاج التحالف التقليدي بين النخب المحلية ورعاة الخارج. وفي هذا السياق، لم تكن الشكوك حول التزوير سوى انعكاس طبيعي لانعدام الثقة في مؤسسات لم تتحرر بعد من نفوذ المال والسلطة.
غير أن العامل الأكثر خطورة تمثل في التدخل الأميركي المباشر، الذي جسّده دونالد ترامب دون مواربة. فالدعم العلني لأحد المرشحين، والتصريحات الضاغطة أثناء فرز الأصوات، لم تكن زلات دبلوماسية، بل جزءاً من منطق إمبريالي قديم يعتبر أميركا الوسطى مجالاً حيوياً، ويمنح واشنطن حق تقرير مصير شعوبها متى تعارضت خياراتها مع مصالحها.
ورغم اللجوء إلى إعادة فرز الأصوات وتغليف الحل بخطاب “الشرعية المؤسساتية”، فإن ما جرى في النهاية كان تسوية فوقية هدفت إلى حماية “الاستقرار” لا إلى إنصاف الإرادة الشعبية. استقرار يُفهم هنا بوصفه ضمانة لاستمرار نفس البنية السياسية والاقتصادية، حتى وإن كان الثمن هو تعميق الإحباط الشعبي وتقويض الثقة في الديمقراطية نفسها.
إن ما جرى في هندوراس يذكّرنا بأن الديمقراطية لا تُختزل في صناديق اقتراع، بل تقوم على سيادة القرار، واستقلال المؤسسات، والقطع مع التبعية الخارجية. ومن دون مشروع سياسي تقدمي يعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية والرقابة الشعبية، ستظل الانتخابات في بلدان كثيرة من أميركا اللاتينية مجرد طقوس شكلية، تُستدعى عند الحاجة، وتُفرَّغ من مضمونها كلما اقتربت من تهديد النظام القائم.