180
راوول مسيليتا
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً تقريبًا عندما غادرت مطبخ المطعم الفرنسي الدي كنت أشتغل فيه بمنطقة باكهيد. تركتُ خلفي حرارة المواقد ورائحة الزبدة والأعشاب والخضر، ليحل محلها هواء ولاية جورجيا المنعش. كان هدفي واضحاً: الوصول إلى شقتي قبل أن يظهر الرئيس جورج بوش الإبن على شاشات التلفزيون لإلقاء خطاب الأمة. لم يكن الأمر مجرد فضول، بل كان الجو العام في الولايات المتحدة متوتراً للغاية، وشائعات الحرب الوشيكة على العراق تملأ كل زاوية، فيما انا كنت منشغلا بسؤال مؤرق: هل يفعلها الرئيس بوش ويعلنها حربا ظالمة على الشعب العراقي وسيادته؟
بدأتُ أركض. كانت أصداء خطواتي تتردد على الرصيف وأنا أتجه نحو محطة المترو. لم يكن يدور في ذهني سوى صورة شاشة التلفاز وهي تشتعل بالأخبار. لكن فجأة، وسط أضواء الشارع، لمحتُ دورية شرطة؛ كان هناك شرطي يراقبني على بعد 30 مترا تقريبا.
في تلك الفترة بمدينة أتلانتا، وتحديداً بعد أحداث 11 سبتمبر، كان ركض رجل في الليل يثير الشبهات لدى البعض. شعرتُ بانقباض في قلبي. وبشكل غريزي، استدرتُ لمواجهته، وتوقفت عن الركض وبدأت أمشي ببطء شديد متظاهراً بالهدوء التام. رأيت السيارة تبتعد وتغيب عن الأنظار، فقلت في نفسي: “لقد ذهب”، وتنفست الصعداء. عدتُ للركض مجدداً، فالوقت كان يداهمني للوصول إلى الشقة لمشاهدة الخطاب.
لكنني كنت مخطئاً.
فجأة، غمرت الأضواء الزرقاء والحمراء الإسفلت أمامي. قطعت سيارة الشرطة طريقي بصرير إطارات حاد. نزل ضابط مسن من السيارة، بنظرات قاسية صقلتها السنوات والشكوك. لم تكن يده اليمنى مسترخية بجانبه، بل كانت مستقرة بثبات على مسدسه.
— “ماذا تحمل في جيب سترة اليمين؟” سألني بصوت حاد؟
كان قلبي يقرع ضلوعي بشدة. كان لسترتي نتوء غريب؛ لم يكن سوى هاتفي المحمول، أحد تلك الموديلات القديمة الضخمة والثقيلة.
— “إنه مجرد هاتف محمول،” أجبته محاولاً منع صوتي من الارتجاف!
— “أخرجه. ببطء. ببطء شديد. دون حركات مفاجئة،” أمرني الضابط!
— “أخرجه. ببطء. ببطء شديد. دون حركات مفاجئة،” أمرني الضابط!
كانت كل ثانية تمر كأنها دهر. أخرجت الجهاز بأطراف أصابعي، وأنا أشعر ببرودة معدن سلاحه غير المرئي المصوب نحوي في نية التحرك. اقترب الشرطي، فتش جيوبي بسرعة واحترافية، وبعد أن تأكد أنني مجرد عامل عائد إلى منزله، استرخى جسده وذهبت عنه الحدة.
— “اعذرني يا بني. أكمل طريقك،” قالها قبل أن يختفي في ظلام الليل!
بقيت واقفاً مكاني لبرهة، مرتجفاً قليلاً، ثم واصلت السير بهدوء نحو محطة الميترو “لينوكس” نادما على لجوئي إلى الركض. وفي أول موقف الحافلات صادفته وقفت أنتظر، كسر رجل أمريكي من أصل أفريقي صمت الانتظار.
— “من أين أنت؟” سألني بابتسامة فضولية!
— “من المغرب،” أجبته، متوقعاً حديثاً ودوداً عن الثقافة أو السفر!
— “أوه، المغرب!” صرخ بحماس، “جميل جداً! بلدكم فيه أفضل ’حشيش‘ في العالم”!
— “من المغرب،” أجبته، متوقعاً حديثاً ودوداً عن الثقافة أو السفر!
— “أوه، المغرب!” صرخ بحماس، “جميل جداً! بلدكم فيه أفضل ’حشيش‘ في العالم”!
وقع عليّ تعليقه كالصاعقة. بعد الرعب الذي عشته مع رجل الشرطة وثقل اللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد، شعرت بالغضب لأن يُختزل وطني في صورة نمطية عن المخدرات.
— صرخت في وجهه: “اذهب إلى بيتك!”، قلتها له بحدة.
لم أنتظر الحافلة. ركضت مجدداً، وهذه المرة بقوة أكبر من السابق، نحو محطة المترو لينوكس. كنت أحتاج للوصول إلى البيت، لأشعل التلفاز وأفهم أي نوع من العالم سنستيقظ عليه غداً، في حال أعلن الرئيس بوش بداية حرب في العراق. فعلا لقد فعلها وتسبب لي قراره بشن حرب إجرامية على الشعب العراقي في قلق لأني كنت على يقين أن العالم سيتغير ومعه منطقة الشرق الأوسط.