“النسبية”
ما يبدأ كوعود بالرخاء لآلاف النساء الكينيات ينتهي، بوتيرة مفزعة، في توابيت مغلقة تحمل ملصق “وفاة طبيعية”. ووفقاً لبيانات وزارة الخارجية الكينية، لقت مئات المواطنات حتفهن في المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة، ضحايا لنظام لا تتردد منظمات حقوق الإنسان في وصفه بـ “العبودية الحديثة”.
فخ الرعاية في ظل نظام الكفالة
في قلب هذه المأساة يكمن نظام الكفالة. وبموجب هذا الهيكل القانوني، يرتبط الوضع الهجري للعاملة حصرياً بصاحب العمل أو “الكفيل”. وعند الوصول إلى المملكة، يسود عرف مصادرة جوازات السفر والهواتف المحمولة، مما يترك النساء في حالة من العجز المطلق.
”لقد اشتريتكِ، وأنتِ الآن ملكي”؛ هذه جملة تتكرر في شهادات الناجيات التي جمعتها منظمة العفو الدولية. تسهل علاقة الملكية هذه دورة من الانتهاكات تشمل ساعات عمل تصل إلى 18 ساعة يومياً، والحرمان من الطعام، والعنف الجسدي والجنسي الممنهج.
وباء “السكتات القلبية”
أثار التناقض بين التقارير الطبية في الرياض والتشريعات التي أجريت في نيروبي أزمة دبلوماسية. فبينما تعزو السلطات السعودية معظم الوفيات إلى “سكتات قلبية” أو “فشل تنفسي” لنساء أصحاء تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاماً، وثقت منظمة “حقي أفريقيا” (Haki Africa) وصول جثامين إلى كينيا تحمل آثاراً واضحة للتعذيب، وكسوراً في الأطراف، وحروقاً.
ويشير نشطاء محليون إلى أنه “من المستحيل إحصائياً أن يموت هذا العدد الكبير من النساء الشابات بنوبات قلبية في آن واحد”. الواقع يشير إلى مزيج قاتل من الإنهاك الشديد ونقص الرعاية الطبية، محمي بنظام قضائي يمنح الأولوية لكلمة المواطن السعودي على حياة المهاجرات الأفريقيات.
نظام الإفلات من العقاب
نادراً ما يحاكم النظام القانوني السعودي أصحاب العمل بسبب الانتهاكات ضد عاملات المنازل. تُعتبر البيوت الخاصة أماكن لا يمكن انتهاك حرمتها، مما يخلق فراغاً قانونياً تظل فيه الجريمة مخفية. وإذا فرت العاملة لإنقاذ حياتها، فإن النظام هو من يجرمها بتهم “الهروب” أو “السرقة”، لتواجه عقوبات بالسجن بدلاً من الحماية.
الضغوط الدولية
لقد وضعت تقارير هيومان رايتس ووتش، مثل تقرير “لقد اشتريتكِ بالفعل”، وتحقيقات “بي بي سي أفريكا آي”، هذه القضية على الأجندة العالمية. ومع ذلك، يواجه نظام كينيا انتقادات حادة لعدم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة؛ إذ يبدو أن الاعتماد الاقتصادي على التحويلات المالية له وزن وقيمة أكثر من سلامة مواطناته اللواتي يواصلن السفر إلى الخليج رغم التحذيرات ومخاطر انتهاكات حقوق الإنسان ومآسي الموت.
إن تسليط الضوء على مأساة الكينيات وغيرها من المآسي القابعة في السعودية هو الأداة الأولى ضد الإفلات من العقاب.
شارك هذا المقال لكسر حاجز الصمت حول وضع المهاجرات في الخليج.
المصادر التي استند عليها التقرير الإعلامي: هيومان رايتس، منظمة العفو الدولية، المنظمة الدولية للهجرة.