“النسبية”
في مشهدٍ أعاد للأذهان غزو بنما عام 1989، استيقظ العالم اليوم على زلزال جيو-سياسي غير مسبوق؛ فجرُ كاراكاس لم يُصبغ بدخان الصواريخ الأمريكية التي استهدفت تكنتي “فورتي تيونا” و”لا كارلوتا” فحسب، بل شهد ما هو أدهى: “اختطاف” رئيس دولة لا يزال في سدة الحكم ونقله جواً إلى خارج البلاد. إن إعلان واشنطن عن اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته يمثل السقوط النهائي لما تبقى من منظومة القانون الدولي، وإعلاناً صريحاً عن حقبة جديدة عنوانها “البقاء للقوي”.
لم تعد الحصانة السيادية تحمي أحدا
إن هذا الهجوم، الذي نُفذ تحت غطاء “عملية واسعة النطاق”، ليس مجرد ضربة عسكرية لتدمير البنية التحتية، بل هو عدوان إمبريالي مكتمل الأركان ضرب عرض الحائط بكل مواثيق الأمم المتحدة. إن استباحة سيادة بلد عضو في المجتمع الدولي، واختراق عاصمته بفرق كوماندوز للنخبة “دلتا فورس”، يضع العالم أمام سابقة خطيرة؛ إذ لم تعد الحصانة السيادية وقواعد الاشتباك التقليدية تحمي أحداً أمام رغبة القوى العظمى في فرض “تغيير الأنظمة” بالقوة المسلحة.
ما يعمق المأساة التباين الصارخ في موازين القوة
لكن ما يعمق المأساة في هده الوضعية، هو ذلك التباين الصارخ في موازين القوى. فقد وقفت الآلة العسكرية الفنزويلية، التي أُنهكتها الأزمات، عاجزةً عن تأمين أبسط قواعد السيادة: حماية رأس الدولة ومجاله الجوي. إن عجز الجيش الفنزويلي عن ممارسة رد فعل يتناسب مع حجم العدوان يعكس الحقيقة المرة؛ فالسيادة في زمننا هذا لم تعد “حقاً قانونياً” يُمنح للدول، بل هي “قدرة عسكرية” تُنتزع انتزاعاً. وبدون هذه القدرة، تصبح العواصم مجرد ساحات مستباحة للصيد السياسي.
سقطة أخلاقية وقانونية تشرعن الفوضى الدولية
إن نقدنا لهذا الهجوم لا ينطلق من الدفاع عن شخوص أو أنظمة، بل هو دفاع عن “فكرة الدولة” التي سُحقت اليوم تحت أقدام الجنود الأمريكيين في قلب كاراكاس. إن اعتقال رئيس دولة ونقله للمحاكمة في واشنطن هو سقطة أخلاقية وقانونية تشرعن الفوضى الدولية؛ فإذا كان القوي يملك حق القصف والاعتقال والترحيل لمجرد أنه يملك “القدرة”، فعلى العالم أن يودع عصر الدبلوماسية ويستعد لعصر الصراعات المفتوحة.
خسرنا ما تبقى من وهم “المساواة بين الدول”
لقد خسر العالم اليوم أكثر مما خسره مادورو؛ خسرنا ما تبقى من وهم “المساواة بين الدول”، واستبدلنا ميزان العدالة بميزان القوة، لتظل كاراكاس شاهدة على أن السيادة في القرن الحادي والعشرين هي ضحية سهلة لصاروخ عابر وقوات لا تعترف بالحدود.
