“النسبية”
صعدت ميريل ستريب إلى مسرح جوائز غولدن غلوب لتسلم جائزة الإنجاز مدى الحياة، وحظيت بتصفيق حارّ تقديرًا لرسالتها السياسية.
لكنّ المتلقي المقصود بالرسالة – الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب – ردّ عليها بوصفها بـ”المبالغ في تقديرها” على تويتر.
قدّمت رابطة هوليوود للصحافة الأجنبية للممثلة ستريب جائزة “سيسيل بي ديميل”، وفي خطاب قبولها، انتقدت خلاله الممثلة ترامب لسخريته من سيرج كوفالسكي، الصحفي المعاق في صحيفة نيويورك تايمز، عام 2015.
حطّم الفيلم الموسيقي “لا لا لاند” الرقم القياسي لجوائز غولدن غلوب بحصوله على 7 جوائز.
قالت الممثلة، دون أن تذكر اسم الجمهوري صراحةً: “كان هناك أداء واحد هذا العام فاجأني. لقد أثّر بي حقًا”.
وأضافت: “ليس لأنه كان جيدًا – لم يكن فيه أي شيء جيد – لكنه كان مؤثرًا وحقق هدفه. لقد أضحك جمهوره المستهدف… وأثار غضبهم”.
لم يكن مسرح “غولدن غلوب” مجرد شاهد على تكريم مسيرة سينمائية حافلة، بل تحول إلى مركز لزلزال أيديولوجي ما زال يتردد صداه في الثقافة المعاصرة. عندما صعدت ميريل ستريب إلى المنصة، تجاوز خطابها بروتوكولات الشكر التقليدية ليتحول إلى تشريح أخلاقي للقيادة. ما أعقب ذلك كان صداماً مباشراً بين رؤيتين للعالم: التعاطف كمسؤولية مقابل النجاح كقوة مطلقة.
الشرارة: الضعف كهدف للهجوم
لم تكن نقطة الاحتكاك تتعلق بسياسة اقتصادية أو مرسوم هجرة، بل كانت تتعلق بـ “الإيماءة”. أعادت ستريب إحياء واقعة تقليد دونالد ترامب لصحفي من ذوي الاحتياجات الخاصة (سيرج كوفاليسكي). بالنسبة للممثلة، لم يكن هذا التصرف مجرد سخرية عابرة، بل كان خرقاً للعقد الاجتماعي.
”عندما يستخدم الأقوياء منصاتهم لإذلال الآخرين، يخسر الجميع”، هكذا لخصت ستريب الموقف.
سلطت هذه اللحظة الضوء على أول فرق جوهري في القيم: بينما تتبنى ستريب حماية المستضعفين كأساس للرقي الإنساني، جاء رد ترامب — عبر التقليل من شأن الممثلة ووصفها بـ “المبالغ في تقديرها” — ليعزز رؤية ترى أن الهيمنة والسيطرة تعلوان فوق أي اعتبار للحساسية الإنسانية.
تحليل صدام القيم
تتفق التحليلات الصحفية والسياسية على أن هذه المواجهة كشفت عن ركيزتين أخلاقيتين متضادتين:
الحقيقة الفنية مقابل البراغماتية السياسية:
بالنسبة لستريب، واجب الفنان هو “الدخول في حيوات مختلفة”، وهي قيمة تقوم على الرحمة. في المقابل، يرى المحللون أن خطاب ترامب يعتمد على براغماتية تكون فيها الحقيقة مرنة، طالما أنها تخدم تعزيز موقفه أو إضعاف “الخصم”.
التعددية الثقافية مقابل القومية:
ذكّرت ستريب بأن “هوليوود مليئة بالأجانب”، معرفةً الهوية الأمريكية كموزاييك من الأصول المتعددة. بينما بنى ترامب سرديته على رفض الآخر، معتبراً التنوع تهديداً للتماسك الوطني وليس ثراءً.
سلطة الاستحقاق مقابل سلطة المكانة:
من خلال وصف ستريب بأنها “مبالغ في تقديرها”، حاول ترامب تجريدها من قيمتها المهنية. في عالم ترامب، من لا يدين بالولاء يفقد حقه في التميز. أما في العالم الأكاديمي والفني الذي تمثله ستريب، فإن التميز حقيقة موضوعية لا تعتمد على الانتماء السياسي.
التأثير الإعلامي: مجتمع منقسم
أبرزت الصحافة الدولية أن هذه المواجهة أنهت حقبة “الحياد” للمشاهير. ما رآه البعض شجاعة مدنية، اعتبره آخرون دليلاً على انفصال نخبة هوليوود عن الطبقة العاملة الأمريكية.
لم يكن هذا الدويل مجرد شجار بين مشاهير، بل كان تجسيداً لأمة لم تعد تتحدث لغة أخلاقية واحدة. بينما طالبت ستريب بـ صحافة حرة واحترام الكرامة الإنسانية، أكد ترامب على أسلوب قيادة يعتمد على المواجهة والتشكيك في المؤسسات.
الفجوة العميقة بين الثقافة والسياسة
سيتذكر التاريخ هذه اللحظة لا كواقعة في حفل توزيع جوائز، بل كاليوم الذي تعرت فيه الفجوة العميقة بين الثقافة والسياسة. يظل السؤال الذي طرحته ستريب في الفضاء قائماً: في أي نوع من المجتمعات نريد أن نعيش؟ هل في مجتمع يقدر القدرة على الشعور بالآخر، أم في مجتمع يحتفي بإذلال الخصم كرمز للنصر؟
هل ترغب في إضافة أي تفاصيل أخرى أو تعديل صياغة معينة لتناسب جمهورك المستهدف؟
