مكتب “النسبية“ في سانتياغو
و انا أدخل في احد الأيام إلى حديقة بمدينة كوكيمبو شمال التشيلي، رأيت بأم عيني أن كل من كان فيها يتبادلون العناق. واذهلني المشهد لأني لم يسبق ان رأيت في حياتي معظم من يتواجدون في حديقة ما سيمارسون العناق ويتبادلونه حتى أني استنتجت لوحدي ان الأمر يتعلق بتقليد ما. وعندما التقيت أصدقاء وضمنهم قادة في الحزب الشيوعي، استفسرت عن الأمر، فجاءت اجوبتهم مفاجئة حيث قالوا إنه عيد العناق التقدمي، وحزبنا الشيوعي هو من أبدع فكرته ليصبح تقليدا سنويا.
فما هو إذن عيد العناق ولماذا أبدعه الحزب الشيوعي في التشيلي؟
تشير الروايات الرسمية إلى أن “عيد العناق” أبصر النور في يناير 1988، لكن التحقيقات في أرشيف تلك الحقبة تكشف عن حاجة أعمق من مجرد الاحتفال. في وقت كانت تستعد فيه التشيلي للاستفتاء الذي سيحدد مصير ديكتاتورية أغوسطو بينوشي، في وقت واجه فيه الحزب الشيوعي التشيلي تحدي إعادة تجميع قواعده الشعبية التي تشتتت بين المنفى، والسجون، والحياة بأسماء مستعارة.
وتؤكد المصادر التاريخية أن اللقاء الأول لم يكن في حديقة عامة، بل في مقر مغلق تحت حراسة مشددة في بلدية “سان ميغيل”. ويستذكر أحد المناضلين القدامى قائلًا: “لم يكن يُطلق عليه اسم عيد العناق، بل كان يُسمى ‘لقاء الإخاء’”. الاسم الحالي لم يكن استراتيجية تسويقية، بل كان انعكاسًا لواقع ملموس: فإعادة اللقاء بعد عقود من الفراق أنتجت عناقات استمرت لدقائق طويلة. كان ذلك العناق هو الدليل المادي على أن “الرفيق” لا يزال على قيد الحياة.
من متنزه “أوهيغينز” إلى قصر “لا مونيدا”
مع ترسيخ الديمقراطية، تحول “عيد العناق” من فعل مقاومة إلى ما يعرف بـ “ميزان حرارة يناير” للسياسة التشيلية. ويحدد هذا التحقيق ثلاث مراحل رئيسية في تطوره:
-مرحلة العزلة (1988-1995): أقيمت في أماكن مغلقة أو ملاعب صغيرة، وكان تركيزها الحصري على بقاء الحزب.
-الانفتاح الثقافي (1996-2010): الانتقال إلى متنزه “أوهيغينز”، حيث فُتحت أكشاك الطعام التقليدي مثل “التشاركي كان”، وتحول الحدث إلى معرض للكتاب والفكر اليساري.
-مركز الثقل السياسي (2011 حتى الآن): مع صعود قيادات شابة ودخول الحزب في التحالفات الحكومية، أصبح “عيد العناق” محطة إجبارية للدبلوماسيين والوزراء.
مطبخ الأفكار: ثقافة أم استراتيجية؟
خلف الموسيقى الصاخبة لفرق مثل “إنتي إليماني”، يعمل المهرجان كمركز لمنتديات سياسية. فخلال يومين، تُعقد ندوة تلو الأخرى لرسم ملامح الإصلاحات التي سيتم الدفع بها في الكونغرس خلال العام التشريعي.
بيان رئيسي: تُشير التقديرات إلى أنه في النسخ الأكثر ازدحامًا، يمر أكثر من 50,000 شخص عبر الموقع، مما يجعله أكبر حدث سياسي يُدار ذاتيًا في البلاد.
التأثير الاجتماعي: “العناق” في التشيلي عام 2026
في الوقت الحاضر، يواجه “عيد العناق” تحديات جديدة: كيف يحافظ على طابعه الرمزي في ظل حالة الإحباط من السياسة التقليدية؟ تشير الأبحاث إلى أن الحدث نجا بفضل قدرته على التحول؛ فلم يعد الحديث مقتصرًا على صراع الطبقات، بل شمل الندوات حول قضايا النسوية، أزمة المناخ، وحقوق الأقليات.