“النسبية“
ما بدأ في الأيام الأخيرة من عام 2025 كصرخة يأس بسبب الجوع والانهيار الاقتصادي، تحول في الأسابيع الأولى من عام 2026 إلى التحدي الوجودي الأكبر الذي تواجهه الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها قبل 47 عاماً. لم يعد الأمر يتعلق بمطالب إصلاحية، بل هو رفض شامل لنظام آيات الله.
الشرارة التي أشعلت الفتيل
كانت الشرارة التي أشعلت الفتيل هي الانهيار التاريخي للريال الإيراني والتضخم الجامح الذي تجاوز 50 في المائة سنوياً. ومع ذلك، يتفق المحللون على أن الاقتصاد كان مجرد عامل محفز، أما الوقود الحقيقي هو استنزاف عقد اجتماعي قام على القمع الأيديولوجي وسوء إدارة موارد الدولة، التي وُجهت لعقود نحو الصراعات الإقليمية في الخارج.
على عكس حركة “مرأة، حياة، حرية” في عام 2022، نجحت الاحتجاجات الحالية في توحيد الطبقة الوسطى في المدن مع المناطق الريفية، والأهم من ذلك، مع “البازارية” (التجار التقليديين). إن إغلاق البازارات الكبرى في طهران وتبريز أرسل رسالة واضحة للنظام الثيقراطي.
قيادة في الظل وفي المنفى
على الرغم من أن الطبيعة الحالية للاحتجاجات هي طبيعة عضوية ولا مركزية —مما يصعب على النظام استهداف رؤوس الحركة— إلا أن دورة الاحتجاجات هذه تظهر هيكلاً قيادياً أكثر وضوحاً:
مجلس الانتقال: نجحت شخصيات في المنفى، بقيادة رضا بهلوي، في صياغة رسالة “وحدة”. فقد تحول بهلوي من شخصية رمزية إلى وسيط دبلوماسي، يحث قوات الأمن على التخلي عن النظام والانضمام إلى الشعب.
لجان الأحياء: داخل إيران، تنظم المقاومة نفسها من خلال خلايا محلية تدار ذاتياً، تستخدم وسائل التواصل المشفرة وشبكات الأقمار الصناعية لتنسيق الإضرابات وقطع الطرق.
المقاومة الأخلاقية: من داخل سجن إيفين، لا تزال شخصيات مثل الحائزة على جائزة نوبل للسلام نرجس محمدي تصدر بيانات تعمل كبوصلة أخلاقية للمتظاهرين، مع إبقاء ملف حقوق الإنسان في قلب النقاش.
ماذا يريد الشعب؟
تبلورت مطالب المتظاهرين في برنامج سياسي يتلخص في شعار: “لا ملكية ولا ثيوقراطية.. ديمقراطية”. والنقاط غير القابلة للتفاوض هي:
إنهاء “ولاية الفقيه”: إلغاء منصب الولي الفقيه والسلطة المطلقة لرجال الدين على السياسة.
دولة علمانية: الفصل النهائي بين الدين والدولة، وضمان حرية العبادة وإنهاء شرطة الأخلاق.
العدالة الانتقالية: إنشاء محاكم مستقلة لمحاكمة الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الحرس الثوري.
الأولوية الوطنية: الوقف الفوري لتمويل الميليشيات في لبنان وسوريا واليمن، وتوجيه تلك الأموال لإعادة بناء البنية التحتية والعملة الوطنية.
رد النظام: عنف يائس
وصف المرشد الأعلى، علي خامنئي، الانتفاضة بأنها “حرب هجينة” خططت لها قوى أجنبية. وكان الرد وحشياً: إعدامات ميدانية في الساحات العامة، قطع كامل للإنترنت، واستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين في مدن مثل سنندج وزاهدان.
ومع ذلك، يبدو أن الخوف قد غير معسكره. فلأول مرة، هناك تقارير عن انشقاقات في الرتب الدنيا من قوات “البسيج” وشلل في حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، الذي يبدو عاجزاً عن احتواء غضب جيل لم يعد لديه ما يخسره.
سقوط النظام سوف يغير ميزان القوى في الشرق الأوسط
إيران لا تواجه مجرد احتجاج عابر، نحن أمام عملية حراك اجتماعي. يراقب المجتمع الدولي بحذر، مدركاً أن سقوط النظام الثيوقراطي لن يغير مصير 88 مليون إيراني فحسب، بل سيعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بالكامل.