تُظهر الاحتجاجات وقمعها الوحشي انفصال النظام عن الشعب.
على مدى الأسبوعين الماضيين، شهدت شوارع إيران موجة جديدة من الاحتجاجات ضد حكومة مسعود بيزشكيان. وتُعدّ هذه الاحتجاجات الأعنف منذ عام 2022، حين أشعلت وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة انتفاضة شعبية قُمعت بوحشية.
هذه المرة، كان السبب الرئيسي للاحتجاجات هو إلغاء أسعار الصرف التفضيلية للسلع الأساسية، مما أدى إلى تسارع ارتفاع أسعار المواد الغذائية (التي تشير بعض التقديرات إلى أنها سترتفع بنسبة 70 في المائة بحلول عام 2025) وتفاقم انهيار العملة الوطنية، الريال، الذي فقد 40 في المائة من قيمته خلال العام الماضي. يُضاف إلى ذلك أزمة المياه (إذ تعاني إيران من جفاف حاد) وأزمة الطاقة، التي تتسبب في انقطاع المياه وانقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر. كل هذا لا يزيد إلا من حدة السخط الشعبي الناجم عن القمع والفساد.
إن حقيقة أن الاحتجاجات لم تكن في البداية موجهة ضد النظام نفسه، بل ضد كفاءته في الحكم، قد جذبت المتظاهرين إلى الشوارع، وهم عموماً موالون للجمهورية الإسلامية، وخاصةً قطاعات من الطبقة البرجوازية من أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة، مما فاجأ حكومة بيزشكيان التي استجابت في البداية بطريقة تصالحية. إلا أن المتشددين الإسلاميين الذين يسيطرون فعلياً على البلاد، بقيادة المرشد الأعلى علي خامنئي، ردوا بوحشيتهم المعهودة، متهمين المتظاهرين بالعمل لصالح عملاء أجانب، بل وحتى بتدنيس المقدسات.
يعكس هذا ضعف النظام، الذي مُنيت رهاناته الرئيسية في السياسة الخارجية خلال العقود الأخيرة (حماس، حزب الله، سوريا، والآن فنزويلا) بالهزيمة أو الإطاحة. ومع سابقة الهجوم الأمريكي على منشآتها النووية في يونيو الماضي، يخشى آيات الله هجوماً آخر من واشنطن أو إسرائيل لإجبار النظام على التغيير، وهي فرضية طرحها دونالد ترامب نفسه في الثاني من يناير.
منذ ذلك الحين، انزلقت إيران في دوامة الاحتجاجات والقمع المألوفة، مصحوبةً بوحشية الميليشيات الإسلامية المعهودة. ومنذ يوم الخميس، انقطعت خدمة الإنترنت في جميع أنحاء البلاد، والمعلومات التي تصل إلى البلاد شحيحة ومتفرقة. وتزعم وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، أنها تحققت من مقتل 538 شخصًا (48 منهم من عناصر الأمن) واعتقال أكثر من 10600 شخص. وتُظهر صور موثقة أكياس الجثث أمام أبواب المشرحات المكتظة، ويشير شهود عيان موثوقون إلى أن بعض المستشفيات تعاني من اكتظاظ الجرحى.
في ظل انقسام المعارضة وقلة نقاط الاتفاق باستثناء السخط الشعبي، يصعب التنبؤ بما إذا كانت هذه الاحتجاجات – كسابقتها – ستتوحد لتشكل حركة تُطيح بالنظام. لكن ما يُظهره الغضب الشعبي هو أن إيران بحاجة إلى تغيير جذري، يبدأ باحترام حقوق الإنسان. للإيرانيين الحق في تقرير مصيرهم، دون وصاية أو رقابة، سواء كانت داخلية أو خارجية.
صحيفة “إلباييس”
Irán, ante la indignación popular | Opinión | EL PAÍS