وصلنا بيان صادر عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمناسبة حلول رأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976، ننشر نصه فيما يلي:
تحل السنة الأمازيغية الجديدة 2976 في سياق إقليمي ودولي لا تزال فيه الحقوق اللغوية والثقافية والسياسية للشعب الأمازيغي،
باعتباره شعبا أصليا، عرضة للإقصاء والتهميش، ومحرومة من الإنصاف الفعلي، في استمرارٍ ممنهج لمختلف أشكال التمييز
البنيوي والعنصري، التي تمس حقه في هويته الجماعية، وفي أرضه وموارده، وفي ممارسته لحقه غير القابل للتصرف في تقرير
مصيره، كما هو مكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وخاصة إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية.
ويأتي تخليد هذه المناسبة النضالية بعد عقود من الكفاح الذي خاضته الحركة الأمازيغية والحركة الحقوقية بالمغرب، في ظل
أوضاع وطنية تتسم بتفشي الفساد والإفلات من العقاب داخل المؤسسات العمومية، سواء المنتخبة منها أو المعينة، وبالتضييق
الممنهج على حرية الرأي والتعبير والتنظيم، وتجريم النضال السلمي، وبالتراجع الخطير للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
والبيئية، نتيجة تبني سياسات اقتصادية لا شعبية قائمة على اقتصاد الريع ونهب الثروات الوطنية، وتسليع القطاعات الاجتماعية،
وما نتج عن ذلك من تدهور بنيوي في الخدمات العمومية الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والسكن، في خرق سافر لمبادئ
العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.
إن هذا الوضع يشكل انتهاكا صريحا للالتزامات الرسمية للدولة المغربية، كما يقرّها دستور 2011، ولا سيما الفصول المتعلقة
بالمساواة وعدم التمييز، وسمو الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليها على التشريع الوطني، والاعتراف بالأمازيغية لغة
رسمية للدولة، فضلا عن التزامات المغرب الدولية، وما يستتبع ذلك من واجب احترام وحماية وإعمال الحقوق الفردية والجماعية
للشعب الأمازيغي، دون إفراغها من مضمونها أو حصرها في إجراءات شكلية.
إن استمرار الدولة في التملص من هذه الالتزامات، والإبقاء على سياسات الإقصاء والتأجيل، يكرس واقعا من اللاتماثل وعدم
المساواة، ويغذي الإحساس بالحيف والظلم، ويقوض أسس دولة الحق والقانون، الأمر الذي يفرض اليوم، أكثر من أي وقت مضى،
تصعيد النضال الحقوقي وتوحيد الجهود من أجل فرض الاعتراف الكامل والفعلي بحقوق الشعب الأمازيغي، باعتبارها جزءا لا
يتجزأ من الحقوق الكونية غير القابلة للتصرف.
وإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إذ تتابع بقلق بالغ هذه الأوضاع، تؤكد أن ما تعيشه البلاد ليس سوى نتيجة مباشرة
لاستمرار سياسات الإقصاء والتهميش، القائمة على الإلهاء والمماطلة وتجميل الواقع، في محاولة لإعادة إنتاج آليات السيطرة
والهيمنة، من خلال سنّ تشريعات تُوظَّف لتسهيل استعمال القضاء كأداة لقمع الحريات العامة، وتجريم العمل الحقوقي، واستهداف
المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وكل الأصوات المنتقدة للسياسات العمومية، في تعارض صارخ مع التزامات الدولة
الدولية.
وإذ تستحضر الجمعية المرجعيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، ولا سيما المادة 15 منه والتعليق العام رقم 21 بشأن الحق في المشاركة في الحياة الثقافية، وإعلان الأمم المتحدة بشأن
حقوق الشعوب الأصلية، الذي يكرّس حق هذه الشعوب في تقرير مصيرها، وفي الحفاظ على هويتها الثقافية واللغوية، وفي ملكية
أراضيها ومواردها الطبيعية واستعمالها وتدبيرها، فضلًا عن الإعلان العالمي للتنوع الثقافي، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع
أشكال التمييز العنصري، والاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد؛ كما تستحضر تقارير وآراء آليات الأمم المتحدة، بما فيها تقرير الخبيرة
المستقلة المعنية بالحقوق الثقافية عقب زيارتها للمغرب في شتنبر 2011، وتقرير المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة
للعنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب، عقب زيارتها للمغرب في دجنبر 2018، إضافة إلى مختلف التوصيات الصادرة
عن هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة، والتي تؤكد مجتمعة على ضرورة الاعتراف الفعلي بحقوق الشعوب الأصلية، وضمان
حمايتها واحترامها دون تمييز أو انتقاص.
ونظرًا لكون المغرب يعد من بين البلدان القليلة في العالم التي تتوفر على شعب أصلي متميز تاريخيا وثقافيا، والذي امتد وجوده
على طول شمال إفريقيا، وما عرفته أراضيه من تهافت القوى الاستعمارية على موارده، واستغلال ثرواته، وتفكيك بنياته
الاجتماعية والاقتصادية، باستعمال مختلف الوسائل المدمرة للإنسان والطبيعة، بما في ذلك استهداف بعض المناطق بالأسلحة
الكيماوية المحظورة دوليا، في خرق جسيم للأعراف والقوانين الدولية وللقيم الإنسانية؛ وما رافق ذلك من سياسات تعريب قسري،
وإقصاء ممنهج للغة الأمازيغية، وتهجير للسكان، واستنزاف للثروات الطبيعية للمناطق الأمازيغية، دون إشراك ساكنتها أو تمكينها
من حقها المشروع في الانتفاع العادل منها؛ فإن الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الأمازيغي، وضمان ممارستها الفعلية، يظل شرطا
أساسيا لبناء دولة ديمقراطية قائمة على المساواة والكرامة والعدالة، واحترام التعدد والاختلاف، والقطع مع كل أشكال التمييز
والإقصاء التاريخي.
وبهذه المناسبة، تجدد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مواقفها، وتعلن ما يلي:
1- تهنئ الشعب المغربي بحلول السنة الأمازيغية الجديدة “إخف أوسكاس”، وكافة الأمازيغ عبر مختلف مناطق تواجدهم في
العالم، وتحيي الأحرار والحرائر، والمدافعين والمدافعات عن حق الشعب الأمازيغي في الوجود والكرامة، والمناضلين
والمناضلات ضد الهيمنة والاستبداد العنصرية والتمييز، والمكافحات والمكافحين من أجل بناء مجتمع تعددي ديمقراطي، قوامه
الحرية وسيادة مبادئ العدل والمساواة، كما عاشها الأمازيغ تاريخيا قبل دخول قوى الغزو والاستعمار.
2- تجدّد دعوتها للدولة المغربية إلى الالتزام الفعلي بما صادقت عليه من مواثيق أممية في مجال حقوق الإنسان، والعمل الجاد
على تنفيذ التوصيات الصادرة عن مختلف آليات وهيئات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما يضمن احترام وحماية والنهوض بحقوق
الإنسان كما هي معترف بها دوليًا، وكما وردت في ديباجة دستور 2011. كما تطالبها بالتخلي عن سياسة التماطل والتسويف في
رفع جميع أشكال التمييز ضد الأمازيغ، والشروع الفعلي في تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، والعمل الفوري على اعتمادها
كلغة رسمية في جميع المؤسسات، دون أي مبرر للتأجيل، وتعميم تدريسها في جميع المؤسسات التعليمية وعلى كافة المستويات
الدراسية، أسوة بجميع اللغات الأخرى التي تدرس دون الحاجة إلى قوانين تنظيمية خاصة، وجعلها لغة متداولة في مختلف
الفضاءات العامة، ووضع حد لسياسات التهميش والإقصاء الممنهجة في حق سكان البوادي والجبال، والتي تستهدف تفقيرهم وإبادة
لغتهم وثقافتهم وهويتهم عبر التجاهل وخطابات النفاق الرسمي.
3- تؤكد تشبثها بمطلب الحفاظ على أراضي الجموع، وتنمية سبل استغلالها الجماعي، بما يساهم في تحسين الأوضاع
الاقتصادية والاجتماعية للسكان الأصليين، بدل تفويتها لفائدة العائلات النافذة أو المقاولات الأجنبية، وتعلن رفضها القاطع للطريقة
التي تم بها تمرير القانون رقم113.13 المتعلق بالترحال الرعوي وتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والمراعي الغابوية،
والقوانين62.17،63.17 و64.17 المتعلقة بالجماعات السلالية، نظرا لإقصائها ذوي الحقوق من أي مشاورة أو استشارة حقيقية،
وسعيها إلى تكريس تحكم وزارة الداخلية في قرارات التفويت والمضاربات العقارية.
4- تطالب بإعادة النظر الشاملة في القوانين السالفة الذكر، بما يضمن الحقوق الجماعية والفردية للسكان الأصليين في الانتفاع
بثرواتهم المائية والغابوية والمعدنية، مع الحفاظ على البيئة، وفتح أفق تنمية حقيقية ومستدامة في مختلف المجالات، خاصة
التشغيل، والصحة، والتعليم، والسكن اللائق والبنية التحتية.
5- تندد بشدة بالطريقة التي يتم بها استباحة أراضي السكان الأصليين في عدد من مناطق المغرب من طرف بعض اللوبيات
الخليجية، التي تستغلها خارج الضوابط القانونية، لا سيما عبر أنشطة القنص العشوائي، والرعي الجائر، وإنشاء محميات خاصة،
وبناء قصور ومنشآت ترفيهية، مع الاستيلاء على مئات الهكتارات من الأراضي الغابوية والشاطئية والمجالات الطبيعية ذات القيمة
البيئية والسياحية.
6- تطالب بضمان حق الساكنة الأصلية في الاستفادة العادلة من ثرواتها المعدنية والطبيعية والبحرية، بما يسمح بتنمية مناطقها
في مختلف المجالات، وحماية بيئتها وصحة سكانها ومواردها المائية، وضمان أولوية أبناء وبنات هذه المناطق في فرص الشغل
داخل الأوراش والمناجم المقامة فوق أو تحت أراضيهم، والقطع مع ممارسات الماضي والتاريخ الأليم الذي وسم بالاستعانة بالقوى
الأجنبية الاستعمارية ضد القبائل الأمازيغية، مع الإسراع بتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة المتعلقة بجبر الضرر
الجماعي للمناطق التي عرفت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها منطقتا الريف والأطلس المتوسط.
7- تؤكد موقفها الثابت إزاء ما تعرض له معتقلو حراك الريف وعائلاتهم من ظلم، وتجدّد مطلبها القاضي بوضع حد للاعتقال
التعسفي في حقهم، وإطلاق سراحهم فورا دون قيد أو شرط، وتدعو السلطات الأمنية والقضائية إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية
والأخلاقية، والالتزام بالنزاهة والاستقلال والحياد، خدمةً للوطن وحقوق مواطنيه.
8- تدعو إلى التعجيل بإعمار منطقة الحوز والمناطق المتضررة من زلزال 2023، وضمان حقوق الساكنة في السكن اللائق
والتعويض العادل، مع مشاركتهم الفعلية في القرارات المتعلقة بالإعمار، وتشدد على فتح تحقيق مستقل ومساءلة المسؤولين عن
التأخر والإخفاقات، وضمان الشفافية واحترام الخصوصيات الثقافية والمعمارية وتمكين الفئات الهشة من الخدمات الأساسية.
9- تنبّه، وباستنكار شديد، إلى خطورة تفشي خطابات الكراهية والعنصرية، وفظاعة الحملات التشهيرية والتحريضية التي
تستهدف المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان وعن كرامة الوطن، والتي تصدر عن بعض المنابر الإعلامية المعروفة بقربها
من الأجهزة الرسمية، وعن بعض السياسيين والفقهاء، وتدعو النيابة العامة إلى القيام بواجبها القانوني لوضع حد لهذه الممارسات
العنصرية، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
المكتب المركزي:
الرباط، في 13 يناير 2976/2026.