في 7 يناير 2026، قامت الشرطة الفرنسية بمداهمة مكتبة «فيوليت آند كو» (Violette and Co)، وهي مكتبة معروفة بتوجّهها النسوي ودعمها لحقوق الأقليات، وتقع في الدائرة الحادية عشرة من العاصمة باريس، وذلك في إطار تحقيق رسمي مرتبط بدفتر تلوين موجّه للأطفال يحمل عنوان «من النهر إلى البحر: دفتر تلوين» (From the River to the Sea: un livre de coloriage). ويقدّم هذا الدفتر، وفق وصف المكتبة، سردًا مبسّطًا لتاريخ فلسطين وثقافة شعبها في قالب رسومي مخصّص للأطفال.
وجاءت المداهمة بناءً على تقرير صادر عن لجنة المراقبة والتحكم في منشورات الشباب التابعة لوزارة العدل الفرنسية، اعتبر أن محتوى الدفتر قد يحمل طابعًا سياسيًا من شأنه، بحسب اللجنة، التحريض على الكراهية أو الإضرار بتكوين القُصّر، ولا سيما في ظل المناخ الأوروبي المشحون وموجة الاتهامات المتزايدة بمعاداة السامية. ويتركّز الجدل تحديدًا حول عنوان الدفتر، الذي يستند إلى شعار «من النهر إلى البحر»، وهو تعبير شائع في الخطاب الداعم للقضية الفلسطينية، لكنه بات في السياق الفرنسي والأوروبي محلّ تأويل أمني وتجريم سياسي، إذ تعتبره جهات رسمية مؤيدة لإسرائيل إنكارًا لوجودها أو تحريضًا ضمنيًا ضدها.
وخلال نحو 45 دقيقة من التفتيش، لم تعثر الشرطة على أي نسخة من الدفتر داخل المكتبة، بعدما أفاد القائمون عليها بأن جميع النسخ كانت قد نُفدت أو بيعت سابقًا. ومع ذلك، سُلِّم مسؤولو المكتبة استدعاءً للمثول أمام الشرطة في 22 يناير في إطار تحقيق أولي لم يُحسم بعد مساره القضائي.
من جهتها، اعتبرت إدارة المكتبة أن ما جرى يشكّل اعتداءً على حرية التعبير والمعرفة، ووصفت الإجراء بأنه قمع سياسي وتضييق أيديولوجي يستهدف الفضاءات الثقافية المستقلة. كما دانت شخصيات سياسية فرنسية هذا التطور، واعتبرته خطوة إضافية في مسار تجريم التضامن مع القضية الفلسطينية داخل المجال العام الفرنسي.
وتأتي هذه الحادثة في سياق فرنسي أوسع، منذ أواخر عام 2024، اتّسم بتشديد غير مسبوق على الخطاب المتعلق بفلسطين، خاصة بعد الحرب على قطاع غزة. وقد تجلّى ذلك في:
- توسيع تفسير قوانين مكافحة معاداة السامية
- الخلط المتزايد بين انتقاد سياسات إسرائيل ومعاداة اليهود
- تضييق المجال العام أمام الجمعيات والناشرين والفعاليات الثقافية المتعاطفة مع فلسطين
- حظر مظاهرات وملاحقات قضائية لناشطين، وصولًا إلى مداهمة مكتبة بسبب مادة موجّهة للأطفال
وتُعد دفاتر التلوين، في الأدبيات التربوية، أداة تعليمية مبسّطة لنقل السرديات التاريخية والهوية الثقافية والقيم الإنسانية. غير أن تقديم سردية فلسطينية، حتى في هذا الشكل البريء ظاهريًا، بات يُنظر إليه في بعض الدوائر الرسمية الفرنسية كفعل سياسي بحد ذاته، ما يعكس انتقال الرقابة من المجال السياسي المباشر إلى المجال الثقافي والتربوي.
ويثير هذا التطور أسئلة جوهرية تتجاوز هذه القضية بعينها، تتعلق بحدود حرية النشر والتعبير، ودور الدولة في مراقبة المحتوى الثقافي، وحق الأطفال، ولا سيما من أصول فلسطينية أو عربية، في الاطلاع على سرديتهم التاريخية. كما يطرح إشكالية اعتماد تقارير إدارية استشارية بدل أحكام قضائية نهائية لتبرير إجراءات أمنية، الأمر الذي يرى فيه منتقدون سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام تجريم النيات والرموز والشعارات، لا الأفعال الصريحة.
وفي دلالة أوسع، تكشف هذه الحادثة تحوّل القضية الفلسطينية في أوروبا من ملف سياسي خارجي إلى قضية داخلية حساسة تمسّ التعليم، والنشر، والفضاء الثقافي العام، وحدود ما يُسمح بقوله أو حتى «تلوينه» حين يتعلّق الأمر بفلسطين. وهو ما يجعل من مداهمة مكتبة بسبب دفتر تلوين للأطفال حدثًا رمزيًا يتجاوز حجمه المادي، ليعكس تحوّلات عميقة في علاقة أوروبا بحرية التعبير حين تتقاطع مع السياسة والهوية والصراع في الشرق الأوسط.