مكتب “النسبية” في التشيلي
ما تم الترويج له لعقود من قبل الحركة التشافية الحاكمة في فنزويلا كحصن منيع للسيادة المناهضة للإمبريالية، قد تحول في غضون أسابيع قليلة إلى تجربة براغماتية سياسية غير مسبوقة. ففي ظل ولاية الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، يبدو أن النخبة التي أقسمت يوماً على “الولاء المطلق” لإرث هوغو تشافيز، قد وجدت في توجيهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طوق نجاة وليس تهديدا كما تؤكد عليه باستمرار قبل اختطاف نيكولاس مادورو.
التناقض يبدو سورياليا
التناقض يبدو سوريالياً إلى حد كبير. فبينما ينتظر نيكولاس مادورو بدء إجراءات محاكمته في نيويورك، تغيرت اللغة المستخدمة في أروقة قصر “ميرا فلوريس”. لم يعد الحديث يدور حول “الحصار الإجرامي”، والتهديد بغزو فنزويلا، بل عن “إصلاحات الانفتاح”.
إن التنفيذ المتسارع للأوامر القادمة من واشنطن — والتي تشمل إلغاء القيود التنظيمية بالكامل في حزام النفط، وتطهير القيادات العسكرية المطلوبة من قبل وزارة العدل الأمريكية — يشير إلى أن الإدارة المؤقتة الحالية قد قبلت صفقة مع ترامب من أجل البقاء: تسليم السيطرة على الموارد الاستراتيجية مقابل انتقال محكوم يحمي كوادر “الحزب الاشتراكي الموحد من السجون الأمريكية.
ماريا ماتشادو في مفترق طرق دبلوماسية
ومع ذلك، فإن هذا النظام الجديد قد وضع المعارضة بقيادة ماريا كورينا ماتشادو في مفترق طرق دبلوماسية. فبينما تضغط الحائزة على جائزة نوبل للسلام من أجل انتقال فوري للسلطة، يبدو أن الرئيس ترامب قد اختار “الاستقرار” الذي توفره ديلسي رودريغيز المنضبطة والمستعدة لتنفيذ خارطة طريق الطاقة الأمريكية بدقة جراحية.
لم تعد فنزويلا مسرحاً لمواجهة أيديولوجية؛ بل تحولت إلى لوحة شطرنج لإعادة هندسة سياسية، حيث قررت الحركة “التشافيية” أن تتحدث لغة “صانع الصفقات” طمعا في البقاء مقابل تسليم سيادة البلد وثرواته”.
نهاية الأيديولوجيا الشعبوية وبداية عصر “الصفقة”
يبدو أن المشهد الحالي في كاراكاس يكشف يوما بعد آخر عن حقيقة سياسية مريرة وهي أن الأيديولوجية الشعبوية التي شُحنت بها الجماهير الفنزويلية لأزيد من عقدين، تلاشت أمام غريزة البقاء لدى النخبة. إن استسلام ديلسي رودريغيز لدفتر شروط ترامب ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل هو إعلان صريح عن انتهاء حقبة ما سمي ب”الثورة البوليفارية” وب “اشتراكية القرن الواحد والعشرين”، كما سمع بها العالم وصدقها جزء كبير من اليساريين، وتحولها الآن مجرد إلى شركة مساهمة تبحث عن حماية أصولها تحت المظلة الأمريكية.
“استقرار” يصنع في الغرف المغلقة
بينما تُفتح صنابير النفط بقرارات من واشنطن، يبقى السؤال المعلق في فضاء فنزويلا: هل سيقبل الشعب الفنزويلي الذي عانى ويلات الأزمات بـ “استقرار” يُصنع في الغرف المغلقة بين أعداء الأمس؟
إن الرهان الآن يتجاوز أسماء الشخوص في السلطة؛ فالمحك الحقيقي هو ما إذا كانت هذه “الصفقة الكبرى” ستؤدي إلى نهضة اقتصادية حقيقية كما يزعم العض، أم أنها مجرد إعادة تدوير للنظام القديم بوجوه براغماتية جديدة، تاركةً أحلام الديمقراطية الكاملة التي كانت تتردد أصداؤها في العديد من المظاهرات الشعبية المنادية بإسقاط النظام.