“النسبية“
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة لعام 2026، يجد المشهد السياسي الإسباني نفسه أمام اختبار تاريخي. لم يعد العداء لسياسات دونالد ترامب مجرد شعار انتخابي لليسار الإسباني، بل تحول إلى استراتيجية دفاعية شاملة. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، تصاعدت نبرة أحزاب اليسار الراديكالي (من داخل الحكومة وخارجها) للمطالبة بإنهاء ما يصفونه بـ”التبعية العمياء” للبيت الأبيض، داعين مدريد وبروكسل إلى صياغة “عقيدة سيادية” تواجه الإمبريالية الاقتصادية والعسكرية الأمريكية التي تهدد استقرار المتوسط والاتحاد الأوروبي.
طبيعة مواقف أقطاب اليسار الراديكالي تجاه ترامب
1. يبحث تحالف مكونات حركة”سومار” بزعامة يولاندا دياث، وزيرة العمل، عن استقلال استراتيجي في مواجهة سياسات ترامب الإمبريالية التوسعية العدوانية.
وبصفتها الشريك الأصغر في الحكومة، تقود حركة “سومار” خطاباً يركز على الاستقلال الاقتصادي عن الولايات النتحدة.
ترى “سومار” أن تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 20 في المائة على الصادرات الإسبانية هي “حرب تجارية” تتطلب رداً أوروبياً موحداً وليس مجرد مفاوضات ثنائية.
تطالب يولندا دياز بضرورة أن تكون أوروبا “قطباً عالمياً مستقلاً” يرفض الانجرار خلف صراعات واشنطن، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وأوكرانيا وأمريكا اللاتينية.
2. تعبيرات حزب “بوديموس” المناهضة لسياسات ترامب كانت واضحة باستمرار
“بوديموس” الدي تتزعمه إيوني بيلارا را يتبنى الموقف الأكثر حدة، حيث يرى في ترامب تجسيداً لـ”نيوليبرالية متوحشة” تهدد السلم العالمي.
وقد دعت قائدته الثانية النائبة إيريني مونتيرو صراحة إلى “عزل ترامب دولياً” ووصفته بـ”الطاغية” و”المجرم الخطير” الذي يهدد حقوق الإنسان.
كما طالبت داخل البرلمان بانسحاب إسبانيا الفوري من حلف الناتو، معتبراً إياه “وكالة لتسويق أسلحة” لترامب وذراعاً لتنفيذ سياسات توصف بـ”الإبادة“.
3. اليسار القومي: نقد “حديقة بابي”
ومن جانبها تمارس أحزاب ما يسمى اليسار القومي ضغطاً برلمانياً كبيراً على الحكومة لضمان عدم الخضوع للإملاءات الأمريكية.
في هدا السياق سخر النائب غابرييل روفيان أحد قادة الحزب الجمهوري الكتالاني من وضع الناتو تحت إدارة ترامب، واصفاً إياه بـ”حديقة بابي”، حيث يمثل ترامب “الأب” الذي يأمر والجميع ينفذ.
ويتقاطع موقف روفيان مع باقي الأحزاب القومية التي ترفض بشكل قاطع رفع الإنفاق العسكري إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي استجابة لطالب ترامب، وتعتبر ذلك بمثابة “إتاوة” تُدفع للمجمع الصناعي العسكري الأمريكي على حساب الرفاه الاجتماعي للإسبان.
وما هة ملاحظ في موقف اليسار الإسباني أن جديته تكمن في تحويل الخلاف مع ترامب من مجرد اختلاف أيديولوجي إلى قضية وجودية تتعلق بسيادة الدولة.
وتتقاطع هذه الأحزاب جميعهاً عند نقطة واحدة: لا يمكن لإسبانيا أن تكون “شرطياً” لأمريكا في البحر المتوسط، ولا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يستمر كـ”ملحقة” لسياسات واشنطن المتقلبة والمعادية لمصالح الشعوب..