“النسبية”
أصدر القاضي خوسيه لويس كالاما، بالمحكمة الوطنية بمدريد، يوم 22 يناير، قراراً يقضي بالحفظ المؤقت للتحقيق في عملية التجسس الجماعي باستخدام برنامج “بيغاسوس” الإسرائيلي، والدي استهدف قيادات الحكومة الإسبانية في عام 2021.
يأتي هذا القرار نتيجة لعدم تعاون السلطات الإسرائيلية المستمر، مما حال دون تحديد الجهة المسؤولة عن هذه الاختراقات.
جدار دبلوماسي وتقني
في قراره القضائي، كان القاضي كالاما حازماً بوصفه للوضع بأنه “عجز في التحقيق”. وعلى الرغم من إعادة فتح القضية في أبريل 2024 بعد تلقي بيانات تقنية جديدة من فرنسا، خلص القاضي إلى أنه بدون الوصول إلى مقر الشركة الإسرائيلية في تل أبيب، من المستحيل ربط البرنامج بدولة أو جهاز استخبارات محدد..
وأشار القرار إلى أن “انعدام التعاون القانوني المطلق من جانب إسرائيل، التي لم ترد على الإنابات القضائية المتكررة، يضع القضية في طريق مسدود”.
بيانات الاختراق
استهدف التجسس، الذي تم اكتشافه بعد عام من وقوعه، أجهزة حساسة للأمن القومي في لحظات شهدت توتراً دبلوماسياً حاداً.
لقد تعرض رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو ساننشس، لخمس عمليات اختراق في مايو ويونيو 2021، مع سحب أكثر من 2.7 غيغابايت من المعلومات.
وتعرض وزير الداخلية فرناندو مارلاسكا هو الآخر لاختراق اعتبرته وسائل الإعلام الاسبانية بأنه كان الأكثر تضررا من حيث حجم البيانات المسحوبة منه، حيث تم استخراج 6.3 غيغابايت.
كما تعرضت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، ووزير الزراعة للاستهداف بواسطة برنامج بيجاسوس، لكن بكميات بيانات أقل.
العامل الفرنسي ومستقبل القضية
تلاشت الآمال في أن يؤدي التعاون مع السلطات الفرنسية —التي حققت أيضاً في هجمات “بيغاسوس” ضد وزرائها— إلى كشف الحقائق في الحالة الإسبانية. ووفقاً للقاضي، على الرغم من تطابق المؤشرات التقنية في أسلوب العمل، إلا أنها لا تسمح بتجاوز الفجوة بين الأداة (البرنامج) والمنفذ.
تظل القضية الآن في حالة “ركود”. الحفظ هو إجراء مؤقت، مما يعني إمكانية إعادة فتح التحقيق فوراً إذا قررت إسرائيل التعاون أو إذا ظهرت أدلة جنائية جديدة تسمح بضبط هوية المهاجمين. وحتى الآن، يظل أكبر هجوم سيبراني ضد الحكومة الإسبانية دون محاسبة أمام العدالة.
بين عجز القضاء وحصانة التكنولوجيا
إن حفظ “قضية بيغاسوس” للمرة الثانية يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز حدود المحاكم الإسبانية. فبينما يقف القضاء مكبل اليدين أمام “جدار الصمت” الإسرائيلي، يظل السؤال القائم: هل أصبحت البرمجيات السيبرانية المتطورة فوق سلطة القانون الدولي؟
تُعد هذه القضية تذكيراً صارخاً بأن السيادة الوطنية في العصر الرقمي لم تعد تُنتهك عبر الحدود الجغرافية فحسب، بل من خلال ثغرات في الهواتف المحمولة قادرة على استباحة أسرار الدولة. ومع بقاء الفاعلين مجهولين، تظل هذه القضية “جرحاً مفتوحاً” في ملف الأمن القومي الإسباني، ورهينة لتعاون دولي قد لا يأتي أبداً.
إن حفظ القضية “مؤقتاً” ليس نهاية المطاف، بل هو إقرار بضعف الأدوات القانونية التقليدية أمام أشباح التجسس الرقمي، في انتظار لحظة سياسية أو تقنية تكسر هذا الصمود التقني وتكشف الحقائق الغائبة خلف كواليس “بيغاسوس”.
المصادر والمراجع الت اعتمد عليها التقرير الصحفي:
المصدر القضائي: وثيقة قرار المحكمة الوطنية الإسبانية (Audiencia Nacional) – القاضي خوسيه لويس كالاما، يناير 2026.
التغطية الإخبارية الرسمية: وكالة الأنباء الإسبانية EFE ووكالة Europa Press.
التحقيقات التقنية: تقارير مختبر Citizen Lab المتخصص في أمن الاتصالات.
التقارير الحقوقية: ملف “مشروع بيغاسوس” الصادر عن منظمة Amnesty Internationa