“النسبية”
تحل اليوم الذكرى الثانية لرحيل الطفلة الفلسطينية هند رجب، تلك الصغيرة التي لم يتجاوز عمرها خمس سنوات، لكن صرختها عبر الهاتف “تعالوا خذوني!”، لا تزال تتردد في أروقة المنظمات الدولية، وتطرق أبواب ضمائر لم تستيقظ بعد. عامان مرّا، ولم يمحُ الوقت تفاصيل تلك الساعات الـثلاث التي قضتها هند وحيدة بين جثامين عائلتها، محاصرةً بالخوف والموت.
نداء من عتمة الحصار
في مثل هذه الأيام من عام 2024، لم تكن هند مجرد رقم في سجلات الضحايا، بل كانت صوتاً حياً يصارع الفناء. حينما استهدفت الدبابات الإسرائيلية مركبة عائلتها في “تل الهوى”، رحل الجميع وبقيت هند شاهدةً وحيدة. مكالمتها المسجلة مع الهلال الأحمر لم تكن مجرد طلب استغاثة، بل كانت إدانة علنية ومباشرة سُجلت على الهواء مباشرة، حيث امتزج صوت طفولتها المرتجف بأزيز الرصاص وصمت الموت المحيط بها.
اغتيال الأمل والإنقاذ
إن ذكرى هند رجب ليست مجرد تذكير بفقدان طفلة، بل هي تذكير باغتيال الإنسانية في أسمى صورها؛ فالمسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون، اللذان انطلقا بقلوب شجاعة لإنقاذها، تحولا هما أيضاً إلى شواهد على فظاعة المشهد. العثور على سيارة الإسعاف محطمة بجوار سيارة هند بعد 12 يوماً من الانتظار المرير، كشف للعالم أن الحماية الدولية لفرق الإغاثة كانت، في حالة غزة، مجرد حبر على ورق.
إرث هند: من غزة إلى جامعات العالم
لم تتوقف قصة هند عند حدود قطاع غزة. على مدار العامين الماضيين، أصبحت “هند” رمزاً عالمياً للمقاومة السلمية والعدالة المفقودة. رأينا اسمها يرتفع على لافتات الاحتجاج من نيويورك إلى باريس، وشهدنا طلاباً في كبرى جامعات العالم، مثل “كولومبيا”، يعيدون تسمية قاعاتهم باسمها، تأكيداً على أن الذاكرة عصية على النسيان، وأن دماء الصغار هي التي تكتب التاريخ الحقيقي.
صرخة لا تموت
اليوم، ونحن نستذكر هند، لا نبكيها كضحية فحسب، بل نستحضرها كقضية. إن تخليد روح هند رجب يتطلب أكثر من مجرد الكلمات؛ إنه يتطلب إصراراً على المحاسبة، ورفضاً لسياسة الإفلات من العقاب.
هند رجب لم تمت في تلك السيارة وحيدة.. لقد تركت لنا صوتاً يرفض الصمت، وذكراً لا يغيب، وعهداً بأن تظل قصتها منارةً لكل الباحثين عن الحرية والعدالة في هذا العالم.