المصطفى روض
في أول ليلة دخلت فيها إلى مطعم الفندق الدي أقمت فيه لكي أتناول وجبة عشاء بعاصمة قبرص، نيقوسيا. صادفتني مفاجأة رائعة، عندما وجدت نفسي محاطا برمزيات ثقافية أثارت دهشتي، وفتحت شهية تأملاتي التي سبقت شهية وجبة العشاء.
قبرص هي جزء من عالم الإغريق. ووجودي فيها لأول مرة بداية عام 1984 كان بطلب من رئيس تحرير مجلة الحرية، داوود تلحمي التي كنت عضوا في هيئة تحريرها المركزية، بغرض تأمين وصول المجلة من مقر مؤسستها الإعلامية المركزية بدمشق إلى مقر إدارتها بنيقوسيا التي تتكفل بتسليم المجلة لطبعها إلى مطبعة خاصة، كبيرة ورائعة بكل مقاييس الروعة لأنها حاضنة لكل المجلات الثقافية والسياسية للحركات التقدمية وفي مقدمتها المجلات الفلسطينية.
وجبة اللحم بالقوق
وهذه المطبعة كانت مشروعا ناجحا يعود الفضل فيه للحزب الشيوعي القبرصي “إكيل” مالكها الوحيد.
وانا جالس، وقف أمامي النادل بالمطعم ليسلمني لائحة وجبات الأكل، لم أستطع التعرف على أي من الوجبات المعروضة، فاعتمدت اختيارا عشوائيا لواحدة منها، ما أن رأيت مكوناتها عندما وضعها النادل فوق الطاولة حتى أحسست بشعور يمتزج فيه الأمان بالحنين وبشهية لا أستطيع وصفها، و الوجبة شبيهة مائة في المائة بوجبة اللحم بالقوق المغربية.
نبيذ عطيل مستوحى اسمه من مسرحية شكسبير
المفاجأة الثانية كانت في اسم نوع النبيذ الدي رمقته في لائحة المشروبات، وهو ما رفع من منسوب دهشتي، كان الاسم يتصدر باقي المشروبات وقرأته بهدوء مع إعادة القراءة حتى أتيقن من دهشتي وأصدقها: “نبيد عطيل” ( أوتيلو). استفسرت عامل المطعم، فأكد توفرهم على هدا النبيذ، وكان شربه مع أكلة اللحم بالقوق يعطيني إحساسا بتكاثف الرمزيات الثقافية. وعطيل، كما هو معروف الشخصية العسكرية المغربية التي وظفها الكاتب الإنجليزي وليام شكسبير في عمله المسرحي التراجيدي يحمل عنوانه نفس الاسم، والشركة التي انتجت هذا النوع من النبيذ اعتمدت اسم عطيل بوازع ثقافي لتشجيع السياحة في قبرص.
الرمزيات الثقافية ضاعفت من دهشتي ومن سحر اللحظة
وكنت أجد نفسي في تلك الليلة قبل أن أنهي العشاء وأخرج لاكتشاف عوالم قبرص، محاطا بأكلة مغربية ومزهوا بالكاتب البريطاني الكبير شكسبير من خلال اسم النبيذ عطيل، وبمكان الفندق الذي يحمل اسم الكندي فيلسوف العرب، مما كان يضاعف من دهشتي ومن سحر اللحظة التي استمتعت بها وكنت مع نفسي أشكر الرفيق داوود تلحمي على اقتراحه بإرسالي إلى قبرص.
قبرص: قيثارة أم بندقية هو عنوان التحقيق الدي نشرته أنوال عام 1988
كانت تلك اللحظة توحي لي باختلاط عبق التاريخ برائحة البحر ونبيذ عطيل والفلسفة. كما كانت اللحظة بداية مفتوحة على سفريات عديدة من دمشق إلى نيقوسيا سمحت لي لاحقا باكتشاف هذا البلد اليوناني المحتوي على مغريات ثقافية وسياسية عديدة، قمت على أساسها عام 1988 بنشر تحقيق مطول في جزئين بصحيفة “أنوال” تحت عنوان “قبرص: قيثارة أم بندقية..!؟”. وكان هدفي من التحقيق هو التعريف بالإشكالية القبرصية وبطبيعة احتلال شمالها من قبل تركيا انطلاقا مما تراكم لدي من معلومات دقيقة خلال العديد من الرحلات إليها.
طرافة وضعها الجغرافي
قبرص التي كانت بالنسبة لي عام 1984 ذلك المجهول الذي لم يتعرض للاكتشاف بعد، تنفرد بطرافة وضعها الجغرافي، فبمجرد رؤيتها ضمن الخارطة يتراءى لنا شكلها المغري وهو شبيه إلى حد كبير بالقيثارة. وهذا الشبه يعززه صدى الموسيقى اليونانية الساحرة التي تحتل فيها القيثارة موقع الطليعة وهو صدى طاغ في شوارعها، كما في منازلها ومطاعمها وساحاتها العمومية.
وقبل اندلاع الحرب الاهلية اللبنانية وافتعال مخطط تفتيت الوحدة الوطنية القبرصية، كانت تعد من الجزر التي تنعم بالهدوء وبالبعد عن الصراعات الدولية، وهي ميزة كانت تحسد عليها من قبل جاراتها في شرق حوض البحر المتوسط.
باتت نقطة نقطة تجاذب استراتيجي
الوضع الجغرافي لجزيرة قبرص جعلها محورا استراتيجيا في قلب شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، فهي كانت راسية في البحر مثل زورق، تلفها مجموعة دول عربية آسيوية، وعربية افريقية، وأوروبية. وباتت في الحقيقة نقطة تجاذب استراتيجي مباشر من الناحية السياسية بين تركيا واليونان والكيان الصهيوني والدول العربية، وآخر غير مباشر، بين دول أخرى ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والاتحاد السوفياتي، إلا أنها بعد أقل من عقد أصبحت لها مميزات أخرى على المستوى الاقتصادي والسياحي لتتحول إلى نقطة جذب للاستثمارات العربية، حيث استفادت من الحرب الأهلية اللبنانية التي اضطرت المستثمرون العرب واللبنانيون إلى نقل أموالهم ومشاريعهم إلى قبرص، ما جعلها أكثر بروزا وذات أهمية قصوى مع انتعاش كبير لاقتصاد البلد.
يتبع في الحلقة القادمة