“النسبية”
نجح الرئيس الأمريكي في تركيع العديد من رؤساء الأنظمة العربية وتحويلهم إلى تابعين ومؤيدين لسياساته الاستبدادية العدوانية على مصالح الشعوب ضدا على قوانين الشرعية الدولية، ومع دلك تقدم لنا الساحة السياسة الدولية نماذج مشرقة من من رؤساء يمثلون اليسار الواقعي والوطني الدين خاضوا معارك طاحنة ضد ترامب حتى أنه عجز كليا عن تركيعهم، فاضطرا إلى رفع الراية البيضاء أمامهم وتغيير سلوكه ونظرته إليهم.
ثلاث جبهات في مواجهة عهد ترامب
في وقت يعود فيه شبح “أمريكا أولاً” ليخيم على المشهد السياسي العالمي، تبرز ثلاث شخصيات قيادية كأصوات جادة في مجموعات الاعتراض الدولية والمحلية. من جبال الأنديز في كولومبيا، مروراً بالقصر الوطني في المكسيك، وصولاً إلى شوارع نيويورك الصاخبة، يرسم كل من غوستافو بيترو، كلوديا شينباوم، وزهران ممداني، ملامح مقاومة سياسية تتجاوز الحدود الجغرافية لتصطدم مباشرة مع رؤية دونالد ترامب للعالم.

ممداني-نيويورك-زهران-عمدة.avif
جبهة الجنوب: بيترو والصدام الأيديولوجي
لم يتردد الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، في نقل الخلاف مع ترامب إلى مناطق فلسفية وتاريخية وعرة. بالنسبة لبيترو، لا يمثل ترامب مجرد خصم سياسي، بل هو تهديد وجودي للقارة وللكوكب. لقد وضع بيترو يده على الجرح النازف: التغير المناخي؛ ففي حين يرى ترامب في “الذهب الأسود” طريقاً للعظمة، يراه بيترو طريقاً للفناء، مؤكداً أن الجدران الحدودية لن توقف بشراً يفرون من أرض لم تعد صالحة للعيش. وبنبرة لم تخلو من القسوة، حذر بيترو من انبعاث “فاشية جديدة” تقتات على كراهية الأجانب، واضعاً كولومبيا في خندق المدافع عن كرامة أمريكا اللاتينية أمام ما وصفه بـ “الغطرسة الإمبراطورية”.
”جبهة الجوار: شينباوم ودبلوماسية “الخط الأحمر
على النقيض من النبرة الثورية لبيترو، تمارس الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم نوعاً من المقاومة المؤسسية الهادئة ولكنها صلبة. شينباوم تدرك أن لغة الأرقام هي الوحيدة التي قد يفهمها ترامب، لذا جاء ردها على التهديد بالرسوم الجمركية واضحاً: “الضرر سيمتد للجميع”. إنها ترفض بذكاء تحويل المكسيك إلى ساحة لتصفية الحسابات الانتخابية الأمريكية، معلنةً أن السيادة المكسيكية ليست ورقة للمقايضة، وأن التدخل العسكري تحت ذريعة محاربة الكارتيلات هو “خط أحمر” لا يمكن تجاوزه. شينباوم تمثل صوت العقل في مواجهة الاندفاع، مؤكدة أن التعاون الاقتصادي لا يعني التبعية السياسية.
جبهة الداخل: ممداني والتمرد من قلب الحصن
أما زهران ممداني، عمدة نيويورك المنتخب، فهو يمثل الصداع الداخلي الأكثر إزعاجاً لسياسات ترامب. من قلب “المدينة التي لا تنام”، يقود ممداني تمرداً مدنياً يهدف إلى جعل نيويورك “قلعة حصينة” للمهاجرين. بالنسبة لممداني، المعركة ليست عبر الحدود، بل في أزقة بروكلين وكوينز. بوصفه ترامب بـ “المستبد”، أعلن ممداني بوضوح أن شرطة مدينته لن تكون ذراعاً لترحيل الجيران والأصدقاء، واضعاً الأجندة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية كدرع واقي ضد ما يراه سياسات تخدم الأثرياء على حساب الكادحين.
إن هؤلاء القادة الثلاثة، رغم تباين مواقعهم، يشتركون في رفض مشترك قاطع لسياسة الإقصاء والقوة المفرطة. إنهم يذكرون العالم بأن القوة العسكرية والاقتصادية لترامب ستصطدم دوماً بجدران من الصمود الأيديولوجي، والكرامة الوطنية، والتضامن الإنساني. إنها مواجهة بين رؤيتين للعالم: واحدة تبني الجدران، وأخرى تصر على أن المستقبل يُبنى بالعدالة والتعاون.