مع نشر ملفات جديدة، يبلغ مجموعها حوالي 6 ملايين وثيقة وصورة وفيديو، تتكشف التجاوزات التي دبرها جيفري إبستين وأصدقاؤه من ذوي النفوذ السياسي والاقتصادي.
تتجاوز قضية جيفري إبستين مجرد كونها شبكة للاتجار بالجنس، لتكشف عن بنية منهجية للإفلات من العقاب والفساد، مرتبطة بأعلى مستويات النفوذ السياسي والمالي في الغرب. تكشف الملفات التي رُفعت عنها السرية مؤخرًا – والتي تضم ملايين الصفحات من الوثائق وسجلات الرحلات الجوية ورسائل البريد الإلكتروني – عن شبكة كانت تعمل على مرأى ومسمع من الجميع.
أصبح اسم جيفري إبستين مرادفًا لواحدة من أحلك وأخطر الفضائح في عالم الأثرياء وأصحاب النفوذ. نسج إبستين، الممول وأحد أبرز الشخصيات في المجتمع الأمريكي الراقي، شبكةً للاتجار بالجنس بالقاصرات لسنوات، مستغلاً إياهن وعرضهن على رجال أعمال وسياسيين ومشاهير، وحتى أفراد من العائلات المالكة. وتضم قائمة المتورطين، من بين آخرين، أسماءً مثل الأمير أندرو، وبيل كلينتون، ودونالد ترامب، ومئات من رجال الأعمال والشخصيات السياسية.
من هو إبستين وكيف كان يدير أعماله؟
لم يبنِ إبستين إمبراطوريته من خلال الاستثمارات فحسب، بل بفضل شبكة علاقات واسعة أيضاً. استخدم قصره في نيويورك، وجزيرته الخاصة في الكاريبي، وعقارات أخرى كمسرح لحفلات تُرتكب فيها جرائم الاعتداء الجنسي. كانت طريقة التجنيد بسيطة ووحشية: بالتعاون مع شريكته ومساعدته غيسلين ماكسويل، كان يجند فتيات صغيرات، موهماً إياهن بوعود وظائف أو منح دراسية، ثم يستغلهن ويحافظ على سلطته وصمته.
تشير تحليلات الوثائق إلى أن إبستين كان يعمل كـ”عميل سري”، حيث سهّل ليس فقط اللقاءات الجنسية، بل أيضًا غسيل الأموال والتهرب الضريبي والضغط الدولي المتعلق بالنزاعات المسلحة وصفقات الأسلحة.
ومن أبرز ما ورد في الوثائق
سجلات رحلات ترامب. تُظهر وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي أنه سافر على متن طائرة إبستين الخاصة ثماني مرات على الأقل بين عامي 1993 و1996، مما يناقض إنكاره السابق. يُضاف هذا إلى وثائق سابقة تحتوي أيضًا على أدلة تُثبت العلاقة بين المتحرش بالأطفال ورئيس الولايات المتحدة.
كما ذُكر اسم إيلون ماسك، ونُشرت عدة رسائل بريد إلكتروني من عامي 2012 و2013 تُظهر محاولات مالك شركة تسلا ترتيب زيارات إلى جزيرة إبستين، بل وسأل عن “أكثر الحفلات صخبًا”.
ويظهر في الملفات أيضًا بيتر ثيل، الرئيس التنفيذي البارز في وادي السيليكون، وهو من دعاة تفوق العرق الأبيض ويصف نفسه بأنه “ليبرتاري”، داعيًا إلى “تحويل العالم إلى فوضى”.
اتفاقية الإفلات من العقاب
على الرغم من الأدلة، تمكن إبستين من الإفلات من العقاب لسنوات بفضل علاقاته السياسية والاقتصادية. في عام 2008، أبرم صفقة إقرار بالذنب فاضحة في فلوريدا: عقوبة مخففة وإمكانية تجنب التهم الفيدرالية، بينما تجاهل النظام القضائي الضحايا. لم يُقبض عليه إلا في عام 2019، لكن انتحاره المزعوم في زنزانة شديدة الحراسة – في ظروف مريبة للغاية – رسّخ اتفاقية الإفلات من العقاب للعديد من المتورطين.
الملفات الأخيرة: المزيد من الأسماء، المزيد من التستر
في الأشهر الأخيرة، ظهرت ملفات محكمة جديدة متعلقة بالقضية. تتضمن هذه الملفات شهادات من الضحايا وتفاصيل عن كيفية عمل الشبكة، مضيفةً أسماءً ومسؤوليات إلى القائمة الطويلة من المتواطئين والشهود المحتملين. لكن نشر هذه الوثائق كان، مرة أخرى، متحيزًا وفوضويًا، وانتهى بإعادة إيذاء من تجرأوا على الإدلاء بشهادتهم. عمليًا، إن نشر هذه الملفات – بدلًا من ضمان الشفافية – يؤكد التستر الممنهج الذي يحمي أصحاب النفوذ.
إبستين والنظام: تواطؤ بنيوي
كشف النظام القضائي الأمريكي، كما في العديد من القضايا الأخرى، عن وجهه الحقيقي: حماية المتنفذين وإعادة إيذاء الضعفاء. العقوبة الحقيقية الوحيدة حتى الآن طالت ماكسويل، بينما بقي أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي الأكبر أحرارًا دون عقاب.
يحدث كل هذا في سياق يعاني فيه اليمين، بقيادة ترامب وحلفائه، من أزمة عميقة نتيجة الانقسامات داخل حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” نفسها، وهو تحالف غذّت فيه نظريات المؤامرة المتعلقة بـ”الدولة العميقة” المتشددين اليمينيين المتطرفين الذين اعتقدوا أن الديمقراطيين وحدهم متورطون في هذه الشبكات، والذين يرون الآن كيف تورط ترامب أيضًا، وكيف بذل قصارى جهده لمنع نشر الملفات.
المصدر: “يومية اليسار” اللاتينية