افتتاحية “النسبية“
في ساحة الدبلوماسية الدولية المزدحمة بلغة المواربة والحلول الوسط، قلة هم الذين يجرؤون على التحدث بلغة الحقائق المجردة. تجد المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، نفسها اليوم في قلب عاصفة سياسية تقودها قوى غربية كبرى تطالب بإقصائها. لكن المتمعن في المشهد يدرك أن ما يجري ليس محاكمة لكفاءتها المهنية، بل هو محاولة بائسة لمعاقبة شجاعتها في توثيق ما وصفته، بالأدلة القانونية، بأنه “إبادة جماعية” مستمرة.
التشكيك في النزاهة
إن الهجوم المنسق الذي تقوده دول مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة – والتي ذهبت الأخيرة إلى حد فرض عقوبات شخصية عليها – يمثل ظاهرة خطيرة. فعندما تعجز الدول عن دحض التقارير القانونية الرصينة، مثل تقريرها الشهير “تشريح الإبادة الجماعية”، فإنها تلجأ إلى اغتيال الشخصية والتشكيك في النزاهة. إن المطالبة برحيل ألبانيز هي، في جوهرها، محاولة لإغلاق عين الأمم المتحدة التي تراقب الجرائم في غزة والضفة الغربية.
هاجمت “النظام العالمي” الذي يسمح باستمرار المذابح
اتخذ الخصوم من تصريحاتها الأخيرة في منتدى الدوحة (فبراير 2026) ذريعة لتصعيد الهجوم، متهمين إياها بمعاداة السامية أو “النشاط السياسي”. إلا أن قراءة منصفة لكلامها توضح أنها لم تستهدف شعباً أو دولة بحد ذاتها، بل هاجمت “النظام العالمي” الذي يسمح باستمرار المذابح ويوفر الغطاء العسكري والمالي لها. إن تحريف كلماتها هو جزء من استراتيجية قديمة تهدف لخلط النقد السياسي بالتحريض، لإسكات أي صوت يجرؤ على مساءلة الاحتلال.
الاستقلالية خط الدفاع الأخير
فرانشيسكا ألبانيز ليست موظفة لدى الحكومات، ولا هي دبلوماسية تبحث عن إرضاء العواصم؛ إنها خبيرة مستقلة وظيفتها الأساسية هي الانحياز للضحايا وللقانون الدولي. وبينما تضغط حكومات لإقالتها، تتعالى أصوات حرة حول العالم، ومنظمات حقوقية كبرى، بل وترشيحات لـ جائزة نوبل للسلام لعام 2026، اعترافاً بدورها كصوت لمن لا صوت لهم.
سابقة تاريخية مريرة
إن الرضوخ للضغوط الرامية لإقالة ألبانيز سيشكل سابقة تاريخية مريرة، تعلن رسمياً نهاية استقلالية خبراء الأمم المتحدة وتحولهم إلى أدوات في يد القوى الكبرى. الدفاع عن ألبانيز اليوم ليس دفاعاً عن شخصها فحسب، بل هو دفاع عما تبقى من أخلاقيات القانون الدولي في مواجهة منطق القوة الغاشمة. في عالم يبدو أنه فقد بوصلته، تظل نزاهة ألبانيز تذكيراً حياً بأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، لا يمكن إقالتها أو مصادرتها.
