فاطمة الزهراء محفوظ
يأتي الكتاب الشذري لسناء حضراني الموسوم ب”أ سولت لكم أنفسكم” بوصفه تمرينًا على قول ما يتعذّر قوله دفعة واحدة. إنه نصّ يتكوّن من جمل قصيرة، مكثّفة، حادّة أحيانًا، وساخرة أحيانًا أخرى، تحفر معناها ببطء في الذاكرة والوجدان، وتراكم أثرها بدل أن تستهلكه. لا يدّعي الكتاب اكتمالًا ولا يزعم امتلاك حقيقة نهائية، بل يقدّم نفسه كمساحة اعتراف وتأمل، حيث الألم الشخصي يتقاطع مع أسئلة أوسع عن الذات، المجتمع، الصمت، والخسارة.
كتبت الشاعرة الصاعدة سناء حضراني هذا العمل على مهل، عبر سنوات من الإصغاء للذاكرة، ومحاولة ترويض اللغة لتقول القليل الذي يلمّح إلى الكثير. مراهنة على اقتصاد العبارة وقوة الإيحاء، وهو ما يمنح القارئ دورا أساسيًا في إتمام المعنى، عبر التأمل والتخيّل وربط الشذرات بخبرته الخاصة. حيث تغدو الشذرة اختيارًا جماليًا وفلسفيًا، وموقفًا من العالم ومن الكتابة نفسها
يصدر هذا الكتاب الشذري بوصفه عملًا كتابيًا يراهن على الاختزال كخيار جمالي وفلسفي واعٍ. لا يتقدّم إلى القارئ باعتباره نصًا مكتمل البنية أو محكم الحبكة، بل كفسيفساء من الشذرات، الجمل القصيرة، الومضات الفكرية والوجدانية التي كُتبت على مهل، وتخمّرت في الذاكرة لسنوات، قبل أن تجد طريقها إلى الصفحة. هنا، لا تُقرأ النصوص متتابعة بقدر ما تُستدعى، ولا تُستهلك بسرعة بقدر ما تُعاد قراءتها، لأن كل شذرة تقوم مقام سؤال، أو جرح مفتوح أو اعتراف مؤجَّل.
الكتاب هو، في جوهره، تمرين على الصدق اللغوي، وعلى مواجهة الذات من دون أقنعة. يكتب صاحبته من منطقة هشّة، حيث يتجاور الألم الشخصي مع تأملات أوسع في المجتمع، الصمت، الخيبة، الفقد، والعلاقة الملتبسة بين الفرد والعالم. لذلك، لا يسعى النص إلى إرضاء القارئ أو مواساته بطمأنينة جاهزة، بقدر ما يدعوه إلى المشاركة في القلق، وإلى إكمال ما لم يُقَل، وملء البياضات التي تتركها الجملة القصيرة عمدًا.
أسلوبيًا، ينخرط الكتاب في ما يمكن تسميته «حرب الجملة القصيرة»: لغة متقشّفة، مشحونة، ساخرة أحيانًا، وقاسية حين يلزم الأمر. السخرية كأداة لفضح الألم، وتفكيك مسلّماته، وتعرية ما استقرّ في الوعي الجمعي من عادات لغوية وفكرية ميتة. أما التكثيف، فلا يعمل على تزيين العبارة، بل على شحنها بطاقة دلالية تجعلها تواصل اشتغالها في ذهن القارئ بعد الانتهاء من القراءة.
فالشذرة، كما يقترح النص، هي الشكل الأكثر صدقًا للتعبير عن زمن متشظٍ، ووعي مكسور، وحياة لا تُعاش في سرديات كبرى متماسكة، بل في لحظات متقطّعة، خاطفة، ومتناقضة. من هنا، يرفض الكتاب الوهم القديم القائل إن المعنى يجب أن يكون كاملًا، واضحًا، ومغلقًا، ويفتح بدلًا من ذلك أفقًا للتأويل، والاختلاف، والتعدد.
هذا عمل موجّه إلى قارئ يقبل المخاطرة، ويرى في القراءة فعل مشاركة وفي الكتابة أثرًا إنسانيًا لمواجهة العجز، والصمت، والخوف من الكلام. إنه كتاب يمكن قراءته من أي صفحة، والعودة إليه في أي وقت، حيث تتقاطع شذراته مع شذرات حياة كل قارئ على حدة