“النسبية”
ليست العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على مسؤولين في حكومة الشيلي مجرد خلاف دبلوماسي أو نزاع تقني حول مشاريع الاتصالات، بل هي تعبير مباشر عن العنف البنيوي للنظام الرأسمالي العالمي، حين يسعى إلى حماية مصالحه واحتكاره لوسائل الإنتاج الجديدة: المعرفة والتكنولوجيا والبنية الرقمية.
إن ما نشهده اليوم هو تجلٍّ واضح لمنطق الإمبريالية في مرحلتها المعاصرة؛ حيث لم تعد الهيمنة تُفرض فقط عبر الجيوش والأسواق، بل عبر السيطرة على تدفقات البيانات وشبكات الاتصال والبنية التحتية التي تحدد شروط الإنتاج الاقتصادي العالمي. إنها، بلغة الاقتصاد السياسي، معركة على ملكية وسائل الإنتاج الرقمية في عصر العولمة.
الإمبريالية الرقمية وإعادة إنتاج التبعية
تحت شعار “الأمن القومي”، تدافع القوى الكبرى عن احتكارها للتكنولوجيا وعن حقها في فرض التبعية على الدول الواقعة في أطراف النظام العالمي. فحين تحاول دولة ما تنويع شركائها أو بناء استقلالها التكنولوجي، تواجه فورًا آليات الضغط والعقاب.
هذا هو المنطق ذاته الذي حكم الرأسمالية منذ نشأتها:
تركيز الثروة في المركز
إخضاع الأطراف اقتصاديًا
ضمان تدفق فائض القيمة من الجنوب إلى الشمال.
والفرق الوحيد أن السيطرة انتقلت من المصانع والمواد الخام إلى البيانات والمعرفة والبنية الرقمية.
وهم السيادة داخل النظام الرأسمالي
تؤكد حكومة الرئيس غابرييل بوريك حقها في اتخاذ قراراتها الاقتصادية المستقلة، لكن الأزمة تكشف حقيقة جوهرية: السيادة الوطنية في ظل الرأسمالية العالمية تظل سيادة مشروطة بميزان القوة، لا بحرية القرار.
فالنظام الذي يرفع شعار السوق الحرة لا يقبل حرية الآخرين عندما تهدد مصالحه، ويحوّل أدوات الاقتصاد إلى وسائل للإخضاع السياسي.
صراع تاريخي مفتوح
إن ما يحدث مع دولة الشيلي ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من صراع عالمي بين منطقين متناقضين: منطق رأس المال العالمي الذي يسعى إلى توسيع هيمنته بلا حدود، ومنطق الشعوب الساعية إلى التحرر من علاقات الاستغلال والتبعية.
وفي هذا السياق، تصبح التكنولوجيا نفسها ساحة للصراع الطبقي على المستوى الدولي، حيث يتحدد مستقبل الشعوب بقدرتها على السيطرة على أدوات إنتاجها المادي والمعرفي.
الرأسمالية في مرحلتها الراهنة
تكشف هذه العقوبات أن الرأسمالية في مرحلتها الراهنة لم تتخلَّ عن جوهرها الاستغلالي، بل أعادت تشكيل أدواته في صورة رقمية أكثر تعقيدًا. وبينما تسعى قوى الهيمنة إلى احتكار المستقبل، تظل معركة الشعوب من أجل السيادة الاقتصادية والتكنولوجية جزءًا من نضال تاريخي أوسع من أجل عالم أكثر عدلًا، تتحرر فيه التنمية من منطق الربح وتُستعاد فيه الكرامة الإنسانية من قبضة رأس المال.