الافتتاحية:
لا يمكن اختزال التلاسن الأخير بين الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، والملياردير التقني إيلون ماسك في إطار “خلاف عابر” على منصات التواصل الاجتماعي. إن ما نشهده في فبراير 2026 هو تجسيد فج للصراع التاريخي بين الدولة الوطنية (كجهاز لإدارة التوازنات الطبقية) وبين رأس المال المالي والتقني المعولم الذي يسعى لفرض إرادته فوق إرادة الشعوب وسيادة القانون.
إيلون ماسك: “الكومبرادور” الرقمي
يمثل إيلون ماسك النموذج الأكثر تطرفاً لـ “البرجوازية التكنولوجية” التي لم تعد تكتفي باستغلال قوة العمل، بل تسعى لامتلاك “البنية الفوقية” (الإعلام، والوعي الجمعي). اتهاماته لشينباوم بالتبعية للكارتيلات ليست نابعة من حرص أخلاقي، بل هي أداة إرهاب أيديولوجي.
من وجهة نظرنا، فإن ماسك يستخدم منصته (X) كأداة للإنتاج الذهني لزعزعة استقرار أي نظام سياسي يحاول – ولو نظرياً – فرض قيود بيئية أو حقوقية على استثماراته. إن هجومه على شينباوم هو محاولة “لتأديب” الدولة المكسيكية، وإرسال رسالة مفادها أن تدفقات رأس المال (مصنع تيسلا في نويفو ليون) مشروطة بالولاء السياسي المطلق لمصالح الاحتكارات الكبرى.
الاقطاع الرقمي
على الجانب الآخر، تجد شينباوم نفسها في مأزق بنيوي. فهي من جهة تمثل مشروع “التحول الرابع” الذي يرفع شعارات السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية، ومن جهة أخرى، تظل دولتها رهينة للتبعية الاقتصادية للنظام الرأسمالي العالمي.
إن تهديد شينباوم بمقاضاة ماسك هو محاولة لاستعادة هيبة الدولة أمام تغول “الإقطاع الرقمي”. ومع ذلك، يظل هذا الرد حبيس الأدوات القانونية البرجوازية التي صُممت أساساً لحماية الملكية الخاصة والنفوذ الرأسمالي. إن السخرية التي أبداها ماسك تجاه التهديد بالمقاضاة تعكس وعيه الطبقي بأن “سلطة المال” في النظام العالمي الحالي غالباً ما تسمو فوق “سلطة المحاكم” الوطنية.
الأرض والعمل كرهينة
إن تجميد بناء مصنع تيسلا هو المثال الصارخ على “ديكتاتورية الاستثمار”. هنا، يتحول العمال المكسيكيون والأرض المكسيكية إلى “بضاعة” في سوق المضاربات السياسية. ماسك لا يبيع السيارات فحسب، بل يبيع “الوعد بالتنمية” مقابل التنازل عن السيادة. وعندما لا تتماشى السياسة الوطنية مع أهوائه أو مع تحالفاته مع اليمين المتطرف في واشنطن، يسحب “رأس المال” ليترك وراءه فراغاً اقتصادياً، مما يكشف هشاشة النموذج التنموي القائم على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر كحل وحيد.
صراع الطبقات في الفضاء السيبراني
إن هذا النزاع يعري حقيقة أن الرأسمالية في مرحلتها الحالية لا تقبل بوجود “شركاء”، بل تريد “أتباعاً”. إن هجوم ماسك على شينباوم هو هجوم على فكرة أن الشعب – عبر ممثليه – يملك الحق في تقرير مصيره الاقتصادي.
الحل إدن من منظورنا، لا يكمن في ربح قضية تشهير في المحاكم، بل في فك الارتباط مع التبعية التكنولوجية والرأسمالية التي تسمح لفرد واحد، مهما بلغت ثروته، بتهديد استقرار دولة بأكملها بتغريدة. الصراع الحقيقي ليس بين “كلوديا” و”إيلون”، بل بين ضرورة التحرر الوطني والاجتماعي وبين التوحش الرأسمالي العابر للحدود.