“النسبية”
بينما كانت العواصم الأوروبية تتشدق لسنوات بـ “الاستقلال الاستراتيجي” و”القيم الإنسانية”، جاء البيان المشترك لفرنسا وألمانيا
وبريطانيا ليسقط ورقة التوت الأخيرة.
إن إعلان باريس وبرلين ولندن استعدادها للمشاركة العسكرية المباشرة إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على إيران ليس “دفاعاً عن المصالح” كما يزعمون، بل هو انبطاح كامل أمام إدارة دونالد ترامب وتواطؤ مفضوح في توسيع رقعة الإبادة الجماعية لتشمل طهران بعد غزة وبيروت.
نفاق “القيم” وصمت القبور
من المثير للسخرية والاشمئزاز في آن واحد أن نرى القادة الأوروبيين —ماكرون، ميرز، وستارمر— يتحدثون عن “تدمير الصواريخ في مهدها” لحماية الاستقرار، بينما ظلت صواريخ الاحتلال الإسرائيلي، وبدعم لوجستي وتقني أوروبي، تحصد أرواح المدنيين الفلسطينيين في غزة لسنوات دون أن تحرك هذه العواصم ساكناً.
أين كانت هذه “التحركات الدفاعية” عندما انتهكت إسرائيل كل الخطوط الحمراء للقانون الدولي؟ الإجابة واضحة: السياسة الأوروبية ليست سوى ملحق تابع للبيت الأبيض، ومظلة لحماية المشروع الاستعماري في المنطقة.
الهرولة خلف “الكاوبوي” ترامب
يبدو أن الرعب الذي يثيره دونالد ترامب في قلوب القادة الأوروبيين قد أفقدهم ما تبقى من كرامة سياسية. بدلاً من أن تقود أوروبا جهود التهدئة ومنع اشتعال حرب إقليمية قد تحرق الأخضر واليابس، اختارت الهرولة خلف “الكاوبوي” الأمريكي لتثبت ولاءها، حتى لو كان الثمن المشاركة في جريمة عدوان صريحة ضد دولة ذات سيادة.
إن الانبطاح الأوروبي لعام 2026 يتجاوز التبعية الاقتصادية؛ إنه إفلاس أخلاقي. فبرلين، التي تصر على تكفير ذنوب الماضي عبر دعم إبادة الحاضر، ولندن التي لا تزال تعيش أوهام الإمبراطورية، وباريس التي فقدت بوصلتها السياسية، جميعهم اليوم شركاء في “هولوكوست إقليمي” جديد يتم الإعداد له تحت ذريعة “الأمن الوقائي”.
تواطؤ مع آلة القتل الإسرائيلية
لا يمكن فصل هذا التصعيد ضد إيران عن المشهد في فلسطين المحتلة. إن انضمام أوروبا للحلف الأمريكي-الإسرائيلي هو مكافأة لدولة الاحتلال على جرائمها، وإشارة خضراء للاستمرار في تصفية القضية الفلسطينية عبر إشغال العالم بحروب كبرى.
إن الشعوب الأوروبية التي تخرج إلى الميادين والشوارع تعبيرا عن رفضها للحرب تدرك ما لا يريد قادتها إدراكه: أن هذه الحرب ليست “دفاعية”، بل هي حرب للهيمنة، وحرب لتثبيت أنظمة الفصل العنصري، وحرب تخدم طموحات ترامب الانتخابية وجنون اليمين الإسرائيلي المتطرف.
التاريخ لن يرحم الضعفاء
سيسجل التاريخ أن أوروبا في عام 2026 لم تفشل فقط في حماية السلام العالمي، بل اختارت بوعي كامل أن تكون “الكلب الوفي” في حلف يسعى لتركيع الشعوب وتدمير الدول. إن هذا التحالف ليس حلفاً للقيم، بل هو “نادي المعتدين” الذي يضع المصلحة الامبريالية فوق جثث الأبرياء.