مكتب “النسبية” بارشلونة
لم يكن إعلان يولندا دياز في مؤخرا عن انسحابها من السباق نحو رئاسة الحكومة في انتخابات 2027 مجرد خبر عابر في شريط الأنباء، بل كان زلزالاً سياسياً أعاد رسم خارطة القوى التقدمية في إسبانيا. فبعد سنوات من الرهان على “ظاهرة دياز” كقوة ناعمة قادرة على تجميع الشتات، يجد اليسار نفسه اليوم أمام مرآة الحقيقة: هل يمكن لمشروع سياسي أن ينجو بعد غياب “أيقونته”؟
نهاية عصر “التفويض المطلق”
لقد شكلت تجربة “سومار” (Sumar) محاولة طموحة لتقديم يسار “هادئ” ومؤسساتي، لكنها سقطت في فخ المركزية المفرطة والارتباط العضوي بشخصية دياز. اليوم، ومع بروز تحالف “خطوة إلى الأمام”، يبدو أن الدرس قد استوعب جيداً. التحالف الجديد، الذي يضم “اليسار الموحد” و”ماص مدريد” و”الكومونس” و”حركة سومار”، لا يسعى فقط لملء الفراغ، بل لإحداث قطيعة مع “شخصنة السياسة”.
إن الرهان الحالي ينتقل من البحث عن “مخلص” إلى بناء “هيكل كونفدرالي” يحترم الخصوصيات الإقليمية (من كتالونيا إلى مدريد) ويمنح الأحزاب التقليدية والمنظمات القاعدية صوتاً متساوياً في صنع القرار.
شبح التشتت وقلق “بوديموس”
لا يمكن قراءة مستقبل هذا التحالف دون التوقف عند “الغائب الحاضر”: حزب بوديموس. إن الجهود التي يقودها وسيط مثل غابرييل روفيان (زعيم حزب اليسار الجمهوريي الكطلاني ) تدرك أن أي انقسام في صناديق الاقتراع يعني “هدية مجانية” لليمين واليمين المتطرف. لكن الوحدة لا يمكن أن تُبنى على أنقاض الهوية السياسية؛ فبوديموس يخشى الذوبان، والتحالف الجديد يخشى “الراديكالية التي تنفر الناخب الوسطي”.
إن بناء “برنامج الحد الأدنى” المشترك — الذي يركز على أزمة السكن الخانقة، وتقليص ساعات العمل إلى 32 ساعة أسبوعياً، والعدالة المناخية — هو الخيط الوحيد الذي يمكن أن يربط هذه المكونات المتنافرة.
القيادة الجماعية: رهان محفوف بالمخاطر
تطرح بورصة الأسماء شخصيات مثل بابلو بوستيندي كخيار توافقي. بوستيندي، شخصية أكاديمية رصينة وله قدرة هائلة على الحوار، يمثل نقيضاً للصدام. ومع ذلك، فإن التحدي لا يكمن في “من يقود”، بل في “كيف يقود”. إن الانتقال إلى “القيادة الجماعية” هو تجربة ديمقراطية شجاعة، لكنها قد تتحول إلى شلل إداري إذا لم يتم وضع ميثاق داخلي صارم للنزاعات.
رحيل يولاندا دياز “نعمة متنكرة”
إن رحيل يولندا دياز عن الواجهة الانتخابية قد يكون “نعمة متنكرة”. لقد انتهى زمن الرهان على الكاريزما الفردية، وبدأ زمن المؤسسات. إذا نجح اليسار الإسباني في تحويل “خطوة إلى الأمام” من مجرد رد فعل دفاعي إلى مشروع وطني يلمس هموم المواطن البسيط في القرى والمدن، فإنه لن يحافظ على بقائه فحسب، بل سيعيد تعريف معنى “السياسة الجماعية” في أوروبا بأكملها.
إسبانيا اليوم لا تحتاج إلى “يولندا دياز ثانية”، بل تحتاج إلى يسار يثق في برامجه أكثر من ثقته في صوره على الملصقات الانتخابية.