“النسبية”
لم يعد الصراع بين روبرت دي نيرو ودونالد ترامب مجرد “خناقة” عابرة بين مشهورين، بل تحول إلى عرض تراجيدي يختصر حالة الانقسام التي تعيشها أمريكا. نحن أمام مواجهة فريدة من نوعها؛ حيث يلتقي “العراب” الذي جسد أدوار رجال العصابات ببراعة، مع رئيس يراه الممثل “عصابة في رجل واحد”.
تجاوز الخطوط الحمراء
في العادة، يكتفي نجوم هوليوود بتصريحات دبلوماسية أو دعم مادي للحملات الانتخابية، لكن دي نيرو كسر هذا البروتوكول منذ عام 2016. إن اندفاعه العاطفي، الذي وصل إلى حد التعبير عن رغبته في “لكم” ترامب، يعكس إحباطاً عميقاً لدى النخبة الثقافية التي ترى في ترامب “دخيلاً” لوّث المشهد السياسي.
من وجهة نظري، دي نيرو لا يهاجم ترامب السياسي فقط، بل يهاجم “النسخة المشوهة” من الشخصيات التي طالما برع في تمثيلها. بالنسبة له، ترامب ليس بطلاً تراجيدياً، بل هو “نرجسي” يفتقر إلى ميثاق الشرف الذي تتمتع به حتى الشخصيات الإجرامية في أفلام سكورسيزي.
سلاح “التبسيط” في مواجهة “الدراما”
على الجانب الآخر، يبرع ترامب في استخدام “التبسيط المهين”. عندما يصف دي نيرو بأنه صاحب “ذكاء منخفض”، فإنه يمارس لعبة سياسية ذكية؛ فهو يحاول تجريد الفنان من سلاحه الوحيد وهو “العقل والوعي”، ليظهره أمام الجمهور كعجوز غاضب فقد صوابه.
هذا الصراع يكشف لنا حقيقة صادمة: لقد أصبحت السياسة الأمريكية “هوليوودية” بامتياز. فالمواجهة التي حدثت أمام محكمة مانهاتن في 2024 لم تكن احتجاجاً سياسياً بقدر ما كانت “مشهداً سينمائياً” واقعياً، حيث اختلطت فيه هتافات الجماهير بوعيد الممثل، وكأننا في تصوير لفيلم سياسي طويل لا نهاية له.
هل أضرّ دي نيرو بقضيته؟
هنا يطرح السؤال نفسه: هل تخدم حدة دي نيرو الديمقراطية أم تزيد من “شعبية” ترامب؟
في تقديري، قد يقع دي نيرو في فخ “الاستقطاب”. فكلما زاد صراخه ضد ترامب، زاد إيمان أنصار الأخير بأن “الدولة العميقة” وفنانيها يضطهدون زعيمهم. إن “متلازمة الهذيان الترامبي” التي يسخر منها الجمهوريون تجد غذائها في هذه المواقف المتشنجة، حتى وإن كانت نابعة من خوف حقيقي على مستقبل البلاد.
الفن كآخر خطوط الدفاع
في نهاية المطاف، يعلم دي نيرو أن ترامب قد يربح جولات سياسية، لكنه يسعى لحرمانه من “الشرعية الثقافية”. إن رفضه القاطع لتجسيد شخصية ترامب سينمائياً هو أقسى عقوبة يمكن أن يوجهها ممثل لرئيس يعشق الشهرة؛ إنه يخبره بوضوح: “أنت شخصية لا تستحق حتى الخلود في شخصية سينمائية”.
سيستمر هذا الصراع طالما بقي ترامب في المشهد، ليس لأنه صراع على السلطة، بل لأنه صراع على “الرواية”. من الذي سيحكي قصة أمريكا في النهاية؟ هل هو الممثل الذي يقدس النص والمبادئ، أم الرئيس الذي يرى العالم مجرد “تلفزيون واقع” كبير؟