“النسبية“
في مشهد يثير القلق في وجدان الشارع التقدمي، شهدت فالبارايسو يوم أول أمس انتقالاً للسلطة يهدد بتمزيق العقد الاجتماعي الذي حاولت تشيلي ترميمه طيلة السنوات الأربع الماضية. غادر الرئيس اليساري الديمقراطي غابرييل بوريك القصر، تاركاً وراءه دولة أكثر إنصافاً، ليسلم سلطة الرئاسة لـلرئيس الجديد زعيم اليمين المتطرف، خوسيه أنطونيو كاست، الذي لا يرى في الدولة سوى “شركة” وفي المواطن مجرد “رقم” في معادلة الربح والخسارة.
إنجازات بوريك تخدم الدولة الإنسان
رحل بوريتك ولم ترحل إنجازاته التي لامست حياة المهمشين. لقد أثبتت إدارته أن النمو الاقتصادي ليس عدواً للعدالة الاجتماعية؛ فرفع الحد الأدنى للأجور وتقليص ساعات العمل إلى 40 ساعة، لم تكن مجرد قرارات إدارية، بل كان استرداداً لكرامة العامل التشيلي وعائلته.
علاوة على ذلك، فإن الاستراتيجية الوطنية لليثيوم التي أرساها بوريك كانت بمثابة حائط صد أمام النهب التاريخي للموارد الوطنية، حيث أعاد تعريف علاقة الدولة بالثروات السيادية، ضامناً أن تعود عوائد “ذهب المستقبل” لتمويل التعليم والمستشفيات، لا لتضخيم حسابات النخب العابرة للقارات.
عودة “أشباح” الماضي الاقتصادي
أما اليوم، فشعب تشيلي يقف أمام أجندة “كاست” التي لا يمكن وصفها إلا بالانتحار الاجتماعي. إن خطابه الذي يمجد الخصخصة المطلقة وتقليص الدولة هو إعادة تدوير فجة لسياسات “شيكاغو بويز” التي أذلت التشيليين لعقود.
لماذا يجب الخشية من حكومة كاست؟
وعدُ كاست بخفض الإنفاق العام بمقدار 6 مليارات دولار ليس “ترشيداً”، بل هو إعلان حرب على الفقراء. هذا المبلغ سيُقتطع من المنح الدراسية، وصناديق الصحة، ودعم السكن، مما سيعيد إنتاج الفوارق الطبقية التي انفجرت في احتجاجات 2019.
السيادة في خطر: إن نية كاست في فتح المؤسسات الوطنية الكبرى للاستثمارات الخاصة المتوحشة هي طعنة في قلب السيادة التشيلية، وتحويل لمقدرات الشعب إلى سلع تُباع وتُشترى في البورصات العالمية.
عسكرة المجتمع: خلف قناع “الأمن” ومكافحة الجريمة، يختبئ مشروع سلطوي يسعى لشيطنة الحركات الاجتماعية وتقييد الحريات النقابية، و في المحصلة عسكرة المجتمع، مما يهدد بتحويل تشيلي إلى “دولة بوليسية” تحمي مصالح رأس المال قبل حقوق الإنسان.
المقاومة هي الخيار
إن وصول اليمين المتطرف إلى الحكم ليس نهاية التاريخ، بل هو بداية فصل جديد من النضال. غادر بوريتك المنصب الرئاسي بعد ناهاء ولايته الأولى، لكن الوعي التقدمي الذي زرعه في جيل الشباب لن يتبخر بمجرد توقيع مرسوم رئاسي.إن تشيلي التي رفضت الظلم في 2019 لن تقبل اليوم بصمت أن تُباع حقوقها في “مزاد نيوليبرالي” يقوده كاست. إننا أمام حكومة ستحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن الشعوب التي تذوقت طعم الكرامة لا يمكن استعبادها بوعود “الأمن الزائف” أو “الرخاء المقطر” من جيوب الأغنياء.