مكتب “النسبية” – واشنطن
تواجه جمهورية كوبا اليوم ما يصفه الخبراء بـ “اللحظة الأكثر خطورة” منذ أزمة الصواريخ في الستينيات. فبين ظلام دامس يلف الجزيرة بسبب انهيار شبكة الطاقة، وضغوط دبلوماسية غير مسبوقة من واشنطن، يبدو أن الحكومة الكوبية بدأت بالفعل في “السقوط” في شبكة المفاوضات التي نصبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو.
الضربة القاضية بعد سقوط الحليف الفنزويلي
لم تكن الأزمة الحالية وليدة الصدفة، بل بدأت فصولها تتسارع منذ يناير 2026، عقب سقوط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا. هذا الحدث لم يحرم كوبا من حليفها السياسي الأقوى فحسب، بل قطع شريان الحياة الوحيد (النفط) الذي كان يبقي المصانع والبيوت الكوبية مضاءة.
بموجب “عقيدة ترامب” الجديدة، تحركت واشنطن بسرعة لمنع أي بديل، حيث فرضت عقوبات مشددة على أي دولة (بما في ذلك المكسيك وروسيا) تحاول تعويض النقص النفطي في هافانا، مما وضع الحكومة الكوبية أمام خيارين: الانهيار الشامل أو التفاوض بشروط واشنطن.
الثمن الباهظ للكهرباء
في تصريحاته الأخيرة، كان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو واضحاً: “لن يكون هناك برميل نفط واحد لكوبا ما لم يتغير النظام”. وتتخلص مطالب واشنطن في ثلاثة محاور رئيسية:
خصخصة قطاع الطاقة، الإصلاح الجذري وإنهاء هيمنة الحزب الوحيد
تصر واشنطن على أن يتم توريد الوقود والغاز مباشرة إلى القطاع الخاص والمواطنين، مع منع أي استفادة لشركات الجيش الكوبي من هذه الإمدادات.
إنهاء هيمنة الحزب الوحيد، والاعتراف بالتعددية الحزبية، وتحديد جدول زمني لانتخابات مراقبة دولياً.
إطلاق سراح السجناء السياسيين
تطالب الإدارة الأمريكية بالإفراج الكامل عن كافة السجناء السياسيين، بمن فيهم قادة احتجاجات يوليو الماضي.
مفاوضات تحت الضغط حسب اعتراف الرئيس الكوبي
في خطوة غير مسبوقة، أكد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل في 13 مارس 2026 وجود “اتصالات دبلومسية سرية” مع إدارة ترامب. ورغم أن الخطاب الرسمي لا يزال يتحدث عن “السيادة”، إلا أن مراقبين في هافانا يؤكدون أن إطلاق سراح 51 سجيناً سياسياً مؤخراً هو “عربون تفاوض” قدمته الحكومة الكوبية لتخفيف الخناق.
استراتيجية ترامب الجديدة: السيطرة الودية
يرى المحللون أن ترامب لا يسعى لغزو عسكري، بل لما يسميه “السيطرة الودية“. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل كوبا إلى اقتصاد سوق مفتوح يعتمد كلياً على الاستثمارات والمدخلات الأمريكية، مما يجعل أي عودة لنظام الحزب الشيوعي القديم مستحيلة تقنياً واقتصادياً.
هل هي النهاية؟
بينما يعاني المواطن الكوبي من انقطاع الكهرباء الذي يتجاوز 18 ساعة يومياً، يبدو أن النخبة الحاكمة في هافانا بدأت تدرك أن زمن “الصمود الأيديولوجي” قد انتهى. إن قبول هافانا بالجلوس على طاولة المفاوضات مع إدارة ترامب اليمينية المتشددة هو اعتراف صريح بأن الجزيرة لم تعد قادرة على التنفس خارج الرئة الأمريكية.
المصادر:
التقرير الإخباري استند إلى معلومات وكالة أسوشيتدبرس (Associated Press).
صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post).