“النسبية”
لم يكن حفل تنصيب السلطة الأخير في تشيلي مجرد خروج عن البروتوكول، بل كان إعلاناً عن وفاة الحياد المؤسسي. لقد شهدنا عملية “سطو أيديولوجي” قادها خوسيه أنطونيو كاست، محولاً مقار الدولة السيادية إلى مسرح استعراضي لليمين المتطرف العالمي. هذا المشهد لا يمثل مجرد استقطاب سياسي، بل هو مؤشر خطير على ارتهان القرار الوطني لأجندات “نيو-فاشية” عابرة للحدود.
التنسيق الجيو-سياسي لليمين المتطرف
حضور شخصيات مثل “سانتياغو أباسكال” زعيم حزب فوكس اليميني الفاشي في إسبانيا وعائلة الرئيس السابق بولسونارو في البرازيل وممثلي حركة “ماغا” (MAGA) الأمريكية وماريا كورينا ماتشادو زعيمة المعارضة اليمينية في فنزويلا، ليس مجرد زيارة مجاملة، بل هو تدشين لمحور راديكالي يسعى لتحويل تشيلي إلى رأس حربة لمشروع يخدم المضالح الإمبريالية الأمريكية وحلفائها.
نرى بوضوح انطلاقا من سلوك رئيس تشيلي الجديد، زعيم اليمين المتطرف، محاولة لاستنساخ نماذج سلطوية تهدف إلى:
تقويض أسس التعددية الديمقراطية و الهجوم الممنهج على الأمم المتحدة واتفاقيات المناخ بغاية تمهيد الطريق لانسحاب تشيلي من التزاماتها الدولية، مما يضعف مكانة بلد الشهيد سالفادور أليندي وتدمير الأخلاقيات الدبلوماسية ويحوله إلى “دولة مارقة” في ملفات حقوق الإنسان والبيئة.
التبعية العقائدية
ابدلاً من سياسة خارجية قائمة على المصالح الوطنية، نرى انزلاقاً نحو “التبعية للأيديولوجيا”، حيث يتم اختيار الحلفاء بناءً على تطرفهم وليس على التكامل الاقتصادي أو الإقليمي.
الليبرالية المتطرفة ضد المجتمع
خلف الستار الرمزي لهذا “الشو” السياسي، تقبع أجندة اقتصادية شرسة تسعى لتصفية ما تبقى من دور للدولة:
تعميق عدم المساواة: إن هؤلاء “الضيوف” يحملون معهم نماذج اقتصادية أثبتت فشلها، تقوم على تقديس السوق المطلق وتفكيك شبكات الأمان الاجتماعي. التحالف مع تيار “ميلي” المتطرف في الأرجنتين، الدي تسكنه الرغبة في تطبيق سياسات “الصدمة” التي ستسحق الطبقة الوسطى والفقيرة في تشيلي.
خصخصة الرموز
عندما تصبح الدولة ملكية خاصة لفئة تفرض رموزها الدينية والقومية المتطرفة، فإنها تتوقف عن كونها ضامناً للتوازن الاقتصادي، وتتحول إلى أداة لخدمة “أوليغارشية” جديدة تلتحف بالعلم الوطني لتمرير سياسات نهب الموارد.
تآكل المؤسسات في ظل ديمقراطية صورية
إن تحويل حفل رسمي إلى “مهرجان حزبي” هو طعنة في قلب الجمهورية. اليسار العقلاني يدرك أن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي احترام للمساحات المشتركة.
إن “كاست” وحلفاءه لا يريدون حكم تشيلي، بل يريدون إعادة صياغتها على مقاس أوهامهم التاريخية، وهو ما سيؤدي حتماً إلى:
-شلل تشريعي: بسبب غياب الحد الأدنى من التوافق.
-عدم استقرار استثماري، فالرأس مال يبحث عن الاستقرار، وليس عن ساحات حروب ثقافية وأيديولوجية مشتعلة.
استعادة الدولة من قبضة الفئوية
إن الرد على هذا الاستعراض الفج لا يكون بالانكفاء، بل بالهجوم الفكري. على القوى التقدمية في تشيلي أن تكشف زيف “الوطنية” المزعزمو؛ فمن يدعو قوى أجنبية راديكالية للتدخل في رسم مسار الدولة ليس وطنياً، بل هو وكيل لمشروع عالمي معادٍ للديمقراطية.
المعركة القادمة ليست على “المقاعد”، بل هي معركة على روح تشيلي السيادية. هل سنبقى دولة مؤسسات، أم سنتحول إلى “مختبر” لتجارب اليمين المتطرف الذي لا يرى في المواطن سوى “رعية” وفي الدولة سوى “أداة قمع”؟