محمد التاودي
ليس العيدُ في المغرب مجردَ رقمٍ في تقويم الأيام، ولا يوماً عابراً يمر ثم ينطفئ؛ بل هو وقفةٌ استثنائية في قطار العمر، يستعيد فيها القلبُ دهشةَ الطفولة المفقودة. في تلك اللحظة يتجدد نبضٌ عميق يهمس بأن هذه الأرض ما تزال تحتفظ بسرّها القديم: قدرتها العجيبة على تحويل لحظة الفرح العابرة إلى أبديةٍ صغيرة، وعلى تذكير الإنسان بأن الفرح ليس ترفاً عابراً، بل انتصارُ الروح على رتابة الوجود.
حين يوشك رمضان على طيِّ آخر صفحةٍ من صفحاته في مساءاته الأخيرة، يرفع المغرب رأسه نحو الأفق مترقّباً. هناك، عند العتبة الفاصلة بين الليل والنهار، يولد الهلال خفيةً، كأول قطرة نور تتسرّب إلى قلب العتمة. ليست تلك مجرد بداية شهرٍ جديد، بل انعطافة صامتة في إيقاع الكون، كأن البلاد كلّها تتوقف لحظةً لتلتقط نفساً واحداً عميقاً.
تخيل أن الأرض ترتجف تحت أقدام الملايين وهم يتهيأون لشيء لا يرى لكنه يحس. يستيقظ المغربي في صباح العيد ليجد أن قلبه أخف، والدنيا أوسع، والأمس بكل حموله قد مات ليولد اليوم من جديد.
هو العيد: تلك اللمسة الجميلة من الزمن، ذلك الثقب الذي يطل منه الأبد على الحياة اليومية.
فصل الاستعداد.. حين يشترى الفرح قبل أن يحل
روح تستعد للقاء
قبل أن يدق الفجر الأول، وقبل أن تعلن المآذن التكبيرة، يكون العيد قد بدأ. بدأ في عيون الأطفال الساهرين يحلمون بالجديد، وفي أنامل النساء تعجن الفرح قبل العجين، وفي خطوات الرجال المسرعة إلى الأسواق، وفي رائحة البخور تتسلل من النوافذ، وفي صمت الزكاة يطرق الأبواب المغلقة، وفي همس الدعاء لا يسمعه أحد لكن السماء تختزنه.
كأن كل مغربي، قبل أيام من العيد، يشتري فرحه بالتدريج: قماشاً هنا، وحلويات هناك، وهمسة لأم، وضحكة لطفل. تراكم صغير من النور يمهد ليوم يستحق الانتظار.
كرنفال الأسواق
مع اقتراب العيد، تتحول الأسواق المغربية إلى لوحات متحركة. لا يشتري الناس البضائع فقط، بل يشترون الذكريات أيضاً. في الدار البيضاء، تفيض أسواق الحبوس ودرب السلطان بحياة لا تهدأ، تختلط فيها رائحة التوابل والشاي بأصوات الباعة. في فاس، تفوح رائحة الجلود المدبوغة، وتتزين المحلات بالأثواب المطرزة يدوياً.
في مراكش، تتلألأ الأواني النحاسية والحلي الأمازيغية تحت الشمس.
النساء يتنقلن بين الدكاكين كحارسات للذاكرة، يمررن أناملهن على الحرير كأنهن يقرأن خريطة زمن مضى. هناك تلتقي الجدة بالحفيدة، تروى حكايات العيد كما عرفت في زمن العنبر.
الوشم الأول
ولا تكتمل جلبة الأسواق إلا عند محلات الحلاقة، حيث يصطف الصغار والكبار. تحت مقص الحلاق، تُنحت ملامح العيد على الرؤوس. يخرج كل منهم برأس خفيف كأنه مهيأ للطيران، وبياقة قميص بيضاء تترقب أولى قطرات العطر. هي للصبيان فطرة أولى، وللرجال تطهر وتجدد، وللجميع طقس عبور إلى بهاء العيد.
ولا يكتمل الاستعداد إلا بفتنة “البلغة” الفاسية التي تلمع في الواجهات، و”الجلابة” التي صاغتها أنامل المعلمين. إنها ليست مجرد أثواب، بل وقار ملموس يمنح الجسد هيبة التاريخ.
في خضم هذا الزحام الجميل، هناك من لا يشتري شيئاً، لكنه يكتفي بالتفرج. عجوز على عتبة جامع، يتابع المارة بعينين حكيمتين، يراقب دورة الحياة وهي تدور أمامه، ويتمتم بدعاء لا يسمعه أحد: “اللهم أعده علينا أعواماً مديدة”. كأن الأسواق لا تبيع الأثواب فقط، بل تبيع أيضاً الذكريات والحكايات.
مطابخ العيد
في الأيام التي تسبق العيد، تتحول مطابخ المغرب إلى مزارات صغيرة. كل رشة قرفة، وكل قطرة ماء زهر، تصبح ختماً على ذاكرة الأسرة.
مع أول نسمة من هلال العيد، تنهمك الأمهات والجدات في إعداد الحلويات الخالدة: “الشباكية” الذهبية، و”كعب الغزال” المحشو باللوز، و”الغريبة” الذائبة، و”الفقاص” المحمص بالسمسم. لكل أسرة وصفتها الخاصة، تتناقلها الأجيال كأنها سر من أسرار التراث.
ترتفع الروائح من النوافذ: القرفة، وماء الزهر، والسمن البلدي. تعبد الطريق للعيد قبل أن يحل. كأن الأزقة كلها تتحول إلى فضاء روحي لا يرى بل يشم ويحس.
وفي الشمال، تحمل الأطباق لمسات أندلسية. في طبقات “البسطيلة” صدى بعيد لغرناطة وطليطلة. وفي فاس، يبلغ التنافس بين الأسر ذروته في إتقان الحلويات. وفي القرى الأمازيغية، يعد الخبز التقليدي في الأفران الطينية، وتحضر أطباق الكسكس بالخضرو اللحم. هناك، لا يكون الطعام مجرد وجبة، بل علامة على الكرم الجماعي.
تقف الأمهات والجدات حول الموائد حارسات للذاكرة. بأيد اعتادت هذه الحركات منذ عقود، يعجن العجين بهدوء، ويشكلن الشباكية، ويرصصن كعب الغزال بعناية. هناك، في دفء المطبخ، تصنع طقوس العيد الحقيقية.
لكن فرحة العيد لا تقف عند حدود البيوت. ففي الليلة التي تسبق العيد، تمتد خطى نساء لا يسعهن الوقت نحو المخابز التي تفوح برائحة القرفة والسكر. هناك، تستقبلهن واجهات زجاجية دافئة. بأعينهن يتذوقن الحلوى قبل أن تلمسها ألسنتهن. تمتد أياد نظيفة لترص الصواني في صناديق الكرتون، فتكتمل الفرحة وتعم تلك الروائح نفسها التي تتصاعد من مطابخ الدار البيضاء وفاس، ستعبر المحيطات بعد أيام إلى مطابخ المهجر حيث الأيادي المغربية تعجن الحنين. وكأن العيد لا يعترف بالحدود، بل يسافر على أجنحة البخور ليحط حيثما كان قلب مغربي ينتظره.
ليلة العبور.. من صوم الجسد إلى فرح الروح
رجفة الهلال
مع خيوط الغروب الأخيرة من آخر أيام رمضان، يشرئب المغرب كله نحو الأفق. إنها رجفة الهلال التي تعلن انكسار الصوم وانفجار الفرح. لحظة ترقب كونية تلغي المسافات بين القمة والوادي.
وفي تلك اللحظة، ينطلق صوت “النفار” في الدروب العتيقة. بوقه النحاسي الطويل يعزف لحن الوداع لرمضان والتبشير بميلاد زمن جديد. رنة تتردد في أصداء الذاكرة قبل الآذان، تمسح تعب ثلاثين يوماً بمسحة من طمأنينة.
ليلة الضمة
في المغرب، “ليلة الضمة” هي الليلة التي تسبق العيد، حيث تجتمع العائلة كلها في بيت الوالدين أو كبار الأسرة. فيها يتم “ضم” الأبناء والإخوة والأقارب حول مائدة خاصة وجو عائلي دافئ. إنها ليلة لم الشمل وتجديد صلة الرحم قبل يوم العيد.
تلك الليلة تنادي فيها الجدران الأحبة من كل حدب وصوب، فتمتد الدروب لتجمع شمل العائلة تحت سقف واحد. هناك، في بيت الأجداد، تتلاقى الأجساد بعد طول افتراق، وتنصهر القلوب في حضن واحد. كأن المكان يضيق بهم فيتسع، وكأن الزمن يقف ليحتضن اللحظة.
في ليلة الضمة، تروى الحكايات القديمة وتصنع حكايات جديدة، وتختلط ضحكات الأطفال بحديث الكبار، وتدور أطباق الشاي والتمور على المائدة. إنها ليلة “لم الشمل” حقاً، حيث تصبح العائلة كلها جسداً واحداً ينبض بانتظار العيد.
المساجد تخلع صمتها
مع حلول الليل، تشهد مساجد المغرب ليلة استثنائية، ليلة تختفي فيها الحدود بين الأرض والسماء. في جامع القرويين بفاس حيث يتلى القرآن منذ اثني عشر قرناً، وفي الكتبية بمراكش حيث يصغي المؤمنون إلى ابتهالات المديح، وفي مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء حيث يمتزج صوت البحر بالتلاوة. تتداخل أصوات التكبير والذكر مع أنفاس المصلين في مشهد كوني.
وتشهد الزوايا ليالي روحانية مفعمة بالابتهال، حيث يحيي المريدون ليلة عامرة بالذكر والمدائح، يستعدون فيها لاستقبال الفرح من أوسع أبوابه.
ومع تصاعد أصوات الذكر في المساجد، تزداد في البيوت حركة موازية: تعد النساء ملابس العيد، وترتب على الأسرة بدقة طقسية، وتزين صواني الشاي بالياسمين. وكأن الطهر الروحي في المسجد يجد صداه في نقاء البيوت.
طقوس البخور والحناء
في زوايا البيوت، تشعل الأمهات والجدات أعواد البخور. تنتشر رائحة دافئة لا تنسى، كأنها ختم عطري يعلن دخول العيد. يتسلل دخان البخور من النوافذ، يرتفع ببطء، ويختلط بضحكات الأطفال وأحاديث الجيران وهم يودعون آخر ليلة من رمضان. يودعونها كما يودع المسافر وطناً لا يدري إن كان سيعود إليه.
في تلك اللحظة، حين يختلط الدمع بالبخور، والدعاء بالضحكة المكتومة، يدرك الجميع أن رمضان لم يكن مجرد شهر، بل كان محطة روحية. والآن، ها هم يقفون على رصيف العيد.
وفي غمرة هذا الأريج، تبدأ طقوس “ليلة الحناء”. الحناء في المغرب ليست مجرد صبغة، بل هي طقس وجودي. تجتمع حول “الطلاقة” نسوة الحي في جلسة تحفها الزغاريد المكتومة وأغاني التراث. تنساب الخيوط الحمراء لتشكل هندسة بصرية تحاكي نقوش الزليج، في ممارسة رمزية تمنح الأنثى المغربية هالة من القداسة.
كل نقشة تدل على شيء: نقطة للحماية، وخط للحظ، ودائرة للخصوبة. هكذا تصبح المرأة المغربية في ليلة العيد خريطة متحركة، تحمل على جسدها تاريخاً من الرموز والأسرار.
ساعة الصمت الكبير
في الساعة الأخيرة من الليل، تلك الساعة التي لا تنتمي لأمس ولا لغد، يسود صمت كبير المغرب كله. تخفت الأصوات، وتطفأ الأنوار، ويخلد الجميع إلى نوم خفيف.
لكن هناك، في قلب هذا الصمت، تبقى عيون مفتوحة: عيون الأمهات يتفقدن ملابس الأطفال للمرة الأخيرة، وعيون العشاق يفكر كل منهما بالآخر، وعيون الفقراء ينتظرون الصبح بفارغ الصبر. إنها ساعة استثنائية، يتوقف فيها الزمن ليمنح الناس فرصة أخيرة لمراجعة قلوبهم قبل أن يدخلوا في نهر الفرح.
وفي زقاق منسي من المدينة القديمة، هناك من لا ينام. امرأة تركت ابنها في المستشفى، وجار فقد زوجته قبل أيام، وطفل لا يعرف أباه إلا في صورة. في هذه اللحظة، لا يكون العيد جاهزاً، بل يولد من رحم الألم.
تخرج الجارات من بيوتهن كأنهن رسل رحمة، يحملن طبقاً من طعام، ويطرقن الباب بخجل، ليعلن أن العيد لا يكتمل إلا إذا أكل الجميع من فم واحد. وهكذا، يولد العيد مرتين: مرة في السماء، ومرة في صدر من لا يملك إلا دمعتين.
صباح النشور.. حين يصبح الإنسان ملكاً
الفجر الأول
يشرق صباح العيد على المغرب ببطء يشبه انفتاح زهرة على الندى. الهواء يحمل برودة لذيذة ممزوجة برائحة التراب المبتل. أصوات التكبير تحيط بالأفق من كل الجهات. في تلك اللحظة، يشعر الناس أنهم يعيشون بداية جديدة، لا تقاس بالزمن بل تقاس بالأرواح.
ترنيمة النحاس
وفي تلك الساعات التي تسبق الفجر، يخرج “النفار” في جولته الوداعية الأخيرة. لا ينفخ في بوقه ليوقظ الأجساد للسحور هذه المرة، بل ليزف الأرواح إلى العيد. هي رنة نحاسية حزينة وفرحة في آن، توقظ النائمين بعبارة “هذا عيد مبارك سعيد”. وفي مشهد تضامني مهيب، تفتح النوافذ لتلقى له “الفتوح”، كأنما يتبادل الناس معه الشكر لأنه كان طوال الشهر حارس أحلامهم.
صلاة الوحدة
في ساحات المدن، تتجمع الجموع لصلاة العيد. الكل يخرج: الغني والفقير، والكبير والصغير، وساكن الأحياء القديمة وساكن الأبراج الحديثة. تمتلئ الساحات الكبرى والمصليات القديمة بالمصلين، تصاعد التكبيرات ممتزجة بأصوات الحياة، ليصبح الفضاء العام مسرحاً مفتوحاً للروح والجسد. إنه مشهد يختزل الوحدة في التنوع.
وفي البوادي أيضاً، يتجلى العيد، لكن بوجه آخر. في الأسواق الأسبوعية التي تسبق العيد، يمتزج صهيل الخيول برغاء الماشية. يشتري القروي كسوة العيد لأبنائه بوقار يشبه الصلاة. لا تلمع الأضواء هناك، بل تلمع العيون. تحمل البضائع على ظهور الدواب، وتعود القوافل إلى المداشر البعيدة.
تقام الصلاة في “المصلى” المفتوح على السماء، فوق تراب يعرف جباه الساجدين، تفوح منه رائحة الأرض التي باركها المطر والكدح. إنه عيد بمعناه العميق: لقاء مع الجوهر، واحتفال بالحياة التي لم تفسدها الوفرة.
مائدة الصباح
وعند العودة من المصلى، تتربع “الصينية” المغربية على عرش المائدة، محاطة بكؤوس مذهبة تنتظر نصيبها من السلوى. هنا تبدأ طقوس “أتاي”، حيث يرتفع الإبريق في يد رب البيت كأنه يسكب خيطاً من لؤلؤ ذائب. يفوح عبق النعناع المنعش ممزوجاً برائحة “الرزيزة” و”المسمن” المشبع بالزبدة والعسل.
وعلى هامش “البراد” المغربي، تتلألأ أطباق “الفاكية”. توليفة من اللوز والجوز والتين المجفف، تتناغم مع “الفويقسات” الصغيرة المملحة. هذا الطبق ليس للأكل فقط، بل هو “تؤدة” الجلسة. إنها مائدة “العشرة” التي تمتد لساعات.
إنها مائدة لا تطعم الأجساد بقدر ما تطعم الأرواح. يلتف الصغار والكبار حول بخار الشاي المتصاعد، ليدشنوا أول إفطار جماعي. جلسة تسقط فيها الكلفة وتحضر فيها البركة.
العيدية
ومن أجمل ما يميز صباح العيد تلك اللحظة التي يمد فيها الكبار أيديهم إلى الصغار بـ”العيدية”. قطعة نقدية صغيرة تحمل أكثر من قيمتها المادية. هي رمز للبركة ووعد بأن الغد سيحمل خيراً. يجوب الأطفال الأزقة بأكياسهم الملونة، يتباهون بما جمعوا، وفي عيونهم بريق فرح بسيط.
وفي المساء، حين ينامون، تبقى العيدية تحت الوسائد كحلم صغير صار حقيقة. يستيقظ الطفل فيتأكد أنها ما زالت هناك. لكن الأهم أن العيدية تعلمه درساً مبكراً: أن المال قد يحمل في طياته محبة اليد التي أعطته.
تلك الدراهم القليلة التي تضغطها كفوف الصغار، ستصبح بعد سنوات قطعاً من الذهب في ذاكرة الكبار. فالطفل الذي ينام والعيدية تحت وسادته، لا يدري أنه يخبئ تحت رأسه حلم أبيه الأول، وعيد جده البعيد، ووطناً كاملاً سيعود يوماً ليبحث عنه.
معزوفة العناق
ولا يكتمل بهاء العيد إلا بتلك السيمفونية اللفظية التي تتبادلها الألسن: “مبارك عواشركم”، “تعدوا وتزيانوا”. ليست مجرد عبارات، بل دعوات مسبوكة في قالب من الصفاء. في هذه اللحظات، تنكسر حواجز الكبرياء، وتذوب الخلافات تحت وطأة العناق المغربي الحار. تتلاقى الأكتاف وتتشابك الأيدي. وكأن المغاربة يرممون بها ما أفسده غبار الأيام.
في زحمة التهاني والعناق، هناك من يلتقي بعد قطيعة دامت سنوات. ربما بسبب خلاف عائلي، أو سوء فهم قديم. لكن العيد يأتي ليذيب الجليد، ليمد الجسر. وهكذا تصدق المقولة الشعبية: “العيد يجمع المتفرقين”. كم من أخوين تصافحا بعد طول جفاء، وكم من صديقين احتضنا بعد سنوات من الهجران. العيد إذن ليس فقط فرحة، بل هو أيضاً مصالحة.
ومع كل هذا البهاء، لا يخفى أن بعض القلوب تئن تحت ثقل الأسعار أو تحت وطأة الغياب. لكن العيد يأتي ليهمس لهم أيضاً: الفرح ليس رفاهية الأغنياء، بل هو حق لكل من يملك قلباً ينتظر.
زيارة الغائبين
لكن الفرح المغربي لا ينسى من سكنوا الثرى. ثمة موعد مع الوفاء عند عتبات المقابر. يذهب الناس بقلوب محملة بالدعاء وبأغصان “الريحان” الأخضر، ليرشوا الماء على القبور ويقرأوا الفاتحة على أرواح غادرتنا جسداً وبقيت فينا معنى.
إنها لحظة استحضار الغائب في ذروة الحضور. يمتزج عبير الريحان بتراب الأرض، ليؤكد المغاربة أن العيد ليس للأحياء فقط، بل هو جسر يمتد إلى تلك العوالم الصامتة.
تلك الأيادي التي ترش الماء على قبور الأحبة، هي نفسها التي سترسل صور القبور عبر الهاتف إلى أبناء المهجر. هناك، في أوروبا أو أمريكاالشمالية، سيبكي من لا يستطيع المجيء، وسيدعو من لا يستطيع الوقوف على القبر، وستظل الأرواح متصلة.
بين الأمس واليوم
كان العيد في زمن مضى يحمل فلسفة بسيطة عميقة. الألعاب الشعبية كالكرة الخشبية كانت تجمع الأطفال في الساحات. الملابس كانت تفصل عند الخياط الذي يعرف مقاسات الأبناء. الفرح كان يصنع باليد، لا يشترى جاهزاً.
اليوم، يتشكل العيد بإيقاع معاصر. تنفتح مسارات الفرح على فضاءات جديدة: قاعات السينما، والمتنزهات، والمراكز التجارية. وسائل التواصل تجمع الشتات المغربي افتراضياً. لكن رغم كل التحولات، تبقى لحظة الإفطار الأولى، ورائحة القهوة في الصباح، تحمل العيد نفسه. الزمن تغير شكلاً لا جوهراً.
بين أمس كان فيه العيد يصنع باليد، ويوم صار يشترى جاهزاً، تبقى الأشياء الصغيرة هي الجسر الذي لا ينقطع. رائحة البخور، وطعم كعب الغزال، وضحكة الأطفال حين يجدون العيدية تحت الوسادة. تلك هي الثوابت التي تجعل العيد، رغم تغير كل شيء، يعود كل عام كأنه المرة الأولى.
أعياد المهجر.. حين يزهر المغرب في صقيع الشمال
حيث تَلتحف مدن أوروبا وأمريكا الشمالية بعباءات الضباب، وتغفو ستوكهولم وباريس ومونتريال على وسائد من جليد. هناك، في شقوق الإسمنت البارد، يتفتق فجر مغربي لا يشبه المواعيد. يستيقظ المهاجر في صباح العيد، وفي صدره خفقة لا تشبه خفقات الأيام. كأنما روحه ما زالت تصلي في مسجد لم تره عيناه منذ سنين.
فالعيد في المهجر ليس تاريخاً في رزنامة، بل هو انتفاضة على النسيان، ومحاولة لاستنبات نخلة في جليد.
سفارات الروح
مع أول خيوط الفجر، تتسربل الجمعيات المغربية والمراكز الثقافية بحلتها الاحتفائية. تخلع عنها رتابة أيام الغربة، وتتحول إلى حرم صغيرة تضم شتات الروح. هنا، حيث تبسط الزرابي الموشاة بحكايات الأطلس، وتتدلى الفوانيس النحاسية كأنها نجوم هابطة من سماء مراكش، تتعالى التكبيرات بنبرة أندلسية شجية.
تتنافس الأسر في جودها الصامت. هذه أم قضت ليلها تفتل حبات الكسكس بأنامل تحفظ وصية الجدات. وتلك أخرى تنضج “البغرير” على نار الحنين. وهناك، آباء يوزعون التمر والحلوى بابتسامات تخفي خلفها غصة الشوق. أطفال يركضون بين الأركان حاملين “الشيكولاتة” المغربية.
تذوب الجدران الباردة في دفء “اللمة”. تصبح الجلابيب الموشاة والقفاطين المزركشة خيوطاً في نسيج واحد، يعيد رسم خارطة المغرب فوق أمتار مربعة من أرض المنفى. هنا، لا أحد غريب. فالكل قادمون من بلاد الصباح والياسمين.
طقوس البعث
في عمق الشقق الدافئة، تمارس الأسر طقساً أعمق: استنبات المغرب بين أربعة جدران. تفوح رائحة الشباكية المغلفة بالعسل، فتخوض معركة ضد روائح المدينة الباردة. يوضع “البراد” النحاسي بوقاره وسط المائدة، محاطاً بصواني الحلويات التي صنعت بحب. وكأنما البخار المتصاعد من فوهته يكتب في الهواء: “هنا المغرب”.
وعلى حاشية هذا المشهد، يدور حوار الصمت والعجب. أطفال ولدوا هناك، أو قدموا صغاراً فنسوا، ينظرون بعيون مبهورة ومستفهمة: “لماذا نجلس على الأرض والآرائك حولنا؟”
هنا، يشرع الآباء في ترجمة ما لا يترجم. يحاولون شرح “النخوة” و”البركة” و”العزوة” بلغات تخلو من هذه الكلمات. فيكون الوجع مضاعفاً: وجع المسافة عن الوطن، ووجع المسافة عن أبناء باتوا ينظرون إلى هويتهم كأنها تراث متحفي.
في تلك اللحظات، يدرك المهاجر أن العيد ليس استعادة للوطن فقط، بل هو محاولة لئلا يضيع جيل بين عالمين.
الجسر الرقمي
ما إن تخفت أصداء الصلاة حتى يمسك المهاجر بهاتفه كأنه يقبض على جمرة من نور. تبدأ “هجرة عكسية” عبر الأثير. صور الموائد العامرة تلتقط بعناية، ثم ترحل فوراً إلى مجموعات العائلة في المدن المغربية.
ليس الأمر مجرد توثيق، بل هو رسالة طمأنة: “انظروا، نحن هنا، ولكنّا هناك. نحن ما زلنا نتقن طقوسكم”.
وعبر اتصالات الفيديو، يتجاوز المهاجر المحيطات بلمسة إصبع. يرى ملامح أمه وهي تبارك أولاده من خلف الشاشة. يسمع دعواتها التي تخرق الحدود. تنهمر الصور والتعليقات حاملة “الله يبارك”، “عيدكم مبارك من القلب إلى القلب”.
في تلك اللحظات الفائضة بالشجن، يتحول العيد إلى كائن هجين: نصفه هناك حيث الجذور، ونصفه هنا حيث الثمار.
همس المسبحة
مع انحسار ضوء العيد، ورحيل الضيوف وعودة الشقق إلى صمتها، يبقى المهاجر وحيداً مع ذكرياته. ينظر إلى بقايا المائدة. ثم يمد يده إلى مسبحته.
وهكذا، في صمت الليل البارد، يظل العيد في المهجر صلاة خفية، ومسكاً للجذور كي لا تسقط من بين الأصابع. يمسك المهاجر بوطنه كما تمسك اليد باليقين. وفي عينيه نظرة من يعرف أن المغرب ليس أرضاً فقط، بل هو نبض في الدماء.
ذلك المهاجر الذي يسبح وحيداً في ليل الغربة، هو نفسه الجندي في أقصى الجنوب، والمريضة في مستشفى الرباط، والسجين في زنزانته. كلهم يعيشون العيد بطريقتهم، وكلهم يمسكون بخيوط غير مرئية تربطهم بوطن لا ينساهم.
العيد كما يراه المنسيون
في ثكنة بأقصى الجنوب، يقف جندي يحرس الحدود. يمسك بقطعة من الشباكية أرسلتها له أمه. يأكلها على مهل، كأنه يرجع الزمن إلى الوراء: إلى المطبخ، إلى صوت أمه، إلى أنفاس العيد التي لم تعد تصل إلى هناك.
في مستشفى بالدار البيضاء، تستفيق مريضة على رائحة الياسمين المجفف تتسلل من الممر. تبتسم بوجع: “حتى هنا، جاء العيد”.
في زنزانة صغيرة، يجتمع نزلاء يقتسمون تمروقطع حلوى. يهمسون: “العيد لا يقيم خارج القلوب”.
وهكذا، يعاد تعريف العيد في أماكن لا يصلها الضوء، لكنها تصلها الرحمة على شكل همسة، أو دمعة، فيكون الفرح أعمق من الجدران.
ومضات وتأملات
لماذا نحب العيد كل هذا الحب؟ لماذا ينتظره الكبار كما ينتظره الصغار؟
لعله يعيدنا إلى طفولتنا، إلى ذلك الجزء منا الذي ظل نقياً رغم كل شيء. في العيد، نخلع أقنعة الكبار، ونصبح أطفالاً مرة أخرى: نلبس الجديد، ونأكل الحلوى، وننتظر الهدايا. ننسى الهموم والمشاكل، ونعيش للحظة فقط.
العيد إذاً ليس فقط احتفالاً، بل هو أيضاً زيارة من الطفل الذي كنا. ذلك الطفل الذي ما زال يعيش في أعماقنا، ينتظر من يفتح له الباب. في العيد، نفتح له الباب.
العيد.. الأبد الصغير
يبقى العيد في المغرب أكثر من مناسبة. إنه فلسفة حياة، وذاكرة جمعية، وهوية متجددة. هو جسر بين الماضي والحاضر، بين الفرد والجماعة، بين الأرض والسماء. هو تلك اللحظة التي يلتقي فيها المغاربة على اختلاف مشاربهم في حضرة الفرح.
في العيد، يتساوى الجميع: الغني والفقير، والكبير والصغير، وساكن المدينة وساكن الجبل. الجميع يخرج للصلاة، الجميع يزور الأهل، الجميع يأكل الحلوى. لا فرق بين أحد إلا بمقدار الفرح في القلب.
وهكذا، يحقق العيد حلماً قديماً: أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط. ليس بالقانون، بل بالبهجة. إنها الاشتراكية العاطفية التي يمارسها المغاربة بكل عفوية.
رغم تغير المظاهر، يظل الجوهر ثابتاً: الفرح المشترك، والتضامن الاجتماعي، والارتباط الروحي. العيد في المغرب ليس ذكرى نحتفي بها، بل ذاكرة نعيشها، وعهد نجدده. إنه الخيط الذهبي الذي يربط ماضي الأجداد بحاضر الأحفاد.
وحين تذبل أيام العيد الثلاثة، لا ينطفئ الوهج فوراً. فالمغاربة يحفظون للزمن حرمته فيما يسمونه “ثامن العيد”. هو ذلك الوداع الهادئ لروحانية الشهر، حيث يصوم البعض الأيام الستة من شوال. وكأنهم يرفضون الفطام السريع عن النور، فيمدون حبال الوصل حتى يطمئنوا أن العيد قد استقر في القلوب.
ثم يمضي العيد. يرحل كما جاء، بهدوء، تاركاً وراءه أكياساً فارغة من الحلوى، وملابس جديدة ستعود إلى الخزانة، وذكريات ستتحول مع الأيام إلى حكايات. لكن شيئاً ما يبقى. شيء خفي يسكن في الزوايا، في النظرات، في طريقة المصافحة بعد العيد.
ذلك الشيء هو روح العيد، التي لا ترحل، بل تظل كامنة في انتظار العام القادم، لتولد من جديد، كما يولد الأمل من رحم اليأس.
العيد هنا ليس مجرد يوم في التقويم، بل هو نفس طويل من الأبد، يتنفسه المغاربة كل عام، ليعودوا بعدها إلى الحياة وقد تذكروا من هم. إنه وقفة صغيرة على حافة الزمن، قبل أن يواصل الجميع مسيرتهم، محملين بجرعة نور تكفيهم عاماً كاملاً.
وسيبقى العيد في المغرب، ما بقي الليل والنهار، ما دام في الأرض مغربي يحن، وفي السماء هلال يولد من جديد. وسيبقى المغرب، رغم كل شيء، واحة لهذا الفرح العميق، حيث لا يموت الحنين، ولا تنقطع الأسباب بين القلوب.