“النسبية”
لم تكن كلمات رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، من فوق منصة “المونكلوا” مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل كانت إعلاناً لميلاد “عقيدة سيادية” جديدة في قلب أوروبا. حين صدح شعار “لا للحرب” في وجه تهديدات إدارة دونالد ترامب، لم يكن سانشيز يتحدث بلسان إسبانيا فحسب، بل كان يستعيد كرامة القانون الدولي التي أهدرتها الحسابات الانتخابية والصفقات التجارية.
التبعية العمياء
إن التحدي الذي يواجهه العالم اليوم مع عودة سياسة “الروليت الروسية” إلى البيت الأبيض، يضع القادة الأوروبيين أمام اختبار أخلاقي قبل أن يكون سياسياً. فبينما يختار البعض التبعية العمياء خوفاً من سوط الرسوم الجمركية أو غضب واشنطن، تختار مدريد أن تذكرنا بدروس التاريخ المريرة؛ دروس عام 1914 التي علمتنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار واعي، بل بـ “سلسلة من الأخطاء والردود الطائشة” التي تخرج عن السيطرة.
قمة الواقعية السياسية
رفض إسبانيا الانجرار إلى التصعيد في الشرق الأوسط ليس “سذاجة”، كما يحاول المروجون لطبول الحرب تصويره. بل هو قمة الواقعية السياسية. فالسذاجة الحقيقية هي الاعتقاد بأن الديمقراطية يمكن أن تنبت وسط الركام، أو أن الأمن يمكن شراؤه بالصمت عن التجاوزات.
الاستثناء الإسباني
لقد وضع سانشيز النقاط على الحروف: التحالف لا يعني الاستعباد، والصداقة مع واشنطن لا تعني التوقيع على بياض لمغامرات عسكرية غير محسوبة. إنها لحظة فارقة تؤكد أن الاستثناء الإسباني هو في الحقيقة “صوت العقل” الذي تحتاجه أوروبا لاستعادة بوصلتها الأخلاقية.
إن معركة مدريد اليوم ليست عسكرية، بل هي معركة للحفاظ على روح التعددية الدولية. وإذا كانت هناك أثمان اقتصادية قد تُدفع نتيجة هذا الموقف، فإن ثمن فقدان السيادة والكرامة الوطنية دائماً ما يكون أغلى بكثير.