بقلم: راوول مسيليتا
تمر تشيلي اليوم بمرحلة سياسية فارقة تحت قيادة الرئيس “أنتونيو كاست”، حيث تعود مفاهيم “الليبرالية المتوحشة” لتتصدر المشهد العام. وفي ظل هذا التحول الجذري نحو اليمين المتطرف، يستحضر الشارع التشيلي وبقوة رمزية الكلب “ماطاباكوس” (Matapacos)، ليس فقط كذكرى من الحراك الشعبي لعام 2019، بل كنقيض أخلاقي وقيمي للمشروع الذي تقوده السلطة اليمينية المتطرفة الحالية.
أنسنة الشارع مقابل آليات السوق
تكمن المفارقة الكبرى في المقارنة بين هذين القطبين (الكلب والرئيس) في طبيعة “القيم” التي يمثلها كل منهما. فبينما يتبنى الرئيس كاست نموذجاً اقتصادياً قائماً على المنافسة الشرسة وخصخصة الحقوق الأساسية وتفكيك الدولة المدنية الديمقراطية، يبرز الكلب “ماطاباكوس” كرمز للوفاء الفطري. لقد كان هذا الكلب المتمرد يمثل “التضامن العضوي”؛ كان يحمي المتظاهرين بدافع غريزي للمواطنة والمشاركة، دون انتظار “عائد ربحي” أو مكسب سياسي، وهو ما يتناقض كلياً مع الفردانية الراديكالية التي تفرضها سياسات كاست.
عنف الأرقام مقابل كرامة الميدان
تمثل إدارة كاست اليوم “صلابة المؤسسة” التي تعطي الأولوية لضبط النظام العام وحماية رأس المال، وغالباً ما يأتي ذلك على حساب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. وفي المقابل، نجد أن “ماطاباكوس” أصبح أيقونة “للكرامة” . هو الكلب الذي لم يمتلك منصباً ولا ثروة، لكنه امتلك شرعية الشارع بوقوفه في وجه التجاوزات السلطوية.
إن سياسات كاست التي تسعى لتحويل الصحة والتعليم إلى سلع خاضعة لقوانين العرض والطلب، هي في جوهرها “تجريد للإنسان من كرامته”، بينما كانت حركة “ماطاباكوس” العفوية في الميدان هي “أنسنة” للمطالب الاجتماعية وتذكير بضرورة حماية الضعيف من تغول القوة.
صراع الرموز في تشيلي الجديدة
إن المقارنة هنا ليست بين شخص وحيوان، بل هي صراع بين رؤيتين للعالم:
رؤية الرئيس اليميني المتطرف كاست، التي ترى المجتمع كمجموعة من الفاعلين الاقتصاديين تحت وطأة قوانين سوق لا ترحم.
ورؤية الكلب “ماطاباكوس” التي تعتبر المجتمع جسدا واحدا قائما على التكافل العفوي، حيث تقاس القيمة بمدى حماية الآخر والوقوف معه، بعيدا عن حسابات الربح و الخسارة المادية.
دروس من الهامش
في تشيلي التي يحكمها اليوم اليمين المتطرف ببرامجه الليبرالية القاسية، يبدو أن “ماطاباكوس” قد تحول من مجرد حيوان شارع إلى “ضمير” يطارد السياسات الباردة لحاكم قصر “لا مونيدا”. إن الوفاء الذي جسده هذا الكلب يضعنا أمام سؤال أخلاقي عميق: كيف لحيوان أعزل أن يعكس قيم التضحية وحماية المهمشين والفقراء والحركة الطلابية، في وقت تنشغل فيه قيادة اليمين السياسي الحام ببناء أسوار اقتصادية تعزل الفقراء وتزيد من توحش الليبرالية؟
تظل ذكرى “ماطاباكوس” اليوم هي المتنفس الأخير للباحثين عن العدالة الاجتماعية في وجه نظام لا يعترف إلا بالأرقام، مذكرة الجميع بأن الكرامة لا تُباع ولا تُشترى في مزادات وأسواق “الليبرالية المتوحشة”.