محمد التاودي
كان صرير المفتاح في القفل الصدئ أذانًا لا يُرفع فوق مئذنة، ولا يسمعه أحد، ومع ذلك يستيقظ عليه الحيّ.
في هدأة ما قبل الفجر، حين يتأرجح العالم بين نومه ويقظته، يدير مول الحانوت مفتاحه في زقاق منسيّ. لا ضجيج ولا
إعلان، فقط صرير خافت، كأن الباب يتنفس بعد طول صمت.
ليس ذلك الصوت فتحًا لبابٍ فحسب، بل شهيق الحيّ الأول. معه تنبض الأزقة، وتستيقظ الحياة من عتبة متواضعة، ومن
يدٍ متشققة تدفع الباب في العتمة كمن يزيح ستار القدر.
هناك، حيث تختلط رائحة الخبز بدفتر الديون، وحيث تتجاور بركة الآباء ووجوه الأبناء، تُكتب يوميًا ملحمة صامتة لوطن
يُطفأ على مهل.
تلك الأيادي التي تدفع الباب لا تعرف نومًا عميقًا. تصحو قبل الأذان، كأن جسدها صار منبّهًا لا يخطئ. تعرف أن خلف
الباب أسرًا تنتظر: طفلًا يذهب إلى مدرسته، عاملًا يبدأ يومه. لذلك لا تتأخر.
في هذا المشهد الغائب عن الأخبار والخطب، تبدأ الحكاية. قبل أن يُغلق آخر باب، ويصير “مول الحانوت” مجرد ذكرى،
تعالوا نصغي… فلعل الصرير الأخير يكون صحوة.
وصية الحكمة
هنا، حيث رائحة القهوة والنعناع تسبق شروق الشمس، وحيث حبات الدقيق الأولى تتراقص تحت خيط النور الباكي، يبدأ
يوم من أيام الوطن العادية، غير العادية.
يد تمسح الغبار عن رفوف لم تعد تحمل سوى الذكريات، وعينان تريان في كل علبة سردين قصة أسرة، وفي كل كيلو
سكر وجهاً من وجوه الجيران. هنا، في هذا المسكن الصغير، تُخزَّن لا السلع فحسب، بل الثقة، وتُدفَن الهموم، وتُزرَع
بذور الصبر.
وفي خضم هذا المشهد الذي كرره الزمن حتى صار جزءاً من نَفَس الأرض، تأتي الحكمة كالندى، تهمس: الأمم التي
تنسى ذاكرتها التجارية، تصحو مستعمَرة اقتصادياً دون طلقة. فما قيمة حدود جغرافية آمنة إن نهبت الحدود الاقتصادية؟
وما معنى سيادة تُرفع أعلامها على المؤسسات وتُخفض راياتها أمام الحوانيت؟
ليس هذا كلاماً منزهاً عن الواقع، بل هو واقع يتجسد كل صباح خلف باب لا يزال يصمد. ومن رحم هذه الذاكرة
التجارية، ينهض شهودها الأحياء: حوانيت الأزقة التي لا تزال تصمد. هي ليست مجرد محلات، بل هي عقد في جسد
المدينة، إن انحلّ أحدها تداعت للانهيار عقد أخرى.
سفينة النجاة
هذا الحانوت الذي نمرّ به كل يوم، الذي نشتري منه حاجياتنا البسيطة، الذي نبادره تحية الصباح، هو – كما ننعته في
لهجتنا الحميمة – مول الحانوت أو البقال. حارس المتجر الصغير وأبوه الروحي. إنه بوابة الزمن إلى طفولتنا،
وخزان ذكريات آبائنا، وسفينة نوح تحمل في جوفها قيماً صمدت عبر الأعاصير.
كان الحانوت أول مسرح للطفولة. هناك وقفنا صغاراً نعدّ قطع السنتيم أو الفرنك كما كان يسمى آنذاك بارتباك، نمدّ أيدينا
المرتجفة لنشتري حلوى بنكهات مختلفة أو شوينغوم بشتى الأشكال. كان مول الحانوت يعرف أسماءنا قبل أن نتعلم نحن
كتابة أسمائنا، ويعرف كم تبقى في جيوبنا قبل أن نعدّه. كان يبتسم حين نخطئ الحساب، ويقول: خودها دابا… وجيبها
غدا. هكذا تعلمنا أن الثقة عملة أقدم من النقود. هو أول مدرسة علّمتنا قيمة النقود، وأول بنك منحنا القروض بلا فوائد،
وأول شبكة أمان التقطتنا قبل أن نسقط.
أذكر أننا كنا نقف على عتبة بابه الطويلة، نتسلقها بصعوبة بأرجلنا الصغيرة، لنطل على عالمه المسحور. كان يخبئ لنا
أحياناً قطعة حلوى إضافية، يقولها بلهجته الحنونة وكأنه يوزع بركاته علينا. لم نكن نعرف أن تلك القطعة الإضافية كانت
من ميزانيته الخاصة، لا من أرباحه. كان يشتري ابتساماتنا بثمن بخس، لكنها كانت أغلى عنده من رأس المال.
إن همهمة بابه عند الفجر هي أصدق أذان، وهمس زبائنه عند المساء هو أخلص دعاء. وهو اليوم يقف على حافة الهاوية،
يحمل بين جدرانه قصة وطن كامل، قصة صمود أمام رياح التغيير العاتية. فهل نسمع هذا الصرير قبل أن يغلق الباب إلى
الأبد؟
دفتر الدين وكناش الكرامة
لا تحتاج البقعة إلى أكثر من هذه الرائحة لتملأ الفجر. إنها توليفة فريدة، لا تُوجد إلا في حوانيت الأزقة: مزيج من عبق
السمن البلدي ومرارة القهوة، وصابون غسيل الكف، ولمسة من الخيش الرطب، ورائحة الخشب المبلول بالدقيق. في
السوبرماركت، الرائحة معقمة، باردة، كغرفة عمليات. هنا، الرائحة هي هوية، وأكسجين يطمئن العابرين أن الحياة ما
زالت تختبئ خلف أكياس الخيش، وأن الأصالة لم تمت بعد.
يدق الجرس: أول زبون، أم تطلب خبزاً وحليباً لأطفالها، تدفع بنظرة حائرة، فيُكتَب لها في الدفتر سيُسَدَّد لاحقاً. هذه
ليست بداية يوم عمل، بل بداية معركة يومية. معركة مع الجوع، مع الحاجة، مع نظرات العيون التي لا تنطق.
هذا الكناش ليس مجرد سجل للديون، بل هو خزان للأسرار. يعرف مول الحانوت من مشتريات الجيران مَن يمر
بضائقة، ومَن يحتفل، ومَن يداري خصاصته بـ بيضة ونصف لتر حليب. هو كطبيب نفسي دون شهادة، يقرأ في وجوه
الزبائن ما لا تقرأه أجهزة الفحص الحديثة.
يعرف أن فلاناً سيطلب السكر بالدين هذا الشهر لأن ابنه في المستشفى، وأن فلانة ستقلل من شراء الزيت لأن زوجها
عاطل منذ الربيع. هو يمارس الستر كقيمة تجارية؛ يغض الطرف عن عجز الأب، ويمنح الطفل قطعة حلوى على
الحساب" ليحفظ ماء وجه العائلة. في لغة الأرقام، هذا يُسمى مخاطرة ائتمانية، أما في لغتنا، فيُسمى عشرة عمر. في كل سطر مكتوب بالرصاص يختبئ وجه حُفظت كرامته، وفي كل صفحة بيضاء ينتظر قلب أن يُكتب له الأمان.
وهناك لحظات لا يُكتب فيها الاسم في الدفتر، بل يُنسى عمداً. يعرف مول الحانوت متى يمزق صفحة من الدفتر قبل أن
يراها أحد. يعرف متى يقول نسيتها وهو لا ينسى. في صمت الحانوت، تُصنع كرامات لا ترصدها الإحصائيات.
الحارس بلا بزة
انظروا إلى ظهره؛ لقد قَوْسَته سنوات الوقوف الطويلة في مساحة لا تتعدى أمتاراً. ركبتاه تحكيان قصة الصعود والنزول
من السدة. كل صباح يصعد ليرتب البضاعة، وكل مساء ينزل ليحصي ما تبقى. هذه الرياضة اليومية لم تكن اختياراً،
بل كانت ضرورة البقاء. هو لا يملك ضماناً صحياً، ولا تقاعداً. حين يمرض، يغلق الحيّ عينه الواحدة، وتتوقف نبضات
الكريدي، ويصبح المرض كارثة تهدد استقرار درب كامل. إن تآكل جسده هو ضريبة صمتنا جميعاً.
هذا الحارس الذي لا يرتدي بزة، هو نفسه مصرفي الحي وبريده وصيدليته ومعالجه النفسي ومستشاره الأسري. يأتيه
العشاق يستشيرونه في هداياهم، ويأتيه المطلقات يبكين على عتبته، ويأتيه العاطلون يسألونه التأجيل تلو التأجيل.
ليس بائعاً فحسب، بل هو مصرفي صغير في اقتصاد الحيّ. يمنح قروضاً صغيرة دون فوائد ولا عقود. دفتره البسيط
يحفظ حسابات من نوع آخر: وجوه الجيران، وأيام الضيق، ومواسم الفرج.
لو جمعنا كل ما أقرضه مالين الحوانت على مر السنين، لشكل رأس مال ضخماً يضاهي ميزانيات بنوك صغيرة. لكن
قروضهم لا تدر عليهم فوائد، بل تدر عليهم أحياناً خسائر حين يتعذر السداد. ومع ذلك، يستمرون. لماذا؟ لأنهم يعرفون أن
هذا هو النسيج الذي يحمي الحي من التمزق. أن الدين الذي لا يُسدَّد نقداً، يُسدَّد وفاءً، واحتراماً، وحضوراً في الأفراح
والأتراح.
هو شبكة أمان اجتماعي تعرف أحوال الناس قبل أن يسألوها، ورائد لوجستيكي يضمن وصول السكر والشاي والزيت إلى
آخر زقاق. مصرفي لا يحسب الأرباح بميزان الفوائد، بل بميزان الطمأنينة التي تبيت في بيوت الجيران.
وفي الأزمات الكبرى، حين ترتبك الأسواق، يتحول الحانوت إلى خندق أخير للحي. أيام الوباء، وأيام الغلاء المفاجئ، لم
يكن الناس يطرقون أبواب الإدارات، بل يطرقون باب الحانوت. هناك، يقف مول الحانوت كمن يقسم على حماية الحي،
يوزع الخبز بالتساوي، ويؤجل الحساب إلى زمن أكثر رحمة. في زمن الكورونا، حين أغلقت الدنيا أبوابها، بقيت حوانيت
الأزقة مفتوحة، توزع المؤن والخوف معاً، تبيع الأمل بعلبة حليب، وتشتري الخوف بكيس دقيق.
المشهد الصامت
في صباح بارد، دخلت امرأة تلف رضيعها بغطاء بالٍ. لم تسلم، لم تطلب شيئاً. وقفت تنظر إلى رف الخبز بعينين لا
تريدان أن تسألا. وضع مول الحانوت رغيفين في كيس، ووضعهما جانباً، ثم انشغل بترتيب علب لا تحتاج ترتيباً. حين
خرجت، وضع الكيس في طريقها، وقال: هذا زيادة من الخباز، خذيه. لم تقل شيئاً. لكنها حين ولّت، مسحت عينها
بكمها. مشهد كهذا لا يُكتب في الدفتر، لكنه يُكتب في ذاكرة المكان.
أعشاب زجاجية
المتاجر الكبرى تنمو كأعشاب زجاجية تتسلق جدران الأحياء، تتكاثر بلا حساب، وتتمدد فوق أنقاض الحوانيت الصغيرة.
تُفتح لها الأبواب، وتُفرش لها السجادات، وتُهيأ لها شروط النجاح، بينما يُترك مول الحانوت وحيداً في مواجهة بوار
بطيء، خانق، لا يُسمع له صوت. في أبراج المراقبة، لا أحد يلتقط استغاثات قطاع يتحول إلى أطلال تجارية، أسوارها
من حديد، وصمتها ثقيل كالرصاص.
وهناك، في أعماق هذه المتاجر الزجاجية، حيث الأضواء الكاشفة وعبق الياسمين الاصطناعي، تتصارع الأمهات على
علبة حليب بسعر ربع يومية أزواجهن. أما هو، فبين جدرانه المتآكلة، يشاهد كيف تُباع أحلامه بالكيلو، وكيف تُوزع
ابتساماته على رفوف بلاستيكية، كمن يرى قبره يُحفر أمام عينيه، ببطء، باحترافية، بلا عويل.
ليس الضغط من المتاجر وحدها. فالموردون الكبار صاروا عمالقة يبيعون للصغير بشروط الكبير. يفرضون الحد الأدنى
للشراء، ويتركون له هامش ربح ضيق كخيط إبرة. يشتري بالدين، ويبيع بالتقسيط، ويقف في المنتصف كمن يحمل
طاحونة تدور على كتفيه. كلما دارت الطاحونة، طحنت عظامه أكثر، وكلما زادت المبيعات، زادت ديونه. إنها دورة لا
تُحتمل، إلا بمعجزة.
من الدفتر إلى الكود
في زمن تحكمه الشاشات اللامعة، صار مول الحانوت يواجه شبحاً لا يُرى، يدخل البيوت دون طرق: التجارة الرقمية
التي تسرق الزبائن بضغطة إصبع. ليست مجرد تطبيقات، بل كيانات افتراضية تبتلع الاقتصاد القريب، تاركة صحراء من
الديون الإلكترونية، بينما يظل هو يحرس رفوفه الخشبية كحارس قصر مهجور. حيث كان الدفتر يحمل رائحة اليد، صار
الكود يحمل برودة الشاشة.
المنصات تقدم وعد السرعة والراحة. لكنها تقوض أساس تجارة القرب: الائتمان الاجتماعي، المعرفة الشخصية، الثقة
المبنية على الوجه. حين تطلب من تطبيق، أنت لا تطلب من بائع، بل من خوارزمية. حين تشتكي، لا تشتكي لإنسان، بل
لمركز اتصال في بلد آخر. حين تدفع، أنت لا تترك ديناً في دفتر، بل تترك رقماً في قاعدة بيانات.
نعم، للمتاجر الكبرى والمنصات الرقمية مزاياها: توفر أكبر، أسعار أقل أحياناً، تنظيم يريح البعض. لكن هذه المزايا تأتي
على حساب شيء أعمق: العلاقة الإنسانية التي لا تعوض، والثقة التي تُبنى بالسنين، والشبكة التي تمسك الحي من أن
يتفكك.
اليوم، يقتحم الحي فتيان بخوذات بلاستيكية، يمتطون دراجات سريعة، يحملون حقائب ملونة لشركات توصيل عابرة
للقارات. يمرون أمام الحانوت كطلقات رصاص، لا يلقون سلاماً، ولا يعرفون صاحب الدار. هم مجرد نقاط في تطبيق
إلكتروني، يسابقون الزمن لتوصيل طلبية بلا روح. استبدلنا جلسة مول الحانوت وحديثه بضغطة زر باردة، واستبدلنا
البركة ود الخصم، دون أن ندرك أننا نفقد مع كل طلبية خيطاً من نسيج الحومة.
ومع كل طلبية تصل إلى بيت في الحي، يخسر الحانوت زبوناً، وتخسر العلاقة الإنسانية ركناً من أركانها. نعم، وصلت
الطلبية أسرع، لكن من سيخبرنا أن فلاناً مات، ومن سيخبرنا أن فلانة أنجبت، ومن سيعرف أننا بحاجة إلى كلمة تشجيع
قبل أن نطلب السكر؟
أمهات الوطن الخفيات
وما ننسى مولات الحانوت، النساء اللواتي يحملن على أكتافهن وزن الأسر والأحياء، يفتحن الدكاكين قبل الفجر ويغلقن
بعد منتصف الليل، كأنهن أمهات الوطن الخفيات. أيديهن التي حملت أعباء الرجال الغائبين والأطفال الجياع. هن عماد
الصبر في زمن الخصاصة، يدافعن عن قدرة شرائية تتآكل كالرمال تحت أقدامهن.
الزوجة والأم هنا: محاسبة صامتة، مدبّرة للدين، حارسة للكرامة. هي التي تحسب النقود بدقة، وتفاوض الموردين بلطف،
وتُخفف عن الزوج عبء اليوم الطويل بكلمة أمل. في غياب الزوج، هي التي تدير الحانوت، وتحمي البضاعة، وتواجه
الزبون الغاضب، وتمسح دموع الطفل الجائع.
أتذكر مشهداً لا يغيب: امرأة تدير حانوتاً في زقاق ضيق، زوجها مريض لا يستطيع الحراك. كانت ترفع أكياس الطحين
الثقيلة كما يرفع الرجال، تبتسم للزبائن وقد عقدت ظهرها. حين سألها أحد الجيران: ألا تستعينين بأحد قالت: هذا
حانوتي وحانوت زوجي، وكرامتي وكرامته. لن أتركه لأحد. هي شرطية المرور في زحام الحاجات، وهي الممرضة
التي تعالج جروح الفقر بكلمة طيبة.
لا يُذكرن في الإحصاءات، لكن غيابهن يعني انهيار النظام كله. لا يُكتبن في سجلات الاقتصاد، لكنهن يُكتبن في سجل
الصبر الذي لا ينتهي. في حانوت الزقاق، المرأة ليست مجرد مساعدة، بل هي القلب النابض، والروح المدبرة، والعين
الساهرة على تفاصيل لا يراها الرجل.
ومع كل هذا العطاء، تجد هؤلاء النساء أنفسهن في مواجهة مصير لا يرحم. إذا ترملت إحداهن، وجدت نفسها وحيدة تدير
الحانوت وتواجه الموردين والزبائن والديون. وإذا كبرت، لا تجد تقاعداً ولا دعماً، فقط ذكريات أيام طويلة قضتها خلف
باب خشبي.
ذاكرة بلا ورثة
مصير مالين الحوانت يُساق في الظل. لا هم في تجارة واعدة، ولا هم في أرض حاضنة. محاصرون: المدينة تلفظهم،
والقرية لم تعد لهم. الهجرة الموسمية تشتتهم، والسياسات العشوائية تقذف بهم في هوامش بلا اسم. لا يُستدعون إلا عند
الحاجة، ولا يُذكرون إلا في مواسم الصولات الكلامية.
الحي يتغيّر، الإيجار يرتفع، الذاكرة تُستبدل بواجهات زجاج. الأسماء الجديدة لا تنتمي إلى المكان، والأسعار لا تنتمي إلى
الناس. المدينة تتوسع وتلفظ أبناءها القدامى، تاركة الحانوت كغريب في مكانه، يشاهد طفولته تُهدم ليُبنى مكانها مول
عملاق. يشاهد الحارة التي لعب فيها صغيراً تتحول إلى شارع لا يعرف أحداً.
وعندما يُغلق حانوت واحد، لا تموت تجارة فحسب، بل تنهار أسر: أطفال يفقدون دراستهم، أمهات يبحثن عن عمل في
أسواق الظل، وآباء يتحولون إلى أشباح في الشوارع. إنه ليس إغلاق باب، بل إغلاق باب الأمل. إنه سحب آخر سفينة
نجاة من حي يغرق.
جيل الأبناء ينظر إلى الحانوت بعينين مترددتين. يعرف أنه إرث الآباء، لكنه يرى أنه إرث التعب. كثير منهم هاجروا إلى
مهن أخرى، لا كرهاً في المكان، بل خوفاً من أن يرثوا الديون بدل الحلم، وخوفاً من أن يصبحوا مثل آبائهم: ظهور
محدودة، وأياد متشققة، وأعمار قصيرة. ذاكرة بلا ورثة. حتى من ورثوا الحانوت عن آبائهم وجدوا أنفسهم أمام خيارين:
إما استدامة سجن الديون، أو الهروب إلى هوامش اقتصاد غير منظم أكثر قسوة.
تقسيط الكرامة
هنا، في هذا المكان الصغير، يصنع مول الحانوت توازناً غير مرئي: تقسيطاً أخلاقياً، وتسعيراً يراعي الفقراء،
وامتصاصاً لصدمات الغلاء. هو لا يرفع السعر عندما يعلم أن الزبون مضطر، ولا يبخس حين يعلم أن المشتري قادر.
هو يعرف متى يبيع بالربح، ومتى يبيع بالخسارة، ومتى يبيع بالمجان.
الحانوت مرآة المجتمع. إذا امتلأت دفاتر الدين، عرف أن الفقر تمدد. وإذا خف الطلب على السكر والزيت، فهم أن البيوت
تختصر وجباتها. إنه جهاز إنذار مبكر: يكفي أن تنظر إلى الدفتر لتفهم حال البلد. إذا امتلأ، امتلأت الأزقة بالهمس الخفي؛
وإذا خلا، خلا الحي من الضحكات الصغيرة.
هم سجناء رأي مؤود، وحطب تجار الأزمات. ومع ذلك، يملكون ما لا تملكه السياسات: علو الهمة. في أحلك اللحظات،
فتحوا دفاتر الدين بكرامة، ومدوا أيديهم لكل محتاج. صاروا مولدات أمل، ينتجون من العدم شيئاً يشبه الحياة. حين تقفل
الدولة أبوابها، يفتحون هم أبوابهم. حين تتأخر الرواتب، يمهلون هم. حين تغيب المساعدات، يحضرون هم.
يغيب إطار قانوني واضح يحمي تجارة القرب: لا مسافات عازلة، لا تنظيم لساعات العمل، لا امتيازات. القانون يُكتب
للأقوياء، ويُترك للضعفاء أن يخترعوا قوانينهم من قيم البقاء اليومي. قوانينهم بسيطة: الوجه بالوجه، والكلمة بالكلمة،
والدين دين، والوفاء وفاء.
ذاكرة تبحث عن حارس
وفي القرى البعيدة، حيث الطريق الترابي أطول من الصبر، يصبح الحانوت شريان الحياة الوحيد. لا صيدلية قريبة، ولا
سوق يومي، ولا مخبز، ولا ماء. هناك يقف مول الحانوت كحارس للضرورة، يبيع الخبز والزيت والدواء أحياناً، ويصير
متجره خزان القرية الصغير في وجه العزلة. يأتيه الناس مشياً ساعات ليسألوه: هل وصل الحليب؟ هل نزل السكر؟ هل
عندك دواء للصداع؟
منذ عقود، كان الحانوت مجلساً شعبياً مصغراً، تُدار فيه الحكايات، وتُنسج خيوط التضامن. في زمن الاستعمار، كان ملاذاً
للهمس المقاوم، يختبئ خلف أكياس العدس رجال يخططون للحرية. في زمن الشدة، كان خزاناً للثقة قبل أن يكون خزاناً
للسلع. إنه ذاكرة حية، لا يمكن اختزالها في رفوف السكر والدقيق.
مول الحانوت ليس نشاطاً اقتصادياً قابلاً للإلغاء. إنه ذاكرة جماعية، ومعلمة هوية، وعلامة فارقة في تاريخ المكان. لا
يُتعامل معه كتحفة فولكلورية نزين بها الكتب السياحية، بل كشجرة ضاربة الجذور، تحتاج رعاية لا دفناً، وسقياً لا قلعاً.
نحن نعرفهم. كبرنا بينهم، وتعلمنا منهم الصدق والأمانة والصبر. ثم اكتشفنا متأخرين أن مدخراتهم ليست سوى أرقام في
كناش الديون، وأن نكت التقشف كانت تُفصّل على ظهورهم، وأن ضحكاتهم كانت تخفي هموماً لا توصف. ومع ذلك،
نفخر أن في دمائنا جينات هذا الإرث، وسنحاول جاهدين ألا نضيعه. فهل تبحث الذاكرة عن حارس، أم أن الحراس
أنفسهم يوشكون على الرحيل؟
إرث الأبناء
يُعرف أن الجد كان يبيع على ظل جمل، يسافر بين القبائل، ويحمل بضاعته على ظهر دابة صابرة. وكان الأب يبيع على
دراجة، يجوب الأزقة، وينادي على بضاعته بصوتٍ أجش. أمّا اليوم، فيجلس على كرسي بلاستيكي مكسور أمام حانوت
صغير، يحلم بحانوت إلكتروني لا يملك ثمن بطاريته.
في جيبه آخر خمسون درهماً، يتأمل فيها وجوه آباءٍ لم يعرفوا البنك، ولا حتى التوقيع، لكنهم كانوا يوقعون على دفاتر
الديون ببصماتهم، كمن يوقع عقداً مع الوطن: أُعطيك ابتسامتي، فأعطني كرامتي.
في الحانوت تعلّم الناس أخلاق السوق قبل قوانينه. تعلموا أن الكلمة عقد، وأن الميزان أمانة، وأن الربح بلا رحمة خسارة
طويلة الأمد. كانت تلك القيم تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، كما تنتقل الحكايات حول موقد المساء. لا مدارس
ولا جامعات، فقط حكايا الآباء للأبناء، وأسرار المهنة التي لا تُكتب.
إنه ذلك الجذر العميق الذي يمسك التراب بأظافره. في قرية نائية، حيث يكون التواصل شبه منعدم، يقف مول الحانوت
كمنارة، يعرف أن آخر قنينة زيت قد تنقذ أسرة، فيعطيها بالثمن نفسه الذي اشتراها به، يخسر درهمين، لكنه يكسب أن
شخصاً ما سيصلي له في خشوع تلك الليلة. هذه ليست تجارة، هذه قداسة متسخة بغبار الحياة.
فهل ستُدفن هذه الذاكرة مع إغلاق الأبواب؟ أم أن هناك من يحمل الشعلة؟
خريطة نجاة
في أحلامنا، نرى مول الحانوت يتحول إلى عقدة في شبكة اقتصادية مستدامة، حيث تُبنى التحالفات بين الصغار، ويُمنح
الدعم كاستثمار في جذور الوطن. نراه متحداً مع جيرانه، مشكلاً تعاونية شراء تشتري بكميات كبيرة لتواجه احتكار
الموردين. نراه متصلاً بالإنترنت، لكنه يحتفظ بدفتره وكرامته. نراه شريكاً في قرار الحي، لا مجرد تابع.
لكن هذه الرؤية تحتاج إرادة سياسية لا تتبخر مع الانتخابات، ولا تذوب مع تغير الوزراء. تحتاج رؤية استراتيجية ترى
في هذا القطاع ركيزة للاقتصاد الوطني، لا مجرد بقايا الماضي.
يمكن للحانوت أن يتجدد دون أن يفقد روحه: شاشة صغيرة بدل الدفتر، لكن الابتسامة نفسها. تطبيق بسيط للطلبات، لكن
المصافحة نفسها. تعاونية شراء تخفف الكلفة، لكن العلاقة الإنسانية نفسها. ليس المطلوب أن يتحول إلى مركز تجاري
بارد، بل أن يبقى قلب الحي النابض… لكن بقلب أقوى وأدوات أذكى.
ربما لا يكون الوداع قدراً: صندوق دعم خاص يمول تحديث الحوانيت دون إفقادها روحها، إدماج في الاقتصاد الرقمي
دون فقدان القرب، تعاونيات محلية تعيد الاعتبار للجماعة على حساب الفرد المنهك. هذه ليست أحلاماً، بل خرائط نجاة،
إن أرادت السياسات أن تُنقذ ذاكرة وطن من الانقراض البطيء.
التعاونيات ليست حلماً رومانسياً، بل خريطة طريق: تعاونيات شراء تواجه احتكار الموردين، تعاونيات تسويق رقمي
تحافظ على القرب، تعاونيات تدريب تحوّل الورثة من سجناء ديون إلى روّاد أعمال صغار. تحتاج إرادة سياسية ترى في
مول الحانوت شريكاً في السيادة الاقتصادية، لا رقماً في إحصاءات البطالة. صندوق وطني، ليس منّة ولا صدقة، بل ردّ
دين وتقدير لدور حاسم.
لقد استُهلكت لغة المديح
لقد استُهلكت لغة المديح حتى فقدت معناها. لم يعد خطاب مول الحانوت عماد الحي يقنع أحداً، لأنه خطاب بلا أفعال.
الرأي العام يعرف القصة عن ظهر قلب، والمجتمع المغربي حفظ فصولها المؤلمة دون حاجة لراوٍ. الوقت ينفد،
والتضييق يشتد، وكأننا أمام موت بطيء، يُدار بنعومة قاتلة، حتى إذا اكتملت الطبخة، قيل لنا: هذا منطق السوق.
وهذا منطق السوق ليس قدراً محتوماً، بل اختياراً سياسياً بامتياز. سوق يُصمم ليفيد الأقوياء ويقصي الضعفاء، حيث
تتحول الأحياء إلى ساحات معركة غير متكافئة، ويُسمح للعمالقة أن يدوسوا الصغار باسم الحرية الاقتصادية والمنافسة
الشريفة. أي منافسة هذه بين فيل ونملة؟
أما وقد بلغ العبث مداه، وصار الهزل سياسة، فلا يسعنا إلا أن نستحضر حكمة الأجداد: الهدرة ما تشري خضرة.
فالبكاء على الأموات لا يعيدهم، إلا عند التماسيح التي تذرف الدموع وهي تبتلع فريستها. وأقوى الشواهد، ما فعلته
سلاسل المال العابر للحدود، ومنصات التجارة الرقمية، التي دخلت بلا كوابح، وخرجت بأرواح تجارة القرب.
ومع ذلك، تبقى المفارقة الصارخة: هذا القطاع المحتضر يضخ الحياة في شرايين الميزانية العامة. كلما ضاقت الأحوال،
عادوا إليه ليملأ الفراغ، ثم ما إن تهدأ العاصفة حتى يُرمى إلى الهامش من جديد. وفي كل مرة،لجنة حكومية من
رماد الضجيج، تحكي بطولات مول الحانوت، وتعدد مناقبه، دون أن تقدم خريطة نجاة، أو رؤية مستقبل، أو حتى اعترافاً
بحجم الكارثة القادمة.
وفي دهاليز الوزارات، حيث يتقاسمون كعكة الميزانية، يجلسون يتأملون أرقاماً بلا وجوه، لا يعرفون أن خلف كل رقم
يقف مول الحانوت بسروله المتهدل، وقميصه المتسخ من الغبار، يمسك بيمينه دفتر الديون وباليسرى مسبحة من قلق، يعد
الليالي حتى يوم السوق القادم، حيث سيعود ليشتري بضاعته من التاجر نفسه الذي سيمتص هامش ربحه مجدداً، في دورة
لا تنتهي من الاستنزاف المقنن.
وفي الخاتمة، المفارقة القاتلة: دعم سخي يُمنح لكل رأس غنم مستورد، ولكل طن قمح أجنبي، ولا رأس مال معنوي ولا
مادي لمول الحانوت، الذي يسد عجز الدولة بدفتره، ويحفظ تماسك المجتمع بابتسامته. رؤوس تُدعَم بالمال، وأخرى تُهرَّل
في صمت، والباقي مؤجل إلى موسم قطاف لا يأتي.
فليصر الباب
وحين ينطفئ آخر ضوء في الحانوت، لا ينطفئ متجر، بل تنطفئ حياة حي بأكمله. سيظل ذلك الباب الخشبي صامتاً، لكن
صريره سيبقى في ضمير الحي نداءً لا يسمعه إلا من يريد أن يسمع.
نحن لا نودّع متجراً، بل نودّع جزءاً من روحنا. فإذا أُغلق آخر باب في آخر زقاق، فمن سيفتح فجراً جديداً للحي؟ ومن
سيحرس وحشة الشارع بعد أن ينام الجميع باكراً؟
يا أبناء الذين كبروا من عرق هذه الرفوف، لا تنظروا إلى حوانيت آبائكم كأطلال تستحيون منها. إنها قلاع الصمود
الأخيرة في وجه عولمة جارفة. تحديث الحانوت لا يعني مسحه من الوجود، بل ضخ الروح في جدرانه، وتقوية أساساته،
ليبقى حصناً ضد التوحش المادي. لا تتركوا المفتاح الصدئ يسقط من يد الأب، بل حوّلوه إلى مفتاح لمستقبل يحفظ
الكرامة.
فليصرُ البابُ مرةً أخيرة، ليس ليُغلق، بل ليوقظَ من ينامون على صوته.