يلعيد البوسكي
في مثل هذا اليوم، 6 نونبر 1985، طويت صفحة من صفحات النضال اليساري المغربي، لكنها بقيت محفورة بعمق في الذاكرة.
في هذا التاريخ، استشهد المهندس والمناضل أمين التهاني، تحت وطأة التعذيب الممنهج في المعتقل السري سيئ الذكر درب مولاي الشريف.
كان أمين التهاني، الذي لم يتجاوز عمره، آنذاك، التاسعة والعشرين، قيادياً بارزاً في منظمة إلى الأمام، وخريجاً من المدرسة المحمدية للمهندسين، وسبق له أن عمل في شركة لاسامير لتكرير البترول.
و معروف في أوساط اليسار المغربي أن الرفيق أمين التهاني اعتقل رفقة زوجته المهندسة ماريا شرف في أكتوبر 1985 ضمن حملة الاعتقالات التي شنها النظام السياسي على المناضلين اليساريين، وتم اقتيادهما إلى جحيم المعتقل السري.
حرمانه من الدواء داخل المعتقل
هذه ليست مجرد مادة تاريخية، بل هي شهادة مباشرة عن رفيقي التهاني الدي كنت أتقاسم معه نفس الزنزانة، واليوم في ذكرى وفاته لا بد لي من أن أروي بعض تفاصيلها من اللحظات الأخيرة التي سبقت استشهاده:
كان الشهيد أمين التهاني يعاني من مرض الربو (الضيقة)، وهو الأمر الدي كان يتطلب من إدارة السجن أن تضمن له رعاية طبية خاصة. لكن في زنازين التحقيق والتعذيب بدرب مولاي الشريف، لم يراعِ الضباط وضعه الصحي الحرج ومخاطر مضاعفات المرض عليه نتيجة التعذيب الوحشي، بل تم حرمانه حتى من استعمال الدواء البخاخ (الربوز) الضروري لاستنشاق الأوكسجين.
وبما أنني كنت أعاني كسجين سياسي من نفس المرض، لحسن الحظ اصطحبت معي أدويتي،
لقد لاحظت أن بعض ضباط التحقيق كانوا يأخذون البخاخ الخاص بي لتسليمه إلى الشهيد أمين.
للأسف الشديد، لم ينفع معه الدواء بعد أن كانت حالته قد تدهورت بشكل خطير بسبب التعذيب المتواصل وتفاقم المرض.
وبعد تدهور حالته الصحية، اضطر جلادوه إلى نقله على عجل إلى مستشفى ابن سينا بالرباط، وهناك استشهد الرفيق أمين التهاني يوم 6 نونبر 1985.
وبحكم وجودنا في المعتقل السري، لم يصلنا خبر استشهاده مباشرة، غير أننا لاحظنا سرعة غير مسبوقة في التحقيق والتحركات، وكأن شيئاً جسيماً قد وقع.
لم تمر سوى أسبوعين حتى تم تقديمنا للمحاكمة، وهناك سمعنا الخبر المؤلم باستشهاد الرفيق المناضل أمين التهاني.
الذاكرة والنضال مستمر
تظل قصة المهندس أمين التهاني رمزاً للتضحية، وتذكيراً بفظائع المعتقلات السرية في فترة سنوات الرصاص، حيث كان النضال من أجل التغيير والديمقراطية يكلف أرواحاً زكية.
إن حرمان مناضل مريض من دوائه تحت التعذيب يمثل أوضح دليل على الوحشية الممنهجة التي مارسها النظام في تلك الفترة.
تواصل عائلة الشهيد بمعية رفاقه، إلى اليوم، النضال من أجل معرفة الحقيقة كاملة غير منقوصة ومحاسبة المتورطين في تعذيبه وإهمال العناية بمعالجة مرضه كحق من حقوق الإنسان.
وكما تواصل عائلة الشهيد رفضها المطلق لطي ملفه ضمن ملفات ماضي سنوات الرصاص دون الكشف عن الحقيقة كاملة.
إن شهادتي ضرورية تضاف إلى العديد من الشهادات الحية من أجل حفظ الذاكرة التاريخية من النسيان والإهمال.
المجد والخلود للشهيد أمين التهاني.
فلترقد روحه الطاهرة بسلامَ!
06/11/2025
نيويورك