المصطفى روض
مقدمة: دمشق بوصلة النضال الإعلامي
بين عامي 1983 و1988، لم تكن دمشق مجرد عاصمة عربية تستضيف فصائل المقاومة الفلسطينية، بل كانت ورشة عمل فكرية وسياسية كبرى. في تلك الفترة، كنت أخوض تجربة استثنائية كصحفي مغربي في مجلة “الحرية” الفلسطينية، وهي التجربة التي بدأت بفكرة “مختمرة” انتهت بمسيرة مهنية ونضالية في قلب الإعلام اليساري الفلسطيني.
الشرارة الأولى: من منظمة العمل إلى “الحرية” الفلسطينية
لم يكن وصولي إلى هيئة تحرير مجلة “الحرية” وليد الصدفة، بل كان نتاج تشابك علاقات الرفاق اليساريين العابر للحدود. بدأت الحكاية مع الرفيق المهندس الزراعي حسن الذهبي، زميلي في “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” المغربية والدي سأتعرف عليه شخصيا عندما وصلت شهر نونبر 1983.
كان للرفيق الذهبي صديق من المناضلين في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، والذي كان متعاوناً مع المجلة. ومن هنا ولدت الفكرة: لماذا لا ينضم صحفي مغربي شاب، يحمل ذات الخلفية الأيديولوجية، إلى أطر هيئة مجلة “الحرية”؟ طرح الصديق العراقي الفكرة على رئيس التحرير الرفيق داوود تلحمي، الشخصية الفكرية الوازنة والمشهور بافتتاحياته العميقة التي كان يذيلها باسمه المستعار (وائل زيدان)، والتي كانت تُقرأ بدقة في البلدان العربية والدولية لتحليلها العلمي الرصين ولأسلوب مواجهتها للأنظمة الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية.
عشاء دمشقي: بين الفرح والرهبة
أتذكر ذلك الموعد جيداً؛ عشاء في منزل الشاعر والصحفي العراقي جمعة الحلفي، عضو القسم الدولي والعربي بالمجلة. كنت أسير مشاعر متناقضة:
- الفرح الغامر: بالعمل في منبر يمثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة الرفيق نايف حواتمة أمينها العام والرفيق ياسر عبد ربه أمينها العام المساعد.
- الرهبة والشك: كنت أتساءل في تلك اللحظة الدمشقية” وهل أمتلك القدرات المهنية لمجاراة كتاب مجلة “الحرية” أنا القادم من كريان لاحونا البئيس ومن محيطه الاجتماعي؟ وكنت أراجع بعض القامات الإعلامية والفكرية التي تعمل فيها وأخرى تتعاون معها والتي كنت أقرا مقالاتها ودراساتها قبل أن أسافر إلى دمشق مثل الناقد فيصل دراج والشاعر الكبير سعدي يوسف والروائية ليانة بدر والشاعر زكريا محمد والشاعر راسم المدهون والشاعر غسان زقطان و السوسيولوجي جميل هلال ووائل زيدان وفاضل الربيعي..الخ.
- كانت المجلة مدرسة تضم نخبة من المتخصصين في الفكر، والنقد، والسياسة، وهي التي أسسها أعضاء في حركة القوميين العرب وكانت نافذة للنضال الوطني الفلسطيني قبل وبعد تأسيس منظمة التحرير.
تلك المجلة التي كانت لسان حال الجبهة الديمقراطية وفي فترة قصيرة كانت تتشارك معها منظمة العمل الشيوعي اللبنانية بقيادة محسن إبراهيم قبل تأسيس الأخيرة مجلتها الرائدة “بيروت المساء، كانت تحمل إرثاً إعلامياً ثقيلاً يجعل من الانتساب إلى هيئة تحريرها تحدياً لا يستهان به.
الاختبار: المقال الذي فتح الأبواب
داخل شقته، وبحضور الرفاق الأربعة عراقيان ومغربيان، تبددت مخاوفي حين طرح الحلفي صيغة “الاختبار”. كان المطلوب مني كتابة مقال سياسي يثبت جدارتي. تحدث الحلفي يومها عن تجربته وحواراته مع قادة يساريين كبار مثل فيدل كاسترو، مما رفع سقف الحماس لدي.
خلال يومين، أنجزت مقالاً بهدوء عن الأوضاع السياسية للمغرب لا زلت أحتفظ به، وكانت حاجة المجلة صحفي يركز على شؤون المغرب العربي. وحين سلمته المقال، انتقلت إلى مقر المجلة؛ ذلك القبو الدمشقي الفريد الذي كان يوزع مكاتبه بطريقة تشعرك بالأمان وتحفزك على الكتابة والقراءة. نال المقال رضا داوود تلحمي والحلفي، وكان القبول ليس فقط مهنياً، بل تعبيراً عن الاعتزاز بالعلاقة الكفاحية بين “الجبهة الديمقراطية” و”منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” المغربية.
العقد والمبادئ: الكفاح المسلح والوحدة الترابية
في يومي الأول، واجهت تفصيلاً قانونياً وتنظيمياً هاماً. عُرض عليّ من المؤسسة الإعلامية بصفتها تابعة لفصيل الجبهة الديمقراطية وصيغة العقد موحدة لدى كافة مؤسسات وفصائل منظمة التحرير، والذي يتضمن بنداً صريحاً بالالتزام بـ “الكفاح المسلح“.
كنت صريحاً مع الإدارة: “أنا أساند كفاحكم العادل بكل جوارحي بما فيه الكفاح المسلح، لكن لا يمكنني التوقيع على هذا البند كتابةً مخافة الملاحقات الأمنية في بلدي في حال تسرب خبر عن فحوى العقد وبنوده، كما أنني لن أكتب ما يسيء للوحدة الترابية المغربية في ملف الصحراء”.
لقي موقفي تفهماً كاملاً من الرفاق ومن رئيس التحرير، الذين أكدوا أن العلاقة الرفاقية فوق الشكليات الإدارية، مما طمأنني وبدأنا رحلة العمل التي استمرت لسنوات في واحدة من أزهى فترات الصحافة الملتزمة.
تجربة “الحرية” كانت تجسيدا للأممية اليسارية
كانت تجربة “الحرية” في دمشق أكثر من مجرد عمل صحفي؛ كانت انصهاراً في هموم أمة، وتجسيداً للأممية اليسارية التي لا تعترف بالحدود، في قبو كان يخرج منه فكر يضيء عواصم بعيدة.
وعندما بدأت في كتابة مقالاتي كان علي أن أوقعها باسم راوول مسيليتا وهو الاسم المركب من عنصرين. الأول له علاقة بصعوبة نطق اسمي العائلي من قبل أصدقاء إسبان في كطلونيا، فبدل أن ينادونني روض ينادونني “راوول”. أما العنصر الثاني له علاقة بالتسمية التي كان يطلقها علي أصدقاء ومشجعون عندما كنت ألعب كرة القدم و كنت بارعا في المراوغة ما كان يجعلهم يطلقون علي تسمية مسيلسيتا التي كانت تتعني لهم المراوغ.
وما ان بدأت العمل الصحافي في مجلة الحرية كان علي أن لا أنسى صحيفة أنوال، وهي التي يعود لها الفضل في إرسالي إلى دمشق لمتابعة الدراسة في الجامعة بعد أن تم تكليف الرفيق سعود الأطلسي من قبل الكتابة الوطنية للاتصال بالسفارة السورية من أجل المساعدة في توفير منحة دراسية. و قمت بتأسيس مكتب “أنوال” بالشرق الأوسط كنت مراسله الوحيد حيث عملت بتوازن كنت أنتج على أساسه منتوجا إعلاميا لمجلة الحريةو و لصحيفة أنوال باعتبارها صحيفة منظمى العمل الديمقراطي الشعبي. وللحديث بقية.