بقلم: محمد التاودي
على أرضٍ تلبس ثوب الشمس، لا تُقال المشاعر بل تُلمَح في الانكسارات الصغيرة وفي الصمت الطويل. في المغرب، للحزن نسيج خاص، وللغضب طقوس غير معلنة. هنا تتشكّل المشاعر كما يتشكّل الزليج: قطع متكسّرة تجتمع لترسم لوحة واحدة كثيفة.
كل لون في هذه اللوحة يحكي قصة ألم مؤجَّل، أو ثورة لم تُعلن. الأحزان تُختزن في جرار الذاكرة الجمعية، والغضب يُدفن تحت سجادة التقاليد، حتى إذا ضاق به المقام، خرج فجأة كبركان.
هذا النص محاولة إنصات لروح الجماعة في مغرب اليوم، حيث تتعايش المشاعر مع الصبر، لا لأنه اختيار، بل لأنه آخر ما تبقى.
جغرافيا الغضب – حيث يسكن الوجع
لا ينفصل الغضب عن مكان ولادته. فهو يتشكّل حسب تضاريس العيش.
في أحياء الدار البيضاء ومراكش الشعبية، وفي المدن المهمشة، تتعانق الأزقة الضيقة كما تتعانق المصائر. هنا لا يكون الحزن ضيفًا عابرًا، بل إرثًا ثقيلًا يتوارثه الأجيال، ونسيجًا يوميًا لا ينقطع. تشير دراسات سوسيولوجية محلية إلى أن نسبة الشباب الذين يشعرون بعدم الإنصاف المكاني تتجاوز 65 في المائة في هذه الأحياء، وهو رقم يترجم نفسه يومياً في تعابير الوجه ونبرات الصوت.
فهو ينبض من رحم سياقٍ مُركم: فقرٌ يعبر الزمن، وبطالةٌ تجثم فوق صدور الشباب، وانتظارٌ طويل يتحول إلى إيقاعٍ للحياة. كل زقاق يُختزل في حكاية، وكل نافذة تُطلُّ على محيط من الصبر المرير، حيث يتحول التحمل إلى مهارة والبقاء إلى نصر صامت.
هذه ليست أرقامًا في تقارير، بل نبض حيّ. قصص تُحكى همسًا خلف الجدران، أو تظل حبيسة الصدر. قصص نساء يطوين ظلام الليل مع أول ضوء، وشباب يقذف بهم الفراغ إلى مقاهٍ ضيقة، ليس كسلاً بل لأن الحياة ضاقت بهم سبلًا.
أحيانًا، في منعطف غير متوقع، تلتقي نظرة طفل بحقيبة ثقيلة بنظرة شيخ يستند على عصاه، في لحظة صمت تعبر فيها الأجيال عن إحساس واحد: أن شيئًا ما مفقود.
أحياء الهامش: تشريح الجغرافيا الغاضبة
لا ينحصر الحزن عند أطراف المدن، بل يمتد صعودًا نحو القمم المنسيّة في جبال الأطلس، حيث يتحول البرد إلى هوية وجودية. هناك يكتسي الغضب عباءة الثلج، وينمو الصمت كالأعشاب الجبلية.
في تلك القرى المعلقة بين السماء والنسيان، يصبح الغضب طابعًا مكانيًا: غضبٌ من المسافات التي لا تُختصر، ومن الطرقات التي تقطعها السيول. هذا الحزن لا يتحول إلى خطاب، بل إلى نظرات حادة تشق الضباب، وإلى انتظارٍ طويل لسيارة إسعاف قد لا تصل. إنه غضب “المغرب غير النافع”، ذلك التصنيف الذي تحوّل إلى ندبٍ في الذاكرة الجمعية. إنه غضبٌ هادئ كطبقات الجبل، لكنه ثقيل ينتظر لحظة التحرر.
في هذا البلد الذي يسكن التاريخ في طبقات أرضه، يكون الغضب ابناً للجغرافيا وابناً للحوار مع سماء قاسية. له دورةٌ زراعية، هو غضب الجفاف الذي يتجسد في عيون الفلاحين وهم يتأملون سحبًا عابرة. هنا يكون الحزن هو تصدعات الأرض، ويكون الغضب صلاة استسقاء تخفي في طياتها رعبًا من غدٍ أجرد.
عندما تتأخر الأمطار، يتحول الغضب إلى قلق وجودي. القلق من تحوّل الخضرة إلى اصفرار هو في جوهره قلق على مستقبل يُسرق من الأبناء. هذا الغضب الترابي هو الدافع الخفي للهجرات نحو هوامش المدن، حيث يتحول الفلاح من سيد في أرضه إلى رقمٍ في صحراء الإسمنت.
حين يُهمَّش مكان، يُهمَّش أهلُه، فيصبح غضبهم جزءًا من هوية المكان: حائطًا مليئًا بشعارات، درجًا متهالكًا، ونظرة شك. الغضب هنا ليس عاطفة عابرة، بل ترسبٌ جغرافي يختزن سنوات من الإهمال.
الجسد: سيرة الغضب الصامتة
في هذا السياق، يصبح الجسد نفسه سردية للغضب المكتوم. “الضغط” ليس مجرد رقم طبي، بل مؤشر للكبت اليومي. و”السكري” قد يكون حلواً سامًا يطفو فوق دمٍ محمّلٍ بمرارات.
حتى آلام الظهر المزمنة تحكي قصة أعباء غير مرئية. في العيادات، تُصفَى المسكنات، لكن قلّما يُسأل عن أصل الألم النفسي المستقر في العضلات. يصبح الجسد نصاً طبياً موازياً، يُقرأ بين سطوره تاريخ غضبٍ ممنوعٍ من الكلام.
الإدارة: حيث تتحول الكرامة إلى ملفات
وللغضب في المغرب نكهة ورقية، تنبعث من رائحة الأوراق القديمة في المرافق الحكومية، حيث يتحول المواطن إلى “ملف” ينتظر نظرة عابرة من موظف أنهكه الروتين.
في تلك الممرات الباردة، تُباع الكرامة بالتقسيط: “عود غداً”، “الوثيقة ناقصة”. هذا الغضب لا ينفجر عادة، بل يترسب، يصبح مادة صلبة تسدّ المسامات النفسية. إنه غضب “الحكرة” في أصفى تجلياته، حين يتحول الحق الأساسي إلى منّة، مما يخلق رغبة مكبوتة في تحطيم ذلك الحاجز الذي يفصل الإنسان عن اعتراف المؤسسة بإنسانيته.
أنثروبولوجيا الكبت – الطقوس والتحويلات
إذا كانت الجغرافيا تحدد مكان الغضب، فإن الثقافة تحدد شكله ومسارات هروبه. إنها تشكل نظامًا عاطفيًا خاصًا.
في السياق المغربي، لا تُترك المشاعر في حالتها الخام. الحزن يحظى باعتراف جماعي وطقوس محددة: العزاء، الاجتماع حول الطعام، حضور الجماعة. لا يُترك الحزين وحيدًا.
في المقابل، لا يحظى الغضب بالمعاملة نفسها. لا توجد له طقوس معترف بها، ولا فضاءات مخصصة للتعبير عنه. غالبًا ما يُنظر إليه بوصفه تهديدًا للنظام أو خللًا أخلاقيًا.
وإذا كان غضب الفئات المهمشة يتشكل بفعل الفقر والتهميش، فإن ما يبدو استقرارًا في المركز يخفي بدوره أشكالًا أخرى من الاحتقان، أكثر هدوءًا. غضبٌ مؤجل يُدار بالصمت، لكنه يتراكم تحت السطح.
وإذا كان غضب الهامش صارخاً، فإن غضب الطبقة المتوسطة هو غضب ‘مهذب’. إنه غضب ‘الانزلاق’ الخفي؛ ألم المحاربة اليومية للبقاء في مربع ‘الاستقرار’ المتآكل. هذا الغضب لا يكسر الأبواب، بل يكسر الداخل؛ يتجلى في القلق من فاتورةٍ غير متوقعة، وفي الخجل من حلمٍ مؤجل. هؤلاء يمارسون ‘تقيةً اجتماعية’ مريرة؛ يبتسمون في الصور بينما قلوبهم تغلي من ضغط ‘المظاهر’.
تحويلات الغضب النسائي: من التطريز إلى الطهي
ويتخذ الغضب الأنثوي أشكالاً تحويلية. فالمرأة لا تكبت غضبها فقط، بل تنسجه. يتحول إلى زخارف من العطاء الزائد الذي يرهق الجسد، أو إلى حكايات قبل النوم تحمل بين سطورها تحذيرًا، أو إلى إبداع في الطهي يصبح لغة حنق. غضبها قد يظهر في ‘الحرقة’ التي تضع فيها من البهارات ما يحرق اللسان، كإعلان صامت عن رفض.
وفي ‘الزربية’ التي تنسجها، كل عقدة قد تكون لحظة من صبر انتهى. إنه غضب لا يصرخ، بل يُطرّز، ويُطهى، فيصبح جزءًا من النسيج اليومي.
ولأن الحزن لا يتوزّع بالتساوي، فإن النساء يحملنه بيدين إضافيتين: يدِ العمل ويدِ الصمت. المرأة هنا لا تُطالَب فقط أن “تصبر”، بل أن تُتقن الصبر كحرفة.
وحين تغضب المرأة، يُعاد تأويل غضبها بسرعة: يُسمّى “تشنّجًا”، “نرفزة”. لذلك، كثيرًا ما يُترجم غضب النساء إلى شكلٍ آخر: صداعٍ دائم، إرهاقٍ بلا اسم، أو ابتسامةٍ تتقن التمويه. إنهنّ لا يفتقدن الغضب؛ إنهنّ يفتقدن شرعيته.
الطقوس البديلة
وبغياب الطقوس الرسمية للغضب، تفرز الثقافة طقوسًا بديلة. تظهر في ‘العيطة’ والملحون، حيث يتحول الصوت الحزين أو الغاضب إلى نغمة موّسقة. وتتجلى في فن ‘التشحيرة’ و’البهلوان’ حيث يسخر الممثل من السلطة بسخرية لاذعة، تحت غطاء الترفيه.
حتى في بعض الطقوس الشعبية، قد يجد البعض في الإنشاد والذكر منفذًا لتحويل الطاقة الغاضبة إلى وجد روحي. هذه المنافذ ليست حلًا، بل صمامات أمان ثقافية تسمح بتنفيس جزئي.
لغة الازدواج
واللغة نفسها تحمل في ثناياها غضبًا موروثًا. فهي تنقسم بين لغة رسمية قد تبدو كمسافة باردة عن الواقع، ولغة دارجة حية تحمل تناقضات الشارع، ولغات أمازيغية تختزن ذاكرة الجبال. هذه التعددية تخلق ازدواجية داخل الوعي.
فالكلام الذي يُقال في العلن قد يختلف جذريًا عن الهمس الداخلي. الغضب يضيع أحيانًا في الترجمة بين هذه الطبقات اللغوية. اللغة هنا ساحة صراع أخرى.
حتى اللغة اليومية تشارك في هذا الإخفاء. فالمغربي نادرًا ما يقول غضبه مباشرة. الدارجة تتقن الالتفاف، التلميح، النكتة التي تخفي السكين داخل الضحكة. نقول «واخا» بمعنى الاستسلام المؤقت. نقول «الله يجيب اللي فيها الخير» ونحن نعرف أن لا شيء في اليد. هكذا يصبح الكلام قناعًا اجتماعيًا، وتغدو السخرية استراتيجية جماعية.
سيرة الأجيال
يمر الغضب كالموجة عبر الأجيال، يتغير شكله ولكن تظل جوهرته متقدة.
منذ الطفولة، يُدرَّب الفرد على الاحتمال، على “التحمّل”. في مشهد من طفولة مغربية: طفل في طابور طويل أمام المدرسة، يسمع والده يردد “اصبر يا بني”، بينما يشعر أن الصبر ليس فضيلة بل عبء وراثي. هكذا يُزرع الغضب في النفس منذ البداية.
الشباب كجسر
وفي هذا السياق، يأتي الشباب كجسر بين التقاليد والثورة، يحملون غضبًا لم يعد يقبل الكبت.
شباب نشأوا على وعود التنمية وخيبات الواقع، لا يرثون الحزن كإرث سلبي فحسب، بل يحولونه إلى وقود: ينفجر في احتجاجات الشارع، أو يتسرب في موسيقى الراب التي تحكي عن البطالة كسجن غير مرئي.
هؤلاء الشباب لا يتقنون الصبر كآبائهم، بل يطالبون بالتغيير، مستخدمين الهاشتاغ كسيف. لكنهم يدفعون ثمنًا باهظًا: غضب يُقمع، أو يُحوّل إلى يأس. مغنٍ في حي شعبي يغني عن “الخبز المرّ” و”الحلم المكسور”، والجمهور يردد معه كأنه يفرغ غضبه في الإيقاع.
الهجرة كجرح مزدوج
وفي هذا المناخ، تأتي الهجرة كشبح يحوم فوق الأسر. في قصة شاب من طنجة يودّع أمه عند الميناء، وهي تضع في حقيبته صورة العائلة وكسرة خبز. الغضب هنا يتجسد في دموعها المكبوتة.
آلاف الشباب يغادرون نحو أوروبا، تاركين خلفهم آباء يصمتون أمام الفراغ، وأمهات يبكين في صمت الليل. الهجرة هنا ليست مجرد انتقال جغرافي، بل انقسام نفسي: غضبٌ من الوطن الذي لم يمنح فرصة، وغضبٌ من الغربة التي تسرق الهوية.
المهاجر المغربي لا يترك غضبه في الميناء. هناك، يتحول الغضب إلى ‘شيزوفرينيا’ وجدانية: غضبٌ من وطنٍ ضاق بأحلامه، وغضبٌ من بلاد غربةٍ تراه مجرد رقم.
يعيش في برزخٍ لا هو وصل، ولا هو بقي؛ يشتري بمال الغربة أثاثاً لبيتٍ في المغرب قد لا يسكنه أبداً. إنه غضبُ الانتماء الممزق.
أما الذين يبقون، فيورثون هذا الجرح: أسر تتغذى على حوالات المال التي تأتي محملة بطعم الذل. هكذا تصبح الهجرة جزءًا من الذاكرة الجمعية، خريطة من الفقدانات.
من فكرة الغضب العام إلى حكاية واقعية
إن الغضب الذي يجول في الروح، حينما ينقلب إلى قصة شخصية، فهو يحتاج إلى جسرٍ وجودي. هذا الجسر هو الإنسان نفسه.
في شخصية “وديع”، نجد نموذجًا لهذا الجسر. اسمه يوحي بالهدوء والمسالمة. لكن الوداعة الحقيقية ليست ضعفًا، بل قدرة هادئة على الاحتمال تنضج في داخلها بذرة الغضب العادل.
وهنا يكمن التناقض المأساوي: رجل يُفترض أن يكون نموذجًا للهدوء، يكتشف أن شبابه قد ضاع تحت وطأة تقاليد تُلزم بالصبر حتى الموت. إنه جيل حوصر في هذه الازدواجية: أن يكون وديعًا في الظاهر دون أن تكون هذه الوداعة اختيارًا حرًا.
من هذا المنظور، لا تمثل قصة وديع استثناءً فرديًا، بل هي مرآة لجيلٍ سابق آثر الصمت (أو أُجبر عليه)، تُعرّض أمام جيل جديد يرفض هذا المصير. لقد تحول وديع إلى جسر من لحم ودم وذاكرة.
لذلك، فإن الدخول إلى حكاية وديع هو انتقال من النظر إلى الظاهرة من بُعد، إلى تلمس ندوبها على جسد واحد.
كان الغضبُ يدقُّ كساعةٍ داخل جسده. لم يكن غضبًا عابرًا، بل مناخًا وجوديًا يعيش فيه.
كان وديع يوقّع اسمه كل صباح بخطٍّ يبدو كتحفةٍ صغيرةٍ من النظام. ولكن تحت هذا الاتقان، كان الزلزال يُدوِّي. كلُّ توقيعٍ كان يُشبه ختمَ موافقةٍ على عقدٍ مع الحياة، عقدٍ لم يقرأ بنوده.
كان يرتدي بذلته الرمادية، ويلفّ وجهَه بابتسامة المكتب، ويضع قلبه في جيبٍ سري. يقول لنفسه: “اليوم سيكون مختلفًا”، وهو يعلم أنّ الاختلاف الوحيد سيكون في ترتيب الأوراق.
المكتب كمسرح للطاعة
في مكتبه الضيق، كان وديع يحاور الأرقام. أرقام الميزانيات، أرقام الرواتب. كان يعلم سرًّا: الأرقام لا تكذب، لكنها لا تقول الحقيقة كلّها. فهي لا تحسب كرامةَ الإنسان.
جاءه مديره الشابّ، الذي كان يرتدي ثقةً مصنوعة. قال له: “وديع، أنت عمودُ هذا القسم”. شعر وديع كأنه عمودٌ فعلاً، عمودٌ يحمل سقفًا ثقيلاً، ولا أحد يرى الجدران التي تشقّقَت حوله.
العودة إلى الجذر الأول
في عطلة نهاية الأسبوع، زار وديع أباه في البيت القديم. الأب، الرجل الثمانيني، كان يجلس في الشرفة.
قال الأب: “أتعرف، يا ولدي، كنتُ أحلم أن تصير مهندسًا”. صمتَ قليلاً ثم أضاف: “لكن الحياة، مثل المِغزل، تلفّنا كيفما تريد.”
نظر وديع إلى عيني أبيه المُتعبتين، فرأى فيهما مرآةً لمستقبله. اكتشف فجأة أن غضبه إرثٌ. إرثٌ من صمت الرجال في عائلته. كان غضبه يُكلّم غضب أبيه، وغضب أبيه كان يُجيب غضبَ جدّه. سلالةٌ من الأحزان المُعلّقة.
الليل.. حيث تتكشف الهشاشة
في الثالثة فجرًا، يستيقظ وديع. يمشي إلى المطبخ. يشرب الماء، ينظر من النافذة إلى شارعٍ خالٍ.
هنا، في صمت الليل، يسمع صوته الداخلي بوضوح. صوتٌ يقول: “من أصبحتَ؟”. لا إجابة. فقط صورة طفلٍ كان يحلم أن يكون رحّالاً يكتب عن المدن البعيدة.
كان يعود إلى السرير، ويُغطّي وجهَه بالوسادة، ليس لإخماد صراخٍ، بل لإخماد صمتٍ كان يصرخ في أذنيه.
العيادة.. حيث يُسَمَّى الوحش
في العيادة النفسية، قال وديع للطبيب: “أشعر أنني شجرةٌ بلا ظلّ.”
سأله الطبيب: “وماذا يعني لك الظلّ؟”
فكر وديع ثم أجاب: “الظلّ هو المكان الذي أستريح فيه من نفسي.”
كانت هذه الجلسات أشبه بغوصٍ في بحرٍ داخليٍّ مظلم. مع كلّ كلمة، كان يلمح أشكالاً غريبة في الأعماق.
قال له الطبيب: “غضبك ليس عدوّك، بل حارسٌ لجرحٍ قديم.”
حيث يلتقي الضوء بالظل
في ليلةٍ، جلس وديع مع زوجته سلمى على الشرفة.
قالت له سلمى: “أعرف أنك تحمل شيئًا ثقيلاً. لا أحتاج أن تخبرني ما هو، لكن أريدك أن تعلم: أنا هنا.”
لم يقل وديع شيئًا في البداية. ثم أمسك بيدها، وقال: “أخشى أن أكون قد نسيت كيف أكون سعيدًا.”
أجابت: “السعادة ليست شيئًا تتذكره، بل شيء تبنيه كل يومٍ من لحظاتٍ صغيرة. مثل هذه اللحظة الآن.”
كانت هذه المحادثة كالنافذة التي تُفتح في غرفةٍ مغلقة منذ سنوات. لم تُغيّر الواقع، لكنها غيّرت الهواء الذي يتنفسه.
الكتبي: خيمة الذاكرة
في مساءٍ، وقف وديع عند الرصيف المقابل لمحطة الترام. هناك، في ركن متواضع، كان يوجد كُتبي الحي. لم يكن متجرًا بالمعنى التقليدي، بل خيمة صغيرة من الخشب والذاكرة، يقف أمامها رجلٌ مسنّ.
كانت الكتب لا تتراص كبضاعة، بل تعيش كعوالم موازية. الكتبي لم يكن مجرد بائع؛ كان قارئاً للوجوه قبل الصفحات.
في هذا المكان، لم تكن الكلمات حبيسة الحبر. كان المسنّ يتعامل مع الكتب كما يتعامل البستاني مع الأزهار. كان يبيع الذاكرة، ويشتري القصص الجديدة. في هذا الحي الذي تدور فيه الحياة بسرعة، كان ركنه جزيرة زمنية مختلفة.
هنا، كان هذا الكتبي المتواضع يذكّر الجميع أن بعض أبواب العالم لا تُفتح بمفاتيح معدنية، بل بكلمات مكتوبة على ورق قديم.
حين يصبح الغضب لغةً
اشترى وديع دفترًا ذا غلاف أزرق. لم يتعامل معه كدفتر ملاحظات عادي، بل كمساحة خاصة.
كان يكتب ليخاطب غضبه مباشرة، لا ليبرره ولا لينكره، بل ليفهمه. أدرك أن هذا الغضب لم يظهر عبثًا، بل كان إشارة إلى جروح قديمة.
بهذه الطريقة، تحوّل الدفتر إلى مساحة حوار داخلي.
مع الوقت، تحولت الكتابة من محاولة علاج إلى فن الترجمة: كان يترجم نوبات الغضب إلى جمل. الغضب لم يعد طوفانًا أعمى، بل تحول إلى نصٍ يمكن قراءته.
بدأت التحولات الصامتة: في البيت، لم يعد الصراخ هو لغته مع أطفاله. في العمل، تعلّم أن يقول «لا» دون أن يخنقه الشعور بالذنب. حتى في صداقاته، تخلّى عن الضحكة المتعالية.
لم يمت الغضب، بل تخلى عن أسنانه. تحول إلى طاقة مراقبة، حاضرة ولكن غير مؤذية.
وذات ظهيرة، لمح وديع في عيني زميلٍ جديد نظرة الضياع التي عرفها جيدًا. اكتفى بأن مدّ إليه كتابًا وقال بهدوء: «قد تجد هنا ما يعبّر عمّا يصعب قوله.»
لم يصبح وديع بطلًا. كل ما حدث أنه تعلّم أن يفهم مسار توتره الداخلي بدل أن يصارعه.
في نهاية تجربته، كتب: لقد فهمت أن الغضب ليس عدوًا، بل لغة لها أسبابها. نشأتُ على الصمت، ثم انفجرتُ غضبًا، واليوم أتعلم كيف أحوّله إلى وعي.
ربما يكون النضج الحقيق هو ألا نحاول اقتلاع أجزائنا الهشة، بل أن نفهمها.
قصة وديع ليست قصة انتصار الغضب ولا قمعه، بل قصة استئناسه. في مجتمعٍ يرفع لواء الصبر، كان غضبه هو الصرخة المكتومة التي ترفض أن تُدفن. كان غضبه إعلانًا: «أنا هنا. وكرامتي لا تزال تتنفس.»
تأمُّلات في تشكُّل الغضب الجمعي
ليست حكاية وديع سردًا منعزلاً، بل هي نقطة التقاء لتلك التيارات التي تحوِّل الغضب من وجعٍ فردي إلى ظاهرةٍ جمعية.
وفي هذا النسيج الإنساني، يعلو صوتٌ لغضبٍ من نوعٍ آخر؛ غضبٍ ينبع من الأعماق، هو غضب الهوية والذاكرة. غضبٌ يسكن الحروف القديمة التي كادت تُنسى، ويرتجف بين أسطر التراث حين يُحاصر. إنه غضب الأرض الوفية حين تُجبر على النطق بغير لغتها، وحين تُسْتَلَبُ منها أسماءُ أمكنتها وأغنياتها. غضبٌ صامتٌ يتحول إلى همسة مقاومة، يذكرنا أن للروح لغة، وأن للذاكرة جذورًا، لا تموت بسهولة، بل تنام تحت الرماد، تنتظر نارَ تذكُّرٍ تشعلها قصةٌ، أو كلمةٌ، أو حنينٌ عائدٌ من بعيد.
وهنا يلتقي غضب وديع بالغضب الجمعي: كلاهما يحاول ترجمة الألم إلى لغة تمنع الاندثار. غضب وديع كان حارساً لكرامته الشخصية، وغضب الهوية هو حارس لكرامة تاريخٍ مهدد. إنهما تعبيران لنفس الحاجة: الاعتراف.
الندبة تحت الجلد
ويتشابك هذا الغضب مع جرحٍ تاريخيٍ أعمق، تحوّل إلى ندبةٍ خفيّة. إنها “الذاكرة الاستعمارية” التي لا تزال تصوغ علاقتنا المركبة بالسلطة. فالغضب هنا هو ابن ذلك الإرث من الريبة تجاه “المخزن” الإداري.
يتجلّى هذا الغضب أحيانًا في تخريب الملك العام، كفعل تمردٍ لا واعٍ، أو في الحلم بـ”الخروج” من الجغرافيا. فنحن لا نغضب من واقعنا الراهن فحسب، بل نغضب أيضًا من شبح “الحماية” الذي ترك ظله طويلاً.
الغضب ابن التاريخ: تراكمات “اللاحسم”
إذن، ليس هذا الغضب ابن لحظته الراهنة فقط. إنه ابن تاريخٍ طويل من التعوّد على “اللاحسم”. في المغرب، تتراكم الخيبات كطبقات الغبار: طبقة استعمار، وطبقة بناءٍ وطنيٍّ أهمل أطرافًا، وطبقة اقتصادٍ عالميٍ يخلّف الإحباط. هذا التراكم لا يقتصر على الدولة، بل يشمل فاعلين آخرين: نخباً اقتصادية تستفيد من الوضع القائم وتغذيه، وزعامات محلية تقليدية تضطلع أحياناً بدور الوسيط الذي يخفف الاحتقان ويحتويه في آن، ومؤسسات دينية تقدم خطاباً في الصبر قد يُفهم كتسويغ للوضع الراهن.
هكذا يصبح الغضب “ذاكرةً جسديةً” جماعية؛ لا نستطيع دومًا استحضار أحداثها، لكننا نعيش ارتعاشاتها اليومية.
ختاماً: ربما تكمن قوة قصة وديع في أنها تذكرنا بأن خلف كل “غضب جمعي” هناك آلاف الـ”وديع” الذين يحاولون ترجمة ذلك الصراخ الداخلي المشترك إلى شيءٍ مفهوم. وهنا يلتقي المصير الفردي بالذاكرة الجماعية.
الغضب في عصر التمزق الرقمي
ومع تحوّل الحياة إلى أضواءٍ على شاشات الهواتف، وجد الغضب الجمعي منبرَه الافتراضي. لكنه منبرٌ هش.
هناك، تُلقى الكلمات كحجارة في بحر التعليقات السريعة. يتحول الغضب إلى “هاشتاغ” يشتعل، ثم يخفت فجأة.
يمنح العالم الرقمي الغضبَ سرعة البرق، لكنه نادراً ما يمنحه عمق الجذور. وهكذا، بعد رحلة افتراضية، يعود الإنسان إلى جسده محمّلاً بنفس الثقل القديم، لكن مع فارقٍ مرير: أن غضبه قد صار “موثقاً” في السحاب، بينما بقيت جروحه الأصلية نازفةً في صمت.
العولمة: الوعد الزائف والقيود المذهبة
وكما وجد الغضب منبره الرقمي، وجد أيضاً سياقاً عالمياً جديداً يغذيه. ففي هذا التشابك، تندفع العولمة كمد بحري يغمر السواحل المحلية، حاملةً بريق الوعود قبل أن تلفظ حطام الخيبات.
ينفتح الاقتصاد كباب فسيح، لكن ما يدخل منه غالباً ريح المنافسة القاسية والعمالة الرخيصة. فأولئك الشباب الذين شحذوا لغتهم الإنجليزية، يجدون أنفسهم وراء طاولات “المراكز الهاتفية”.
هكذا لا توزع العولمة ثرواتها بالتساوي، بل تعيد توزيع اليأس على نطاق أوسع. فهي تخطط لخريطة غضب جديدة: غضب من وهم الوفرة الذي لا يصل إلى الجيب الفارغ.
عند هذا الحدّ، يتحوّل الغضب من شعور محلّي إلى عملة عالمية يتداولها المهمّشون في كل مكان.
وهذا الشعور المركب بالحصار كثيراً ما يبحث عن منفذٍ مفاجئ. وكثيراً ما يجده في لحظات الجماعة العاطفية الهشة، حيث تُختزل كل الإحباطات المتراكمة في رمز واحد، في لحظة انكسار جماعية.
غضب في مركب مولاي عبد الله: حين يتحول الحلم الجماعي إلى شظايا
عقب الصافرة النهائية التي أطفأت حلم التتويج القاري، لم يغادر الآلاف من الجماهير المحتشدة مركب مولاي عبد الله بالرباط في مساء 18 يناير 2026 تحول الفضاء فجأة من مسرح للأمل إلى مرآة عاكسة لهول خيبة لم تكن في النتيجة فقط، بل في الظروف التي أحاطت بها. لقد شعر الجميع بأن النصر سُرق منهم في لحظة مفصلية، عندما أعلن الحكم عن ضربة جزاء واضحة وضوح الشمس لصالح الفريق المغربي.
في تلك اللحظة الحاسمة، بدلاً من احترام قرار الحكم، شهد الملعب موقفاً لاعبيًا غير مسبوق من الفريق السنغالي، الذي احتج بعنف ووصل إلى حد التهديد بالانسحاب الجماعي من المباراة. هذا التصرف الاستفزازي المكثف، الذي استنزف دقائق ثمينة وأفسد وتيرة اللعب، ترك أثره البليغ على نفسية وتركيز اللاعبين المغاربة. لقد تم تسميم الأجواء الرياضية عمداً، وتحولت المنافسة الشريفة إلى حالة من الضغط النفسي والإرباك المُفتعل.
المدرجات التي ارتجت بالأمل صمتت ثم انفجرت بهتافات الاستنكار، لا تجاه الخسارة فقط، بل تجاه المشهد المُخجل لانعدام الروح الرياضية الذي مثّله الخصم. كان الغضب موجهاً نحو سلوك استهتر بقدسية اللعبة وبحق الفريق في منافسة نزيهة يحترم فيها الجميع القوانين.
في تلك اللحظة، تجسد تحول مأسوي: من ذروة الاستحقاق بعد حصول الفريق على ضربة جزاء عادلة، إلى سقوط في فخ الفوضى المُفتعلة التي قوضت العزيمة وشتتت التركيز في الوقت الإضافي الحاسم. رفعت الجماهير أصواتها وكأنها تلوح بمطالب العدالة، محتفظة بأعلامها سليمة كرمز للكرامة التي حاول الخصم انتهاكها. كان المشهد درساً صارخاً في كيف يمكن لسلوك لا رياضي أن يسرق ليس فقط لحظة انتصار، بل قد يسرق جواً كاملاً من البراءة والإنصاف الذي يجب أن تظلله الرياضة.
من صخب الملعب إلى صمت المقهى: مسارات الغضب المغربية
وإذا كان غضب الملعب صاخباً وعابراً، يطفو على السطح ثم يخبو مع انتهاء المباراة، فإن هناك شكلاً آخر من الغضب أعمق وأكثر استيطاناً. إنه غضب لا يتمزق كالعلم، بل يتسرب إلى الروتين اليومي ويذبل في صمت، كنبات يُروى بماء الانتظار المرير.
هنا، تتحول مقاهي الأحياء إلى “برلمانات صامتة” لهذا الغضب المزمن. فوق كراسيها المهترئة، تُحلّل الهزائم وتُهزم الأحلام في نفس الجلسة. المقهى المغربي ليس مجرد مكان للشراب؛ إنه “غرفة انتظار” جماعية، ومختبر لترويض اليأس. هنا يتحول الغضب من طاقة ثورية محتملة إلى سخرية لاذعة تُعرف بـ”الضحك بالشماتة”، وإلى ثرثرة يومية تذوب مع دخان السجائر.
في هذا الفضاء، تُختزل مأساة جيل إلى طقوس متكررة: حركة ملعقة السكر في كأس الشاي التي ترسم دوائر لا تنتهي، كإيقاع لحياة تدور في مكانها. وصوت صفير الإبريق الذي يشبه غلياناً داخلياً لا يجد منفذاً. الغضب هنا لا ينفجر، بل يُعلَّب في جرعات صغيرة من الكافيين والكلام، ويُستهلك رويداً رويداً على مهل.
التقاطعات الكبرى: النسيج المركب لغضب لا يُحتوى
إن الانتقال من الغضب المدوّي في الساحة إلى الغضب المخمّر في المقهى هو تعبير عن آليات تكيّف معقدة. والحقيقة تكمن في التشابك العضوي لهذه العوالم: بطالة تلد إحباطاً، وتهميش مكاني يخلق اغتراباً، واغتراب يتحول إلى وقود لغضب عارم.
ثم تأتي الثقافة السائدة لتغلق الدائرة، لا بوصفها أفقًا للفهم، بل كآلية لإخماد الأسئلة. فبدل أن تحتضن الغضب، تُعاد صياغته باعتباره انفعالًا عابرًا. هذه الآلية ليست عفوية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع لإدارة المشاعر الجمعية، تمارسها ليس فقط المؤسسات الرسمية، بل أيضاً الخطابات السائدة في الإعلام وبعض الخطابات الدينية والاجتماعية، والتي تقدم غالباً ثنائية بسيطة: إما الصبر المطلق، أو الفوضى. وهي ثنائية تهمش أي احتمال ثالث لتحويل الغضب إلى طاقة تغيير منظمة.
عند هذه النقطة تكتمل الحلقة المفرغة: واقع مادي يضغط، نفس بشرية تبلغ حد التشقق، ثم منظومة ثقافية تلتقط آثار الانكسار وتعيد تشكيلها في هيئة أقنعة مقبولة.
نحو تشريح يرسم افقا
عقب الصافرة النهائية، يظل السؤال: ماذا بعد؟
الحقيقة أن الغضب يمكن أن يكون بداية ممكنة لمسار مختلف. ففي عمقه تختزن طاقة من الالتزام، وهو دليل على أن الإحساس بالكرامة لا يزال حيًا. من هنا، لا يعود السؤال هو كيف نُسكت هذا الغضب، بل كيف نحسن الإصغاء إليه.
يبدأ هذا التحول حين نتخلى عن النظر إلى الغضب بوصفه خللًا أخلاقيًا. فالغضب، في كثير من الأحيان، ليس سوى اللغة الأخيرة لمن سُحبت منهم كل اللغات.
غير أن هذه الطاقة، إن تُركت دون مسار، قد تنقلب إلى قوة مدمرة. لذلك، لا بد من إيجاد أوعية جماعية قادرة على احتوائها وتحويلها إلى فعل منظم. حينها يمكن لشرارة الاستياء أن تتحول إلى التزام واعٍ.
كما يمكن لتلك اللحظة العاطفية المكثفة، إذا أُعيدت قراءتها، أن تتحول من جرح مفتوح إلى ذاكرة جماعية مُلهمة.
الغضب ليس خيرًا ولا شرًا في ذاته، بل طاقة محايدة. إن أُهملت، انفجرت بلا اتجاه. أما إن فُهمت ووُجهت، فقد تصبح القوة الدافعة للبناء. والتحدي الحقيقي اليوم يكمن في بناء ذلك الوعاء القادر على احتضانه وتحويله إلى معنى وفعل.
قراءة في سيرة الغضب: من الاستماع إلى الفعل
إن قراءة هذه السيرة الهادئة للغضب هي محاولة لاستباق العاصفة. فعلٌ لتفكيك شفرات هذا الصمت الطويل، واستعادة كرامة تلك المشاعر التي طالما نُظر إليها كعيوب.
المخرج ربما لا يكمن في “قمع” الغضب، بل في منحه اعترافاً صادقاً. تحويله من غريب في بيت الوعي الجمعي، إلى صاحب حقّ شرعي في الوجود. فذلك الغضب ليس انحرافاً، بل هو الصرخة التي يطلقها الجسد ضد ظلمٍ ملموس.
لذلك، حين ينفجر الغضب فجأةً، قد يبدو للبعض حدثاً طارئاً. لكن الحقيقة أنه كان يخاطبنا طوال الوقت… بلغةٍ لم نتعلم قواعدها. الغضب المغربي ليس وباءً، بل هو جرس إنذارٍ يهزّ أسس نظامٍ يئنّ تحت وطأة الخلل.
والخطوة التالية بعد هذا الاعتراف، هي الشروع في بناء لغة مشتركة لفهم هذه الرسائل. لغة تسمح للمقهور أن يقول “أنا موجوع” دون خوف. إنها عملية تحويل الطاقة: من طاقة الغضب المتفجرة إلى طاقة الوعي الناقد.
ففي النهاية، غضب شعبٍ ما ليس دليلاً على فشله، بل على إصراره الخفي على الحياة. إنه دليل على أن شيئاً ما فيه لا يزال حياً، يرفض القبول بالتعفن الصامت.
ما يحتاجه المغرب: عمارة عاطفية جديدة
إن جوهر ما نفتقده هو طقوسٌ حيّة قادرة على تحويل الطاقة المحبوسة إلى مادة بناء. طقوس تفتح باباً للغضب ليعبر دون أن يحطم العتبة.
هذه ليست خطابات نظرية، بل هندسة يومية. يمكن أن تبدأ من الفصل الدراسي، حيث يتعلم الطفل أن الغضب إشارة على ألم، لا عيب يُخبأ. ويمكن أن تمتد إلى مبادرات ملموسة: ورشات “الحكي” الأسبوعية في دور الشباب التي تتحول إلى مساحات للاستماع دون حكم، بدلاً من أن تكون مجرد قاعات أنشطة شاغرة. أو برامج الإذاعات المحلية التي تفتح ميكروفوناتها لقصص الناس العاديين، لا لنخبة الضيوف المعتادين. ويمكن أن تتحول إلى سياسات مؤسساتية تتبناها بعض المقاولات الواعية، عبر خلق فضاءات للتعبير الآمن عن الانشغالات المهنية والاجتماعية للعمال، تعمل كصمامات أمان فعلية بدل بروتوكولات العلاقات العامة الشكلية.
الهدف ليس تحويل الغضب إلى كرنفال عابر، بل تحويله إلى معنى يُبنى عليه. أن يجد مجراه الطبيعي داخل نسيج المجتمع.
نحتاج إلى طقوس تذكّرنا أن المشاعر ليست عدوّاً، بل هي لغة الجسد حين تعجز الكلمات.
في آخر المطاف، ليست المسألة مجرد “إدارة عواطف”، بل إعادة تعريف للكرامة الإنسانية: أن يكون لك الحق في أن تُحزن دون وصم، وأن تغضب دون إقصاء.
الطقوس الحيّة: من الظاهرة الغيوانة إلى هندسة المشترك
إن ما نفتقده في العمق هو الطقوس الحيّة القادرة على احتضان المشاعر وتوجيهها.
هذه الطقوس جزءٌ أصيل من الذاكرة الجمعية. وتبقى ظاهرة الغيوانية مثالًا واضحًا. فالغناء الغيواني، في جوهره، طقس جماعي يُحوِّل الشوق والألم إلى نغم مشترك. إنه نموذج حي لما يمكن أن تكون عليه “الطقوس الحية” المعاصرة: ليست استعادة أرشيفية لفن من الماضي، بل إحياء لوظيفته النفسية والاجتماعية. يمكن لهذا النموذج أن يلهم إبداع فضاءات معاصرة: نوادي الشعر في الجامعات حيث يتحول الغضب إلى قصيدة، وملتقيات الراب في الأحياء حيث يصبح الإحباط كلمات موزونة، وورشات المسرح التفاعلي حيث تتحول القصص الشخصية المكبوتة إلى مشاهد تمثيلية يشاهدها الجيران ويشاركون في حلها.
إن الظاهرة الغيوانية تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية عميقة، حيث لا يبقى الهم حبيس التجربة الفردية، بل يتحوّل إلى صدى جماعي. وكأن الغيوانية تقول: لست مطالبًا بأن تحزن وحدك.
وهذا بالضبط ما يمكن أن يتحوَّل إلى هندسة يومية. يمكن أن يبدأ من الفصل الدراسي. يمكن أن يتجسد في دوائر حكي أسبوعية. ويمكن أن يمتد إلى مقرات العمل.
الهدف أن يجد الغضب مجراه الطبيعي داخل جسد المجتمع. الغيوانة هنا هي المثال: فهي تظهر كيف يمكن للصوت المشترك أن يحوِّل الألم الفردي إلى قوة جماعية.
نحتاج إلى إحياء هذه الذكاءات العاطفية التقليدية وتكييفها مع سياقاتنا المعاصرة. حينها، لن نكون أمام مجرد “إدارة للمشاعر”، بل أمام إعادة اكتشاف لِلسانٍ جمعي قادر على قول كل ما لا يُقال.
إن غضب وديع، وقبله صمت أبيه، وأنين الجبال، هي تجلياتٍ لروحٍ واحدةٍ تبحث عن مرفأ. ففي هذه الأرض، لا ينفصل الشخصي عن الجمعي.
هذه السيرة الصامتة للغضب تُعلِّمنا أن الخلاص لا يكمن في دفن الوجع، بل في تحويله إلى وعي. نحتاج أن نرى أن “الحكرة”، وتشظي الهوية، واغتراب الشتات، ليست أقدارًا محتومة، بل جروحٌ تحتاج إلى اعتراف.
النضج الحقيقي، كما أدركه وديع، ليس في كبت الصرخة، بل في نحتها نشيداً. عندما يلتقي غضب الهامش بحكمة المركز، يبدأ المغرب الجوهري في التشكُّل؛ مغربٌ لا يخشى ظلاله، ولا يطمر أحزانه، بل يرفعها مصابيحَ تضيء عيوب البناء كي يُصلحها.
عندما نعترف بأن المشاعر إشارات داخلية تحمل حقائق، نبدأ في تأسيس فهم مختلف للتعافي بوصفه مسارًا اجتماعيًا. وبهذا المعنى يتشكل أفق سوسيولوجي للكرامة.
الغضب حين يُفهم في سياقه ويتحول إلى وعي بالخلل، يصبح مصدرًا للحكمة. والحزن حين يُعاش بصدق، يمنح عمقًا إنسانيًا.
أما الإنسان الذي يواجه جوانبه المظلمة، فلا يفعل ذلك بدافع جلد الذات بل بدافع الفهم. بهذا المعنى لا يصبح الظل شيئًا يجب إنكاره، بل علامة على وجود نور سابق.
في النهاية، يبقى الغضب والحزن في هذه الأرض كالملح في خبزنا اليومي؛ ضروريّان كي لا نفقد المذاق، لكنهما يحتاجان إلى يدٍ حانيةٍ تحسن العجن. وربما، حين نصغي إلى قصصنا المخبأة، نكتشف أننا لسنا مجرد قطع زليجٍ متناثرة، بل نحن اللوحة ذاتها؛ لوحةٌ تزداد جمالاً كلما تعمَّقت شقوقها، لأن النور لا ينفذ إلى الروح إلا عبر تلك الشقوق.
وكأن وديعًا، في آخر ليلةٍ له مع دفتره، ينظر إلى الأفق ويتمتم:
“لم يعد الغضب سجني، بل صار بوصلتي. أنا الآن لستُ شجرةً بلا ظل، بل أنا الجذورُ والظلُّ معًا.”
وكأن الجماهير المغربية، في صمتهم الثقيل عقب الصافرة، يقولون:
“لم يعد حزننا انكسارًا، بل صار وقودًا. نحن الآن لسنا جمهورًا ينتظر النصر فقط، بل نحن الحاضنون للعزيمة.”
وكما يقول المثل المغربي:
“النور لا يأتي إلا بعد اشتعال الظلمة.”
وربما يكون هذا الغضب، وهذا الحزن، هما تلك الظلمة المحتومة،
لا بوصفهما نهاية،
بل بوصفهما بذرةَ نورٍ جديد…
إذا نحن فقط عرفنا كيف نصغي إلى قصتهما كاملةً.