بعد سبع سنوات عجاف من الجفاف القاسي، استيقظ سكان شمال المغرب هذا الأسبوع على مشهد لم يألفوه منذ عقود؛ حيث تحولت شوارع المدن وقرى بأكملها إلى امتدادات مائية شاسعة. فبينما كان الجميع ينتظر الغيث، جاءت العاصفة الأطلسية “ليوناردو” محملة بكميات أمطار فاقت كل التوقعات، مما وضع الدولة المغربية أمام أكبر اختبار لوجستي منذ زلزال الحوز.
الليلة التي غاب فيها النوم عن القصر الكبير
كانت مدينة القصر الكبير هي بؤرة الحدث. فمع تجاوز منسوب المياه في سد وادي المخازن لمستوياته التاريخية بـ 4 أمتار، صدرت أوامر عليا بإخلاء المدينة بشكل شبه كلي. السلطات المحلية أكدت إجلاء أكثر من 100,000 نسمة (حوالي 85% من السكان) في عملية وصفت بـ “الاستباقية والمنظمة”، لتفادي وقوع كارثة إنسانية محققة حال انهيار الحواجز المائية أو فيضان وادي اللوكوس.
الحصيلة البشرية والمادية: ثمن الطبيعة القاسي
رغم النجاح في تقليص عدد الضحايا بفضل الإخلاء الاستباقي، إلا أن المأساة لم تخلُ من دماء. فقد سجلت منطقة بني عروس بإقليم العرائش وفاة أربع ضحايا (امرأتان وطفلة ورجل) جراء انهيار منزل طيني تحت وطأة انزلاقات التربة.
أما على الصعيد الديموغرافي، فقد بلغ إجمالي النازحين في عموم المنطقة الشمالية الغربية 143,164 شخصاً، توزعوا بين أقاليم العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم، وسيدي سليمان، وفقاً لبيانات رسمية
البنية التحتية والفلاحة: خسائر تحت المجهر
تسببت مياه نهري “اللوكوس” و”سبو” في غمر آلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية بجهة الغرب، مما يهدد المحاصيل الشتوية لهذا العام. كما رصد التقرير الميداني انهيار عدة قناطر ريفية وانقطاع الطرق الوطنية الرابطة بين العرائش وطنجة، فيما تحولت الأحياء القديمة في المدن المتضررة إلى مناطق منكوبة بفعل تهالك البنية التحتية للصرف الصحي.
التدخل الرسمي: جسر جوي ومخابز متنقلة
بأوامر ملكية، استنفرت القوات المسلحة الملكية وحداتها المتخصصة، حيث تم تفعيل جسر جوي لنقل المواد الغذائية والأغطية للمناطق المعزولة. وبرزت في المشهد “المخابز المتنقلة” التابعة للأمن الوطني التي قدمت آلاف الخبز يومياً للنازحين، بينما تم تحويل المدارس في المدن المجاورة إلى مراكز إيواء مؤقتة.
تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن الحكومة ستلجأ لتفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية لتعويض المتضررين، بمبالغ قد تصل إلى 140,000 درهم للأسر التي فقدت منازلها بالكامل.
بينما تبدأ مياه الفيضانات بالانحسار تدريجياً، تبقى التحديات قائمة؛ فإعادة إعمار ما دمرته “ليوناردو” وإعادة مئات الآلاف إلى ديارهم تتطلب استراتيجية وطنية تتجاوز مجرد الإغاثة المؤقتة إلى حلول جذرية لمواجهة تقلبات المناخ المتطرفة.