محمد التاودي
تخيلوا معي جمرةً متَّقِدةً في الأعماق، تختزن وهجَها تحت طبقات من الرماد البارد. إنها تشتعل بصمت، حاملة في حناياها إرادةَ نور قد يبزغ، أو رضوخًا لانطفاء أبدي.
هكذا تتشكل كثير من الحكايات الإنسانية: كرامة تُنازع تحت ثقل الإذلال، وألم يبحث عن لغة يعبّر بها عن وجوده. وهذه ليست مجازًا أدبيًا فحسب، بل هي جغرافيا حقيقية لأرواح عاشت على حافة الهاوية، تتردد بين صرخة تبحث عن صدى، وصمت يرضى بالدفن.
فمن أين يبدأ السؤال؟ ماذا يحدث حين يطول الصمت، وتتعذر الصرخة؟
العنف بصمة وجودية
حين تتحول الجمرة المتقدة من صورة مجازية إلى تعبير حي عن لغة صامتة، يصبح ذلك النداء المشوه المنبعث من الأعماق هو الشرارة الخفية التي تبحث عن منفذ للوهج. فإن لم تجد مسارًا إنسانيًا آمنًا، ظهرت على سطح الوجود انفجارات مأساوية؛ هي في حقيقتها قنوات مشوهة لتوق إنساني أصيل: توق الكرامة إلى الاعتراف، وتوق الألم إلى لغة تفهمه.
وهكذا، ليست أعمال العنف مجرد انفجارات طارئة في نسيج المجتمع، بل هي امتداد لذلك الاحتقان الصامت؛ لغة تبحث عن معنى، ونداء مشوه يحاول التعبير عن الألم والرفض والبحث عن الاعتراف. فإذا كان المشهد الخارجي صادمًا، فإن جذوره تضرب عميقًا في تربة العلاقة المختلة بين الإنسان وذاته.
من هنا يغدو العنف، في جوهره الفكري، أبعد من كونه فعلًا جسديًا عابرًا؛ إنه يبدأ من انكسار الحوار، وينمو في الفجوة بين الذات والآخر. إنه الوجه الآخر للضعف المتنكر بقوة، صرخة تخفي صمتًا وجوديًا عميقًا. وحين تفشل الكلمات في أداء وظيفتها، أو تُصادر لغة العقل، تظهر لغة الجسد البدائية ملاذًا أخيرًا لتأكيد الوجود، حتى لو كان وجودًا مؤلمًا.
غير أن هذا الوجود المؤلم لا يخلو من مفارقة مربكة؛ فهو قد يدمر من أجل البناء أحيانًا، وينتهك الحدود لرسم حدود جديدة. وهنا يتسع السؤال ويتعقد: كيف نفهم هذه الظاهرة التي تتراوح بين الغريزة والثقافة؟ هل هي مجرد حيوانية متبقية، أم نتاج معقد للحضارة نفسها؟ أليس في كل عنف صدى لسؤال عن الهوية والعدالة والاعتراف؟
أسئلة لا تأتي من فراغ، بل من محاولة لفهم التوتر الدائم بين الحاجة إلى الأمان والرغبة في التحرر.
على هذا الأساس، سننظر إلى العنف كظاهرة ذاتية تمس صميم الكينونة الإنسانية في علاقتها بذاتها، وبالآخر، وبالسلطة والحرية. إنه ليس حادثة منفصلة، بل عقدة تتشابك فيها معاني القوة والضعف، والدفاع والاعتداء، والحق والتجاوز. ومن خلال هذا المنظور، يصبح العنف سؤالًا مفتوحًا أكثر منه حكمًا جاهزًا.
لكن هذا السؤال، مهما اتسعت تجلياته، لا يكتمل إلا حين يجد له مكانًا، ويتخذ جسدًا، ويصبح العتبة التي نخطو عليها كل صباح. وحينها فقط، يتحول العنف من مجرد مفهوم نناقشه إلى جدار نعيش محاصرين بين ضلوعنا.
العنف الصامت: حين يتحول البيت إلى جسد
من هنا ننتقل من التأمل العميق إلى التجسيد الملموس لهذا العنف الصامت. هذا البيت ليس مجرد بناء قديم مهترئ، بل هو تجسيد حيّ لذلك العنف الهادئ، الخفيّ الذي لا يُرى بالعين، لكنه يُحسّ كالرطوبة الباردة تحت الجلد. هنا، تحت هذا السقف المتصدّع، يتحول الصمت الاجتماعي من مفهوم واقعي متجذر إلى أثاث يومي متصلّب، يُمارس كعادة متوارثة، ويُورّث كجدارية صامتة لا تنسى.
في قلب المدينة القديمة، يقف بيت معرض للسقوط، جدرانه تتفتت كما تتفتت كرامة مكسورة لا يعرف أحد كيف يصلحها. الهواء فيه ثقيل، مشبع بأنفاس صامتة طويلة؛ صمت يحمل قصصًا لم تُحك بعد. باب خشبي متشقق يصر مع كل هبة ريح، وكأنه يئن من أسرار مكبوتة تخشى الظهور.
هذا الباب لا يصرّ من قدم الخشب فقط، بل لأنه شهد أجسادًا دُفعت إلى الداخل رغمًا عنها، ووجوهًا خرجت منه صامتة كأنها لم تكن. كل شرخ في الجدران ليس عيبًا في البناء، بل أثر لكمة لم تُوجّه، أو صرخة حُبست في الحنجرة فتعفّنت هناك.
أما الأرض الخشنة وبقع الماء الراكد، فليست مجرد تسريب عابر؛ إنها رطوبة الكلمات التي لم تُقل، والدموع التي انهمرت في الداخل لا في الخارج. البيت لا يسقط لأنه قديم، بل لأنه تعب من حمل أرواح ماتت بالنيابة عن أجسادها.
من هنا تبدأ القصة الحقيقية، قصة الأسماء التي سكنت هذه الجدران.
أرواح مبللة في جدران متصدعة
كان من بين تلك الأسماء عبد المالك، الذي لم يولد وحشًا كما سيبدو لاحقًا. كان طفلاً رطبًا بالحياة، مليئًا بالفضول والضحك، يرى العالم بعينين مفتوحتين على الاحتمالات والأحلام. قبل أن تجففه جدران هذا البيت المتصدّع، وقبل أن تتحوّل الصفعات التي تلقاها إلى شروخ غائرة في روحه، كانت فيه براءة الأطفال، تلك البراءة التي لم يعرف أحد كيف يحميها، ولم يستطع هو نفسه أن يقيها من قسوة الواقع.
كل صفعة، كل صرخة مكتومة، كل نظرة استبداد من والده، لم تكن مجرد ألم جسدي، بل حجرًا يضاف إلى جدار داخلي متين لكنه هشّ، جدار سيصبح لاحقًا الحاجز الذي يفصل بين عبد المالك والعالم من حوله، ويجعله يرى البشر والضحايا كما لو كانوا انعكاسًا لأخطائه وعجزه.
تحت سقف واحد
لم يكن عبد المالك وحشًا منذ البداية. كان صبيًا يحلم، يجلس على حافة النهر ويرسم بإصبعه خرائط لحياة أفضل. لكن والده علّمه أن الرجل لا يبكي، وأن القسوة شرف. كان يضربه على رأسه كلما تلعثم في القراءة، ويصفعه حين يبكي على عصفور ميت: “الرجل لا يبكي!”، كصدى لا ينتهي.
مع مرور السنين، تحول الألم إلى غضب، والغضب إلى عنف، والعنف إلى طريقته الوحيدة للتعبير. لم يتعلم أن يقول “أحبك”، بل تعلم أن يقول “اسكتي”. حين ينظر إلى فتيحة، لا يرى امرأة تحبه، بل مرآة تعكس فشله. وحين تبكي، يشعر بغضب على نفسه يترجمه إلى مزيد من العنف.
بدايات هشة
كان يتذكر أيام زواجهما الأولى، حين حاول أن يكون لطيفًا. ذات مرة، بعد يوم عمل طويل، قال لها: “اليوم كان صعبًا، لكنك تجعلينه أفضل.” لكن الكلمات خرجت جافة. ردت فتيحة بابتسامة خجولة: “دعنا نحاول أن نكون أفضل.” لكن تلك اللحظات غرقت في بحر الغضب اليومي.
على جدار باهت، صورة عرس قديم: فتيحة في فستان أبيض، وقد اختفى بريق عينيها، وتجلت في وجهها آثار الزمن والذكريات التي لم تُحك بعد.
الصفعة الأولى
تتذكر فتيحة الليلة الأولى التي لطمها فيها. كانت متزوجة منذ شهرين، والخطأ كان تافهًا: ملح زائد في الطعام. صفعة سريعة كالبرق، تركت احمرارًا على خدها وحيرة في قلبها.
بحثت في عينيه عن ندم، فوجدت نظرة باردة وكلمات كالحجارة: “تتعلمين للمرة القادمة.” في تلك اللحظة، اختارت البقاء ظنًا منها أن الحب يصلح ما تكسر. لم تكن تعلم أن الصفعة الأولى، حين تُغفر، تفتح باب الصفعات الألف.
فتيحة: امرأة تحت جلد الخوف
هي امرأة في أواخر الثلاثينات، جسدها نحيل كأن الزمن شرب من عافيتها. وجهها شاحب، وعيناها غائرتان من خيبات متراكمة، بريقها انطفأ مبكرًا.
في ذاكرتها، تحتفظ بلقطة من زمن مضى: يوم على شاطئ أصيل، وابتسامة عبد المالك الدافئة كشمس الربيع. تتساءل: أين ضاع ذلك الرجل؟ أم كان وهمًا؟
تمشي بخطى محسوبة، تتكلم بصوت خافت، تختار كلماتها بحذر. ثوبها الفضفاض يخفي كدمات لا تُرى. حين تضحك، تبدو ضحكتها كزخرفة فوق ألم.
سلمى: طفلة تتعلم الصمت
هي طفلة لا تشبه غيرها. وجهها يحمل براءة لم تكتمل، وعينان واسعتان لا تلمعان. الدوائر التي ترسمها ليست شططًا طفوليًا، بل لغة سرية: دائرة كبيرة تمثل البيت، ومربعات صغيرة تمثل الغرف، ونقاط مبعثرة تمثلهم.
نفسها ينحبس حين يعلو الصوت، وعيناها تتسعان كبابين للرعب، وظهرها ينحني عند اقتراب الخطوات الثقيلة. تحب أمها بصمت، وتخاف من أبيها بصمتين.
ذات يوم، همست لأمها: “لماذا يصرخ أبي دائمًا؟ هل أنا السبب؟” ردت فتيحة: “لا يا حبيبتي. أبوك يحمل ألمًا في قلبه لا يعرف كيف يعبر عنه. لكننا سنكون قويتين معًا.”
عبد المالك: الرجل المكسور
هو رجل في الأربعين، تضخم جسده فيما ذبلت روحه. كتفاه عريضان تحملان ثقلًا غير مرئي. عينان قاتمتان تبحثان عن خطأ يبرر انفجارًا. وجهه غليظ التقاسيم، ينبت فيه الغضب كأعشاب يابسة.
صوته أجش مرتفع، وكأن حضوره يبث الرهبة. رائحة الخمر تفوح منه، لكن ما يسكره حقًا هو الإحساس بالسيطرة. رجولته مشوهة لا تعرف اللين، تثبت وجودها بالصراخ والصفع.
طقوس الخوف اليومية
وقبل عودته إلى البيت بنصف ساعة، تبدأ الطقوس: تُطفأ الموسيقى، تُرتب الوسائد، يُغسل الصحون فورًا. نظرة واحدة من فتيحة إلى سلمى تعني: حان وقت الاختفاء. حتى القطة تنزوي في ركن مظلم.
حين يدخل، يرتبك كل شيء. يدخل كظل ثقيل يجر خلفه خيبة وضيقًا. نظراته تبحث عن خطأ عابر يشعل الغضب. حضوره إعلان بأن العاصفة وصلت.
الانفجار اليومي
يتلمس سطح الطاولة بنظرة صارمة، يلاحق تفاصيل صغيرة: كوب مهمل، لعبة ملقاة. فجأة ينفجر صوته: “ألم تتعلمي بعد كيف يكون النظام في البيت؟!” تتجمد سلمى، بينما تندفع فتيحة تمسح وتخفي.
في ذلك اليوم، حاولت الدفاع عن نفسها لأول مرة: “البيت نظيف، لكنك دائمًا تبحث عن خطأ.” رد بغضب: “أنت من تخلقين الفوضى!” وانتهى الأمر بصفعة أخرى.
ملاذ تحت السرير
كل ليلة، تنزوي سلمى تحت السرير، تغلق أذنيها بإحكام وتحدق في الظلال التي تلتصق بالجدران كأشباح صغيرة. في تلك الزاوية الضيقة، تتخيل أن خيوط العنكبوت ليست سوى سلالم من الحرير تصعد بها نحو غيمة بعيدة، مكان لا يعرف الخوف ولا الألم. تحول الصراخ الداخلي إلى صوت عاصفة تعبر غابة، وتتخيل نفسها بطلة في حكاية تنتظر الضوء ليكشف نهايتها.
تهمس لنفسها بصوت خافت لكنه مثابر: “سينتهي هذا يومًا…”، وكأن الكلمات وحدها قادرة على تحويل الليل الطويل إلى وعد ببداية جديدة.
فتيحة: جلد ذاتي وصبر جاف
لقد صارت تعرف الألم كما تعرف راحتي يديها، تحفظ تضاريسه الصغيرة وأوقاته المفاجئة، وتميز بين وجعه حين يعلو ووجعه حين يتخفى. لم يعد طارئًا عليها، بل صار رفيقًا ثقيلًا يجلس إلى جوارها في كل صباح، ويشاركها تفاصيل يومها دون أن يُرى.
تخفي الكدمات تحت الأكمام الطويلة، وتزين الزرقة بالكحل كأنها تعيد رسم الحكاية بلون آخر، وتخدع المرايا قبل أن تخدع الجيران، فتُقنعهم بأن التعب مجرد سهر عابر.
صوتها يأتي باهتًا، باردًا، كأنه يخرج من غرفة بعيدة داخلها. تبتسم بحذر محسوب، وترد بجمل قصيرة مقتضبة، تقول كل شيء بصمت كثيف. في اختصارها اعتراف مؤجل، وفي هدوئها صرخة مؤدبة لا تريد أن تربك أحدًا.
جارة من الماضي
الجارة حليمة، امرأة في الخمسين، عيناها تعرفان كل شيء. في صباح، أمسكت بيد فتيحة وهمست: “كنت مثلك… أخبئ الكدمات. حين مات زوجي، بكيت على السنين الضائعة. لا تنتظري الموت ليحررك.”
ابتسمت فتيحة ابتسامة باهتة، كأنها تجامل الممر الضيق أكثر مما تجامل نفسها، ثم واصلت صعود الدرج بخطوات متثاقلة، يختلط فيها العزم بالتردد. كانت يدها تتحسس الحافة الباردة، وكأنها تبحث عن طريق لا يقود إلى الطابق العلوي فقط، بل إلى طبقة أعمق من ذاتها.
في الليل، حين سكن البيت واستلقى الصمت على الأثاث، عادت إلى السؤال الذي يؤرقها. حدقت في السقف طويلًا، ثم همست في داخلها: “هل أنا جاهزة للخروج من هذا القفص؟”
لم يكن القفص جدرانًا ولا أبوابًا موصدة، بل خوفًا تعلمته حتى ظنه جزءًا من شخصيتها، وعادة أقنعتها بأنها أمان. تساءلت إن كان المفتاح في يدها منذ البداية، وإن كانت تجرؤ أخيرًا على استعماله.
صوت الأم التقليدي
وحين تتسلّل إلى ذهنها فكرة الهروب، يرنّ صوت والدتها في أذنيها: “الرجل حين يعنف، يربي… اصبري، فالتخلّي عن الزواج عار.” وكانت تضيف: “الحياة الزوجية صبر، ولو فرّت كل امرأة من بيتها، لما بقيت عائلات أبداً.”
لكن فتيحة، وهي تنظر إلى سلمى، تساءلت: “هل الصبر فضيلة… أم خوف تزينه الكلمات؟”
في تلك اللحظة، بدأ شيء يتصدع في داخلها. سلمى تحمل في عينيها سؤالًا خافتًا كجمر تحت الرماد: “أهذا هو المصير الذي يُورث؟”
لحظة الحسم
حين يسمع صوت المفتاح، يخفت كل شيء. سلمى تقبض على قلمها، ترسم دوائر لا تنتهي. تسأل بصوت خافت: “أمي… هل أبي قادم؟”
ترد فتيحة: “ادخلي غرفتك.” تقول سلمى: “أخاف…” تجيبها: “القوة ليست في الهروب. أنا هنا، لن أدع أحدًا يؤذيك.”
يدخل عبد المالك، عيناه محمرتان: “لماذا هذا البيت فوضى؟” ترد فتيحة: “البيت نظيف، لكن قسوتك تجعله سجنًا.” يصرخ: “أنا الرجل هنا! وكلامي قانون!” ترد: “القانون الحقيقي يبدأ بالاحترام.”
تقول سلمى مرتجفة: “أبي… لماذا تخيفنا؟” يسكت لحظة، ثم يقول: “لست أنا… أنا الذي تحطم.” تمسك فتيحة بيده: “لِنصلح ما تحطم.” لكنه يسحب يده بعنف: “أنتم لا تفهمون. الحياة قاسية، وأنا أحميكم هكذا.”
المرآة والانعطافة
في ليلة مظلمة، بينما كانت سلمى ترتجف تحت السرير، نظرت فتيحة إلى يديها المتعبتين، ثم إلى عيني ابنتها الصغيرتين المليئتين بالخوف. جلست أمام المرآة المشروخة وحدقت في وجهها بلا رحمة ولا تهاون: الكدمة الزرقاء على خدها، الشفة المشقوقة، وخصلات الشعر الأبيض المبكر التي لم تتعبها الأيام فحسب، بل ألقت بظلالها على روحها أيضًا.
لمست انعكاسها ببطء وهمست بصوت ضعيف لكنه صادق: “لست هذه…” ثم أمالت رأسها نحو سلمى النائمة على الأرض، تستمع إلى أنفاسها المتقطعة، فشعرت بثقل المسؤولية يتضاعف.
في تلك اللحظة، اتخذت قرارها بكل حزم: “كفى.”
كانت الكلمات ليست مجرد رفض لما حدث، بل بداية حقيقية للخروج من الظلام الذي طالما احتل حياتها وحياة ابنتها.
المعركة الداخلية
بينما ترتجف يدها وتتمايل بين الخوف والعزم، ظهر صوت داخلي يلومها: “أأم أنتِ أم هاربة؟ أين قوة الأمومة؟” كان صوته قاسيًا، يذكرها بما تعلمته عن التضحية والخضوع. لكن صوتًا آخر نهض من أعماقها، أعمق من الخوف وأشد وضوحًا: “أقوى الأمومة هي التي تحمي، لا التي تذوب.”
انتصرت غريزة الحياة على ثقافة الموت، وانطلقت قوتها من الداخل لتصوغ قرارها. جلست وكتبت بثلاث كلمات صغيرة لكنها محملة بالثقة والحرية: «أحتاج إلى الخلاص».
كانت تلك الكلمات بداية رحلة جديدة، خطوة أولى نحو عالم يمكنها فيه أن تكون أمًا بلا خوف، وأن تمنح ابنتها الأمان الذي طالما حلمت به.
الليلة الممطرة
في ليلة ممطرة كثيفة، لم تعد إلى البيت. مشت في أزقة ضيقة متسخة بالماء والوحل، حاملة سلمى النائمة بين ذراعيها، بينما يهزها البرد في أطرافها، لكنها واصلت السير بلا تردد. كل خطوة بعيدة عن ذلك الباب كانت تمحو عامًا كاملًا من الخنوع والخوف، خطوة تفتح صفحة جديدة من الحرية.
مرت تحت مصباح شارع خافت، فرأت ظلها على الأرض، يتنفس معها وكأنه يشاركها قرارها الأخير بالابتعاد عن الماضي. رائحة المطر كانت تختلط برائحة الأرض بعد أول شتاء، تذكير بالأصل والجذر، وبالأمان الذي طال انتظاره.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، استنشقت هواءً بلا خوف، هواءً يجعلها تدرك أن الخروج من الظلام ليس مجرد فعل جسدي، بل تحرير للروح أيضًا.
ملاذ أخير
وقفت أمام بوابة زرقاء كبيرة، عليها لوحة كُتب عليها: “مركز استقبال النساء في وضعية هشاشة”. رفعت يدها وطرقت الباب بخفة، وكأن كل خطوة تقودها نحو أمل جديد.
فتحت الباب امرأة في الأربعينات، ملامحها هادئة ودافئة، وعيناها تحملان ثقة صامتة. قالت للنساء اللواتي كن خلفها بصوت مطمئن: “تفضلن… أنتن في بيتكن.” كانت كلماتها بمثابة مفتاح يفتح الباب الداخلي الذي أغلقه الخوف طويلًا.
دخلت سلمى، وجلست في حضن المرأة، وانهمرت دموعها بلا استئذان. أمسكت المرأة بيدها بلطف، وهمست لها: “أعرف أن الطريق صعب… لكن الوصول وحده انتصار.” في تلك اللحظة، شعرت سلمى أن المكان ليس مجرد جدران، بل مأوى للأمل، وأنها لم تعد وحيدة في مواجهة ما مضى.
الكسر الأول للصمت
جلست سلمى تتحدث أخيرًا بلا خوف، كأن كلماتها لم تعد محبوسة في قفص. ارتجف صوتها في البداية، ثم انفجر، يملأ المكان بقوة لم تعرفها من قبل. بين تلك الجدران، التقت نساء يشبهنها، كل واحدة تحمل ندبة في جسدها أو روحها، وصمتًا يتحدث بلغته الخاصة، يفهمه القلب قبل الأذن.
بدأت تتعلم الخياطة. كل غرزة كانت بمثابة طعنة تستخرج من أعماق الذاكرة، كل قطعة قماش كانت رقعة تلتحم بها كرامتها، تحول الألم إلى شكل يمكن لمسه، وإلى فعل يخلق الجمال من بين بقايا الجراح. وببطء، صار المشغل مكانًا لا يُرمم الأقمشة فقط، بل الأرواح أيضًا.
ذاكرة الثقوب.. والعبور نحو الكلمة
في المدرسة، حين طلبت المعلمة من سلمى أن ترسم “عائلتها”، لم تكن ترسم خطوطًا، بل كانت تفرغ اعترافًا صامتًا سكنها طويلًا: بيت صغير بلا نوافذ كأنه زنزانة، أم تقف وحيدة في العراء، ورجل بعيد غارق في ألوان داكنة كأنه ظل يتربص بالمكان. حين سألتها المعلمة بلطف: “هل أنت بخير؟”، لم تجب سلمى بلغة الأطفال، بل همست لنفسها بمرارة: “البيت… مظلم كثيرًا”. كانت تلك الجملة هي التشخيص الأول لمرض عضال يُدعى العنف المنزلي.
لكن شيئًا ما في كيميائها الوجودية بدأ يتغير. لم تعد سلمى تلك الطفلة التي تفتش عن أمانها تحت السرير، أو تتجمد رعبًا عند سماع وقع الأقدام الثقيلة. لقد استبدلت ذلك الخوف بغطاء مطرز باليقين، وصارت تدرك أن ليل البيت القديم لم يعد سيد اللحظة.
لم تكن سلمى في مرحلة دراسية تردد شعارات الحقوق كواجب مدرسي بارد، بل كانت تخوض معركتها الخاصة لهدم تركة ثقيلة استوطنت خلاياها. كانت تذكر كيف كانت تختبئ خلف خزانة الكتب، تراقب الحياة من ثقب صغير، وتظن أن الوجود كله يضيق ليسع ذلك الثقب. أما اليوم، وهي تقف في ساحة المدرسة الفسيحة، فقد أدركت أن صوتها لم يعد ملكًا لها وحدها؛ إنه صرخة تلك الطفلة السجينة التي قررت أخيرًا أن تحطم مخبأها وتخرج للشمس.
بوعي نضج قبل أوانه، أدركت سلمى أن العنف لم يكن مجرد صفعات عابرة نالت من جسد أمها، بل كان “لغماً زمنيًا” زرع في أعماق طفولتها ليحولها إلى مجرد صدى يرتجف من الأصوات العالية. لذا، اتخذت من تفوقها الدراسي ومن دفاعها الشرس عن الضعفاء مختبرًا لتفكيك ذلك اللغم. كانت تقول لنفسها بحزم: “إذا كان أبي قد استعمل يده ليُصمت العالم، فسأستعمل أنا فكري لأجبر العالم على الاستماع”.
في دفاترها الحالية، غابت تلك الدوائر المغلقة التي كانت تحبس فيها أرواحًا مختنقة، وحلت محلها خطوط ممتدة نحو آفاق مفتوحة، ووجوه تبتسم بملء الكرامة لا بملء الخوف. لقد تيقنت أن كسر “سلسلة الوراثة” اللعينة يبدأ برفض تقمص دور الضحية، وبتحويل “الندبة” من علامة ضعف إلى “بوصلة” توجيه
وهكذا، صار وعيها بالحقوق درعًا نسجته بروية؛ لا لتمارس به حربًا ضد أبيها كشخص، بل لتحطم به “النموذج” الذي مثله، مؤكدة لنفسها وللعالم أن الكرامة لا تُورث بالخنوع والصمت، بل تُنتزع بالوعي والكلمة الشجاعة.
رد الفعل والمواجهة
حين علم عبد المالك بما كانت سلمى تتعلمه وتصر عليه، استشاط غضبًا لم يخف خلف أي قناع. وفي أحد الأيام، بينما كانت فتيحة تتجوّل بين دكاكين سوق الحي، ظهر فجأة أمامها، كظل ثقيل يملأ الأزقة بالمواجهة. توقفت فجأة، عيناها ثابتتان، وقلبها متمالك لنبضاته، تحسّ كل خطوة له كأنها تهتز في الأرض تحت قدميها.
قال بصوت أجش، يختلط فيه الفخر الموهوم بالندم الخفي: “أنا… لم أتعلم الرجولة إلا هكذا.” ردت فتيحة بهدوء حازم، لا يقبل الجدال: “والآن… فات الأوان.”
لم يكن كلامها صرخة انتصار، بل إعلان حدود صارمة لن تُجتاز بعد اليوم. عادت إلى الداخل بخطوات متروية، تاركة إياه واقفًا تحت المطر، يلتقط غيماته الثقيلة وحده.
همسات المجتمع
تناقل الجيران الحكاية كما تتناقل الأخبار في الأزقة الضيقة، بصوت خافت أولًا ثم بنبرة واثقة كأنها حقيقة مكتملة: “المرأة التي خربت بيتها.” صار اللقب يمشي أمام اسمها، يسبقه إلى الدكاكين والسلالم ونوافذ المساء. بعضهم شمت في سره، ووجد في سقوطها المفترض عزاءً خفيًا لخيباته، وآخرون لاذوا بالصمت، لا رغبة في الإنصاف بل خوفًا من أن تمتد العدوى إلى أسوارهم الهشة.
قلة من النساء اقتربن من الحكاية بحذر مختلف، همسن بينهن: “كانت شجاعة…” لم يكن الهمس ضعفًا، بل اعترافًا مكبوتًا بما لم يجرؤن على قوله علنًا. رأين في خطوتها مرآة لاحتمالات مؤجلة، وفي قرارها شرخًا صغيرًا في جدار قديم طالما ظننه قدرًا.
المحكمة
تقدمت بشكوى بعد وقت طويل من التردد، كأنها كانت تعبر جسرًا مهتزًا فوق واد سحيق. في القاعة، وقفت أمام القاضي ويداها متشابكتان لا من ضعف، بل من محاولة لضبط ارتجاف داخلي. قالت بصوت ثابت على غير عادته: “أنا لم آت لأنتقم… بل لأحمي ابنتي. أريدها أن تكبر في بيت لا تخاف فيه.” ثم أضافت، وكأنها تخلع عن نفسها قيدًا قديمًا: “كنت أظن الصبر فضيلة… لكنه صار سجنًا. أطلب العدالة.”
صدر الحكم بالحماية
لأول مرة، شعرت فتيحة أن القانون ليس مجرد كلمات باردة على ورق، بل درعاً يلتف حول روحها، ونافذة يدخل منها النور إلى غرفة مظلمة طالما احتوت وحدتها.
كانت تلك الورقة التي حملتها بين يديها المرتجفتين أكثر من مجرد قرار قضائي؛ كانت اعترافاً رسمياً بألمها الذي ظل طوال السنوات بلا شاهد، وصك غفران منحته لنفسها بعد طول لوم، وعهداً جديداً بينها وبين الحياة.
في تلك اللحظة، لم تعد فتيحة مجرد اسم في سجل القضايا، بل أصبحت امرأة تمسك بيديها مفاتيح ذاتها، تسترد من النسيان حلمها المسجون، ومن صمت الجدران صوتها الذي ظنوا أنهم أجهضوه إلى الأبد.
كان الحكم بفتح باب الحماية، لكنه في العمق كان حكماً بإطلاق سراح روحها من سجن الخوف، وإعلان ميلادها الثاني على أنقاض امرأة كانت تظن أن الألم وطن لا يُهجر.
هكذا، حين يصبح القانون حامياً لا جلاداً، وحين تنحني العدالة لتلتقط دموع المكسورين من على الأرض، تبدأ الحضارة الحقيقية. تلك التي لا تُبنى بالحجر، بل بالكرامة التي تُرد إلى أصحابها، وبالطفولة التي تُسترد من دهاليز النسيان.
فتيحة التي دخلت قاعة المحكمة خائرة الخطى، خرجت منها وقد تعلمت أن العدالة حين تشرق، لا تميز بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، بل تمد يدها لكل من أيقن أن الصبر وحده لا يكفي، وأن للحق صوتاً لا يموت.
عبد المالك: الضحية الجلاد
ترك البيت محملًا بالخيبات، يمشي بثقل تاريخ لم يختره. كان يذكر أباه الذي كان يضربه بلا تفسير، ويتذكر كيف تعلم مبكرًا أن الرجولة قبضة مشدودة لا قلب مفتوح. عيناه تفضحان حزنًا قديمًا لم يجد له لغة سوى العنف. كان يظن أن السيطرة حماية، وأن القسوة شكل من أشكال الحب. في عيني سلمى كان يرى انعكاس طفولته الضائعة، فيرتبك أمام ضعفه، ويهرب منه بالضرب، كأنما يعاقب ماضيه في جسد الحاضر.
بعد سنتين: مشغل “الأمل”
مرت سنتان، كأنهما رحلة ترميم بطيئة لأرواحٍ كانت متصدعة، ولكلمات لم تجد من يسمعها. افتتحت فتيحة مشغلا صغيرًا أسمته “الأمل”. لم يكن مجرد مكان للخياطة، بل فضاءً دافئًا تتقاطع فيه الحكايات، وتتعافى فيه الأرواح على إيقاع ماكينات تطرز القماش كما تطرز الصبر والحنان في القلوب.
صار المشغل ملاذًا للنساء اللواتي يبحثن عن بداية جديدة، لا تشبه نهاياتهن المؤلمة، مكانًا يمكن فيه لكل إبرة أن تصنع طوق نجاة من الخيوط، لكل ضحكة أن تصنع لحظة فرح بين جدران كانت يومًا شاهدة على صمت وألم. هنا، كان كل ثوب يُطرّز هو رسالة حياة، وكل قطعة قماش تُعاد الحياة فيها هي شهادة على القدرة على الصبر والمقاومة، وعلى أن الألم يمكن أن يتحول إلى جمال وعمل متقن يوازي قوة الروح.
لقاء ليلى
جاءت ليلى ذات صباح حاملة ألمًا غامضًا في عينيها. دخلت المشغل بتردد، وجلست تتحدث عن رائحة القرفة التي كانت تملأ بيتها قديمًا، وكيف كانت أمها تخبز في المساء. ثم انزلق لسانها باعتراف لم تخطط له: “أشعر أنني أسبح في بحر بلا شطآن منذ رحلت أمي…”
استمعت فتيحة بصمت يعرف قيمة الجرح، صمت لا يقاطع ولا يستعجل الدموع. شيئًا فشيئًا، صارت ليلى من رواد المشغل، تتعلم الخياطة كما تتعلم أن الفقدان لا يختفي، لكنه يُحمل برفق، وأن الخيط الذي يجمع قطع القماش يمكنه أيضًا أن يجمع شتات القلب.
سلمى الكبيرة
كبرت سلمى، ودخلت الإعدادية بخطوات واثقة لا تشبه تردد الطفولة. تغير صوتها، صار أكثر رسوخًا، وصارت عيناها تلمعان حين تتحدث في القسم عن حقوق الطفل، عن الأمان، عن الكرامة التي يجب أن تكون حقًا لا منّة. تكتب مواضيعها بحماسة صادقة، وتناقش أساتذتها بلا خوف، كأنها تستعيد شيئًا لم تعشه لكنها ورثت وجعه.
كانت فتيحة تشاهدها من بعيد، بقلب يتسع للفخر كما يتسع لوجع خفيف لا يزول. ترى في كلمات ابنتها شجاعة كانت يومًا حلمًا مؤجلًا، وتسمع في نبرتها صدى العبارات التي اختنقت في حلقها سنوات طويلة. كل جملة تنطق بها سلمى تبدو كنافذة فُتحت متأخرة في بيت كان معتمًا.
لم تكن فتيحة تحزن على ما مضى بقدر ما كانت تتأمل المفارقة: ابنتها تتكلم بحرية عن الحقوق، وهي التي تعلمتها بصمت موجع. لكنها كانت تدرك أن هذا هو المعنى الحقيقي للتحول؛ أن تتحول التجربة القاسية إلى أرض صلبة تقف عليها الأجيال الجديدة بثبات.
حوار الأم والابنة
سألت سلمى أمها ذات مساء هادئ، وقد اختلط في صوتها فضول الابنة بنضج الشابة: “هل تندمين على الأيام التي ضاعت؟”
تأملت فتيحة وجه ابنتها طويلًا، كأنها تقرأ فيه ثمار قرار قديم. قالت بهدوء صادق: “كنت خائفة… من كل شيء. من الوحدة، من كلام الناس، من الغد الذي لا ملامح له. لكن حين رأيتك تتكلمين بالحقوق التي حلمت بها سرًا، عرفت أن الخوف لم يمت، بل تحول إلى شجاعة فيك. الندم الحقيقي ليس على ما ضاع، بل على ما كان سيضيع لو بقيت ساكنة.” ثم ابتسمت وأضافت: “أنت أكملت الجملة التي كنت أقف عند منتصفها. وهذا أفضل تعويض.”
لم يختف الألم كما تختفي العواصف فجأة، بل تغير شكله. صار حكمة ترشدها، لا قيدًا يشدها إلى الخلف. والخوف الذي كان يسكنها صار حارسًا يقف على حدود كرامتها، يذكرها بما لا يجب أن يتكرر. أدركت أن النجاة ليست لحظة عابرة، بل حالة دائمة من اليقظة والبناء، من الاختيار المتجدد للحياة كل يوم.
في المساء، تطوي فتيحة آخر قطعة قماش في مشغلها بعناية تشبه الامتنان. تمرر يدها على الطاولة، تطفئ النور، وتغلق الباب بثقة هادئة. تمشي في العتمة وهي تعلم أن كل خطوة تخطوها الآن لا تهرب من الماضي، بل تتركه في مكانه الصحيح خلفها.
الندبات ما زالت هناك، واضحة لمن يعرف القراءة. لكنها لم تعد عارًا ولا ذكرى موجعة فقط، بل صارت كتطريز على ثوبها المفضل: جزءًا من جمالها، وخيطًا لامعًا يشهد على متانتها، وعلى امرأة قررت أن تعيش كاملة رغم كل ما كسر فيها.
الخلاص يبدأ عندما تطرقين بابًا مجهولًا، مؤمنة أن على الطرف الآخر، يدًا حانية ستفتح، وصوتًا سيقول: “تفضلي، أنت في بيتك.”
التأمل: قراءة في سيرة العنف والكرامة
غير أن هذه الحكاية الإنسانية، رغم خصوصيتها وتفردها، لا تنفك تفتح أفقًا واسعًا للتأمل فيما هو أعمق وأشمل. فقصة فتيحة وعبد المالك ليست مجرد سرد لحياة فردين، بل نموذج مكثف يعكس ظاهرة اجتماعية معقدة تتشابك فيها القيم والعادات، والممارسات اليومية التي تتحوّل تدريجيًا إلى بنية ثقافية متجذرة.
إنها تكشف كيف يتحوّل العنف من فعل فردي مؤقت إلى نمط مستتر، يورّث من جيل إلى جيل، وكيف يصبح الصمت، سواء كان خوفًا أو عادة، شريكًا صامتًا في استمراره، يمنح هذا العنف غطاءً اجتماعيًا ويضمن له البقاء.
العنف كسلسلة موروثة:
عبد المالك لم يكن جلادًا في الأصل، بل كان ضحيةً قبل أن يتقن دور الجلاد. تربّى على أن الرجولة صلابة لا تلين، وأن الدموع خيانة، وأن الضعف وصمة لا تُغتفر. تشكّل وعيه في بيئةٍ تُقدّس القسوة وتخجل من الحنان، فشبّ وهو يظن أن الشدّة فضيلة، وأن السيطرة برهانُ رجولة.
لم يكن عنفه سوى لغةٍ لُقّن حروفها صغيرًا، حتى حسبها اللغة الوحيدة الممكنة للتعبير. لم يتعلّم كيف يقول: أنا خائف، أو أنا متألم، أو أنا بحاجة إلى احتواء؛ فتكلّم بالصرخة بدل الكلمة، وبالقبضة بدل الاعتراف.
إنه صورة للرجل الذي كسرتْه تربيةٌ ذكوريةٌ صلبة، فلم يجد سوى أن يعيد إنتاج الكسر فيمن حوله. ضحيةُ منظومةٍ صنعت منه قناعًا من حديد، ثم حاسبته لأنه لم يعرف كيف يكون إنسانًا هشًّا في عالمٍ يجرّم الهشاشة.
الصمت كتواطؤ:
كان صمت فتيحة الأول يتوشّح بشعارٍ أخلاقيٍّ برّاق: “الصبر فضيلة”. لكنه لم يكن فضيلة بقدر ما كان قيدًا ناعمًا يغلّ الروح. صمتتْ هي، وصمت الجيران باسم “الستر”، وصمتت المؤسسات بذريعة “الخصوصية”. وهكذا تراكم الصمت طبقةً فوق طبقة، حتى صار جدارًا سميكًا يحجب الحقيقة.
هذا الصمت لا يكتفي بإخفاء العنف، بل يمنحه شرعية خفيّة؛ يحوّله من جريمةٍ تستحق الإدانة إلى “حقّ” يُتداول همسًا ثم يُمارَس علنًا. حين يُعاد تعريف الضرب على أنه “تربية”، ويُسوَّق الإيذاء بوصفه “قِوامة”، تتبدّل المعاني قبل أن تتبدّل الأفعال، ويغدو الظلم عادةً مألوفة.
عندها لا يكون الخلاص مجرّد تمرّد على واقعٍ قاسٍ، بل ثورةً على اللغة ذاتها؛ على الكلمات التي تزيّن القسوة وتستعير أسماء الفضائل لتبريرها. فاستعادة المعنى هي الخطوة الأولى لاستعادة الإنسان.
الكرامة الناهضة:
التحول بدأ عندما نظرت فتيحة في المرآة وسألت: “من هذه؟” انتقلت من موقع الضحية إلى الفاعلة. الخوف على سلمى كان الشرارة، لكن الوقود كان الرغبة في استعادة الكرامة. إنها لحظة استيقاظ الوعي، حين يدرك الإنسان أن بقاءه في الجحيم لا ينقذ أحدًا، بل يُورث الجحيم.
الخلاص الفردي والجماعي:
لم تعد تجربة فتيحة جرحًا خاصًا تُخفيه في عتمة الذاكرة، بل تحوّلت إلى منبع قوةٍ يتدفّق في حياة أخريات. ما كان ألمًا فرديًا صار طاقةً جمعية، وما كان سرًّا مثقلاً بالخجل أصبح شهادةً تُقال بصوتٍ ثابت.
المشغل لم يعد مجرد مكانٍ للعمل، بل غدا فضاءً للاعتراف المتبادل؛ مساحةً تُنزع فيها الأقنعة، وتُروى الحكايات بلا خوف. هناك، تتحرر القصص من عزلتها، وتتحول من همساتٍ متكسّرة إلى جسور تضامن. كل اعترافٍ كان يوقظ اعترافًا آخر، وكل دمعةٍ تجد صداها في عينٍ مقابلة.
وهنا يتجلّى سرّ الشفاء الجماعي: أن تكتشف أنك لست وحدك في الألم، وأن الندبة التي ظننتها وصمةً فردية هي أثرٌ مشترك. حين ندرك أن الوجع يتقاسمه أكثر من قلب، يتحوّل من عبءٍ خانق إلى رابطةٍ إنسانية تُعيد للروح توازنها.
القانون بين الشكل والجوهر:
منح الحكم القضائي صوتًا رسميًا لرواية الضحية، فأعاد ترتيب المعاني التي كانت مقلوبة. لم تعد “زوجة عاصية” في خطابٍ اجتماعيٍّ جاهز، بل صارت “مواطنةً لها حقوق” يعترف بها القانون ويحميها. بذلك لم يُنصفها الحكم فحسب، بل صحّح السردية التي حاولت إدانتها بدل إنصافها.
غير أن القانون، مهما كان عادلًا، يأتي غالبًا بعد أن يكون الخراب قد حدث، وبعد أن تكون الندوب قد كُتبت على الجسد والذاكرة. هو ملاذٌ أخير، لا جدارٌ أول للوقاية. يعيد الاعتبار، لكنه لا يمحو الأثر.
لهذا فالقضية أعمق من نصوصٍ قانونية وإجراءاتٍ قضائية. إنها مسألة ثقافةٍ تُعيد تعريف الرجولة والأنوثة، وتربيةٍ تُعلّم الاحترام بدل الهيمنة، ورؤيةٍ وجوديةٍ تعترف بإنسانية الفرد قبل أدواره الاجتماعية. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ في قاعة المحكمة، بل في اللغة التي نربّي بها أبناءنا، وفي القيم التي نغرسها في وعيهم منذ الطفولة.
العنف واللغة:
يظهر العنف غالبًا حين تعجز اللغة عن أداء وظيفتها، أو حين تُصادَر قبل أن تُولد. عبد المالك لم يتعلّم لغة الحوار، لم يُدرَّب على تسمية خوفه أو الاعتراف بضعفه، فاستعاض عن الكلمة بالفعل الخشن، وعن الجملة بالقبضة. وحين تضيق المفردات، تتسع مساحة الضرب.
أما فتيحة فقد عاشت سنواتٍ تخنق كلماتها في صدرها، تؤجل البوح وتؤجل الاحتجاج، حتى تراكم الصمت فيها كحجرٍ ثقيل. كانت تعرف ما يؤلمها، لكنها لم تجد الإذن الاجتماعي ولا الأمان الداخلي لتقوله.
التحول بدأ لحظة استعادت صوتها: أولًا في المحكمة، حيث تحوّل الألم إلى شهادة، ثم في المشغل، حيث صار الاعتراف فعلًا جماعيًا لا همسًا فرديًا. هناك، عادت اللغة لتؤدي رسالتها الأولى: أن تحمي الإنسان من السقوط في هاوية الصمت.
فالكلمة ليست مجرد صوت، بل بديل حضاري للصفعة، وأداة ترويضٍ للغضب قبل أن يتحول إلى أذى. والحوار ليس ترفًا أخلاقيًا، بل النقيض الوجودي للعنف؛ به يُعترف بالآخر، وبدونه يُختزل في شيءٍ يُدفع أو يُكسَر.
الخلاصة: من الجمر إلى النور
وهكذا تتكشف أمامنا حقيقة جوهرية: النجاة ليست بقاءً جسديًا فقط، بل عملية تحويل طاقة الألم المدمرة إلى طاقة بناء. القصة تدين العنف، لكنها تفتح نافذة لفهم الجناة ليس لتبريرهم، بل لكسر الحلقة المفرغة التي تصنعهم.
ليست حكاية فتيحة وعبد المالك مجرد سرد لألم وخلاص، بل هي مرآة تعكس رحلة إنسانية جوهرية: البحث عن اللغة التي تعبر دون أن تمزق، وعن الشجاعة التي تحرر دون أن تدمر، وعن الكرامة التي ترفض أن تظل جمرًا تحت الرماد، فتختار أن تكون شعلة تضيء دروبًا لأخريات لا يزلن يبحثن عن سبيلهن.
فالألم المتحول إلى حكمة لا يُمحى، لكنه يتحول إلى طاقة للبناء. والخوف الذي يصير يقظة لا يبقى سجانًا، بل يصبح حارسًا لحدود تحمي إنسانيتنا. والصمت المنكسر لا يترك فراغًا، بل يمتلئ بأصوات كانت تنتظر دورها لتُسمع.
وهكذا تعود بنا الحكاية إلى صورتها الأولى، لكنها هذه المرة ليست جمرًا تحت الرماد، بل نورًا يكشف الطريق. هذه القصة تذكرنا بأن الجمر تحت الرماد ليس قدرًا محتومًا، بل هو وضع مؤقت. ففي أية لحظة قد تأتي نسمة التغيير، أو تتحرك يد الإرادة، لتنفض الرماد عن الضمير الحي، وتكشف عن النور الذي كان ينتظر تحت السطح طوال الوقت.
لأن الكرامة، كالجمر الحي، لا تنطفئ جذوتها أبدًا؛ إنها فقط تنتظر من يرى وهجها الخفي، ويصدق بقدرتها على الاشتعال، ويمنحها النفس الذي تحتاجه لتصير مصباحًا يهتدي به السالكون.
ففي كل بيت قد يختبئ جمر تحت رماد، وفي كل قلب قد تقبع كرامة تنتظر تحريرها.