محمد التاودي
في قلب الدار البيضاء، حيث تتعانق الحداثة مع عبق التاريخ، تنبض المقاهي كجزر صغيرة من الدفء والحياة. هنا، حيث تلتقي الأصالة المغربية بروح العصر الحديث، يصبح المقهى فضاءً يجسد قول الشاعر محمود درويش: ‘مكان يصلح للضياع والانتظار’.
إنها ليست مجرد أماكن للجلوس، بل نوافذ تطل على روح المدينة المتجددة، وشواهد حية على نبضها المتغاير بين الأصالة والحداثة. هناك، حيث تختلط رائحة القهوة بأحاديث العابرين، وتغدو الطاولات مسرحًا للذكريات واللقاءات، كان مقهى الحاج عيسى يتنفس ككائن حي، يُعيد تشكيل ذاكرة الحي يومًا بعد يوم.
كان هذا الفضاء البسيط، الذي يشبه نبض حياة صامتة، ملاذًا للرجال من صمت البيوت وضجيج الأيام. فيه لا تكون القهوة أو الشاي وحدهما ما يجمعهم، بل حرارة الصحبة، وتفاصيل يومية تتكرّر، لكنها تمنحهم شعورًا بالانتماء وحريةً يفتقدونها خلف جدران منازلهم. وكأن المكان يعيد لهم جزءًا من أنفسهم، جزءًا لا يجدونه إلا بين هذه الجدران.
وكأن هذا المقهى يجيب عن سؤال لم يُطرح: أين يذهب الرجال حين لا يريدون أن يكونوا أزواجاً ولا آباءً ولا أبناءً، بل يريدون أن يكونوا بشراً فحسب؟
عالم من الأصوات والوجوه
داخل المقهى العصري، يمتزج دفء الحياة اليومية بنبض المدينة المتسارع. التلفاز المعلّق على الحائط يبث الأخبار بصوت خافت، لا يقطعه إلا همس الأكواب وحديث خفيف هنا وهناك. على بعض الطاولات، تتناثر الجرائد الورقية، يتصفحها زبائن لا زالوا يفضلون حبر الورق على ضوء الشاشات.
يجلس المتقاعدون في زواياهم المألوفة، بعضهم يطالع الأخبار، وآخرون ينهمكون في حل الكلمات المتقاطعة بتركيز هادئ، وكأنهم ينسجون طقسًا يوميًا يضفي توازنًا على يومهم.
وفي الزوايا الأخرى، يغوص شباب وموظفون وعاطلون عن العمل في هواتفهم الذكية، يتنقلون بين تطبيقات ومحادثات، في انسجام غريب مع الصمت المحيط. لا حديث مسموع، فقط أصابع تنقر على الشاشات، وكأن كل واحد في جزيرته الخاصة. بعضهم يشاهد الأخبار، آخرون يراجعون بريدهم، وهناك من يتظاهر بالانشغال ليهرب من فراغ الواقع.
عتبة إلى عالم آخر
لكن جوهر المقهى لا يكمن في صمته وحده، بل في تلك العتبة الفاصلة التي تبدأ عندها الحكاية. يترك الداخل وراءه ضجيج الشارع، ليخطو إلى عالم مختلف، حيث لا يتبع الزمن إيقاعه المعتاد. هنا تُقاس اللحظات بدرجة الألفة التي تتناثر بين الوجوه، وتبادل الابتسامات، والنظرات العابرة التي تجسد التواصل غير المباشر الذي يجمعهم.
هندسة الدفء والأناقة
جدران المقهى ناعمة الملمس، مطلية بألوان محايدة ودافئة تتناغم مع الأثاث العصبي، مما يخلق جوًا مريحًا وأنيقًا في آنٍ واحد. على الجدران تتوزع لوحات فنية حديثة، بعضها يلتقط مشاهد طبيعية نابضة بالحياة، بينما تحمل أخرى أسلوبًا تجريديًا يضيف بعدًا بصريًا يُشجع على التأمل. كل شيء في المكان يبدو مرتبًا بعناية، يوحي بالترحاب دون تكلف، وكأن المقهى صُمم ليكون امتدادًا مريحًا لروتين الزبائن اليومي.
وهذا الجو الأنيق والموزون يمتد بسلاسة نحو قلب المقهى، حيث تبدأ تفاصيل أخرى تنبض بالحياة.
خلف الكونتوار: عالم من الدقة
يبدأ المشهد من الكنتوار، حيث تقف آلة القهوة الحديثة ببريقها المعدني، تحت رف خشبي مضاء يضم علب السكر المرتبة بعناية، وأكوابًا شفافة مصطفة بإتقان. إلى جانبها، تنتشر مربعات ورقية صغيرة وقلم رفيع، لتسجيل الطلبات بسلاسة. كل شيء هنا منظم بعناية، كأن المقهى يحكي قصة في كل زاوية.
ومن هذا النظام المتقن، تمتد النظرة إلى فضاء القاعة حيث تتوزع الشاشات والأثاث بانسجام متكامل.
في زاويتين متباعدتين من القاعة، ثُبت تلفازان كبيران بشاشات مسطحة، يُعرض عليهما المحتوى ذاته سواء تعلق الأمر بالأخبار أو مباريات كرة القدم أو برامج منوّعة. الصوت الصادر عنهما خافت، لا يقطع التأمل، بل يبدو كجزءٍ من الهواء. والأثاث موزع بعناية بين طاولات صغيرة ومناسبة للجلسات الفردية أو الثنائية، ومتوسطة تتسع لأربعة أشخاص.
وهنا، وسط هذا التوازن بين الحركة والسكون، يبرز وجهٌ مألوف يضفي على المكان نبضه الخاص.
مبارك: فنان المشروبات
هنا يتمركز مبارك، المشرف الرئيسي على تجهيز المشروبات، يتحرك بخفة وسط الأدوات وكأنه قائد أوركسترا. ينتقل بين آلة القهوة الحديثة وأباريق الشاي اللامعة، ينجز كل طلب بإتقان يحكي قصة عمر من الخبرة.
فمع كل ضغطة على زر آلة الإسبريسو، ينبعث بخار كثيف يلف المكان برائحة حبوب البن المُحمّصة حديثاً، ممزوجة بعبق أوراق النعناع المعتّقة التي يعدّ بها الشاي في أباريق فضية تلمع تحت الضوء.
القهوة بين يديه ليست مجرد سائل، بل هي دفء ينساب في الحلق بمرارة عذبة تليها حلاوة خفية، كأنها طعم الحياة نفسها. حركاته المتقنة – من تحريك الشاي بدائرية مثالية إلى صب القهوة بارتفاع محسوب – تنبض بفنون الحرفية، مما يحول كل مشروب إلى تحفة فنية صغيرة تروي قصة المقهى وتاريخه.
ويمتد خلفه ممر صغير يفصل الكنتوار عن الحائط الخلفي، حيث تعلو صورة كبيرة لعاهل البلاد مبتسماً ابتسامة تبعث الأمان، كأنها تبارك الأحاديث العابرة وتمنح المقهى ظلاً من روح الوطن.
تحت الصورة، تمتد منضدة طويلة ثابتة كبوفيه خلفي، تتوسطها مرآة عريضة تعكس حركة الداخلين وخفة الأضواء، مما يضفي عمقاً بصرياً واتساعاً خفياً على المساحة، وكأنها تذكر الجميع بأن هذا المكان ليس سوى مرآة للحي ورواده.
ومن الداخل، حيث تكتمل ملامح الدفء والنظام، ينتقل المشهد بسلاسة إلى الخارج، حيث ينبض الشارع بالحياة.
التيراص: مسرح الحياة اليومية
وفي الخارج، يمتد التيراص الزجاجي على طول الرصيف، فسيح المساحة إلى درجة أنه يحتل الرصيف بكامله، حتى لم يترك للمارة سوى الالتفاف حوله. تصميمه المفتوح يخلق مساحة تتنفس الحياة، ويجعل من المقهى امتدادًا طبيعيًا للحي.
هناك يجلس من يريد متابعة الحياة تمرّ أمامه بتفاصيلها الصغيرة: وجوه عابرة تنسلّ بين اللحظة والأخرى، دراجات نارية تمرّ بصخبها الخاطف، وأحاديث متقاطعة تتناثر في الهواء كحكايات لا تكتمل.
على التيراص، لا تكون الجلسة منعزلة، بل هي محادثة مع محيط الحي. تسمع صرير فرامل سيارة أجرة، وتناهي إلى مسامعك نداء بائع الخبز المتقطع، حتى يصبح ضجيج المدينة لحنًا خلفيًا يرافق فنجان قهوتك. صوت أذان المسجد القريب ينساب بين الأصوات كخيط نوراني، فيتوقف الجميع لحظة ثم يعودون إلى أحاديثهم، وكأنهم يؤدون طقساً يومياً من الصلاة والعودة إلى الحياة. حتى صفير شرطي المرور يصبح جزءاً من إيقاع المكان، يعلو ويهبط مع إشارات المرور المتغيرة.
هنا، على هذه المقاعد المطلة على الشارع، يجد الجالسون أنفسهم وسط معادلة جميلة: هم داخل المقهى لكنهم جزء من الخارج، يشاهدون الحياة تعبر أمامهم دون أن ينغمسوا في تيارها الجارف. كل نفحة هواء تحمل قصة، كل صوت يحمل ذكرى، وكل نظرة عابرة قد تتحول إلى حكاية تروى على طاولات المقهى.
البالكون: ملاذ العشاق والطلاّب
لكن لمن يبحث عن زاوية أكثر هدوءًا، يجد في البالكون العلوي ضالته. هذا البالكون يشكل نقيض التيراص، انعزالاً أنيقًا عن الضجيج، ومساحة علوية تنفتح على الأفق. فيه يجد الطلاب والعشاق ملاذهم الخاص، يسرحون في دفاترهم أو في عيون بعضهم البعض، مستمتعين بهواءٍ أقل ازدحامًا. ورغم أن الجلوس هناك يتطلب دفع درهمات إضافية، إلا أن تلك الزيادة تبدو تافهة أمام ما يمنحه البالكون من سكينة وجمال.
السجادة الحمراء: ترحيب ملكي
غير أن اللحظة الفاصلة، التي تنقلك فعليًا إلى عالم المقهى الحميمي، تبدأ ما إن تطأ قدماك العتبة الزجاجية. هناك، تمتد أمامك سجادة حمراء ناعمة، كأنها ترحيب صامت يُهيّئ الزبون نفسيًا لعبور من عالم الشارع الصاخب إلى فضاء أكثر رقة وتنظيمًا.
السجادة الحمراء على المدخل ليست ترحيباً فحسب، بل هي الدم الذي يجري في عروق المكان، والخيط الذي يربط كل القادمين بسلالة واحدة من الشغف بالحياة.
في زوايا الخفاء: نظافة وكرامة
ومع اكتمال معمار المقهى، لا يمكن إغفال الزاوية الجانبية التي خُصصت بعناية تامة لراحة الزبائن؛ فهناك تقع مرحاضان منفصلان للرجال والنساء، مدخلهما يطل على ممر جانبي هادئ يبعث على الطمأنينة والسكينة. كل شيء في تلك الزاوية يوحي بالاهتمام بالتفاصيل، من النظافة إلى الإضاءة إلى التصميم، وكأن المقهى يسعى لاحتضان روّاده بكل ما يلزم من راحة واحترام، حتى في أدق الجوانب الخفية.
ومع هذا الاهتمام المتقن بكل زاوية، يبدو المكان وكأنه يهمس بروح العناية الخفية التي تتجاوز الشكل إلى الإحساس، حيث تتناغم التفاصيل لتمنح الزائر راحة غير معلنة.
أمام هذا المدخل تجلس امرأة خمسينية ذات ملامح وقورة، عيونها تراقب التفاصيل بدقة، وابتسامة خفيفة تُرى بصعوبة لكنها تحمل في طياتها مزيجًا من الحزم والودّ. حضورها غير مزعج، بل يبعث شعورًا بالأمان، وكأنها الحارسة الصامتة لذاك التوازن الخفي الذي يجمع بين النظام والكرامة.
بجلستها الواثقة، تُضفي على المكان طابعًا من الاستقرار النفسي والاحترام الصامت الذي يشعر به كل زبون دون أن يُقال، فيكتمل بذلك المشهد بين العناية المادية بالمكان والعناية الإنسانية بالروح.
تاريخ المقهى والأهمية الرمزية
يقال إن هذا المقهى كان يوماً داراً عتيقة هدمت لتفسح المجال لمتجر صغير، قبل أن يعيد الحاج عيسى إحياءها كفضاء للقهوة قبل عشرين عاماً، ليصبح بهذا أقدم المقاهي الحديثة في الحي. كانت جدرانها تحمل ذاكرة أجيال، فحين شرع في ترميمها، اكتشف تحت الطبقات المتعاقبة من الطلاء رسوماً تقليدية ونقوشاً كادت تندثر، فأعاد إحياءها كما أعاد إحياء روح المكان.
الحاج عيسى: حكيم المقهى
وفي قلب هذا المشهد، يقف الحاج عيسى، المالك والروح المدبرة، جسراً يربط بين الماضي والحاضر. الرجل السبعيني الذي تقاعد من سلك التعليم، لم يرضَ بالهدوء الكامل، بل سعى لتحقيق حلم ظل يراوده لسنوات: افتتاح مقهى شعبي بطابع تراثي يعكس روح الحي العتيق. وجهه المحفور بالتجاعيد يروي حكايات عمر طويل، لكن عينيه لا تزالان تشعّان ببريق الفطنة والحنكة.
يحتفظ الحاج عيسى في ذاكرته بصورة لا تُمحى لأول زبون، الحاج قدور، الذي لم يتخلف عن موعده الصباحي مع قهوته طوال خمسة عشر عامًا. كان يدخل كل صباح وكأنه يؤدي طقسًا مقدسًا، ويجلس في الزاوية اليمنى من التيراص، يمرر سبحته وينظر إلى الشارع بعينين شاخصتين إلى ماضٍ بعيد.
في أحد الأيام، لم يأتِ الحاج قدور. وعندما سأل عنه الحاج عيسى، علم أنه رحل في سكون الليل. يقول الحاج عيسى بصوته الهادئ: “في اليوم التالي، جلست في مكانه، وشعرت أن روحه ما زالت تحرس المقهى. منذ ذلك اليوم، فهمت أن هذا المكان ليس لبيع القهوة، بل لاستضافة الأرواح والذكريات”.
سأل احد الزبناء الحاج عيسى: ‘كيف تحتمل كل هذه الأوزان؟’ فأجاب: ‘لأن الجدران تعلمت أن تحب أكثر مما تسمع’.
الحاج عيسى لا يتكلم كثيرًا، لكنه حاضر بكل جوارحه. يعرف زبائنه واحدًا واحدًا: من يطلب “نص نص”، ومن يفضّل القهوة “مهرّسة”، ومن لا يبدأ يومه دون “إسبريسو” ساخن أو شاي منعنع. بأسعارها المعتدلة التي لا تثقل كاهل المتقاعد أو العاطل، بات المقهى ملاذًا دائمًا يمكن شراء ساعة من الهدوء فيه بدرهمات قليلة، تمنح الفقراء والأغنياء على حد سواء حقهم في الجلوس والاستمتاع بلحظات من الكرامة والمساواة.
بل إنه يدرك حتى ملامح المترددين الذين يتظاهرون بالدفع ثم ينسون، دون أن يُحرجهم أو يُظهر ضيقًا. حضوره صامت لكنه فعّال، يُضفي على المكان احترامًا وتقديرًا قلّ نظيره.
إبراهيم وحسن: نغمتان في انسجام
وفي قلب هذا المكان الحافل بالحياة، تبرز شخصيتان تضفيان عليه حيوية خاصة: النادلان إبراهيم وحسن، اللذان يشكلان معًا روح الخدمة في المقهى. لكل منهما أسلوبه الخاص، لكنهما يتكاملان في تنسيق الحركية اليومية للمكان.
إبراهيم، المعروف بين الزبائن بلقب “عويطة”، نال هذا الاسم بسبب سرعته اللافتة وخفة حركته؛ فهو لا يتأخر في تلبية الطلبات، وكأن خطواته مزوّدة بمحرك خفي. يتميّز بخفة دم ومرونة تجعله محبوبًا لدى الجميع، يمازح الزبائن بودّ، ويعرف طلباتهم كما يعرف ترتيب الطاولات. ينساب بخفة بين الزوايا، يتبادل التحايا والنكات، ويخلق أجواء من الألفة والانتماء.
في المقابل، يأتي حسن بطبعه الهادئ وسلوكه الرصين. يعمل في صمت ويترك أثره بهدوء. يتحرّك بخطى محسوبة، وعيناه تلتقطان كل شيء دون أن تثيرا الانتباه. تراه ينظّف الطاولات بإتقان، ويراقب ما يدور حوله بتركيز صامت. لا يتكلّم كثيرًا، لكن حضوره يوحي بثقة ووقار، وكأنّ المكان يعرفه ويأنس به.
مجتمع مصغّر بكل تناقضاته
وفي خضم هذا التوزيع غير المتكافئ للأدوار، تتبلور داخل المقهى مشاهد أخرى لا تقل دلالة. فهناك، تتشكل جماعات وفق الاهتمامات المختلفة: سماسرة يتفاوضون على سيارات قديمة، وعشاق التيرسي يناقشون أرقام الحظ، وشباب يتابعون مباريات دوري الأبطال.
يجلس رجل يرتدي جلبابًا تقليديًا أنيقًا يناقش صفقة عقارية بصوت خافت على طاولة، بينما يجلس على الطاولة المجاورة عامل بناء منهك يرتشف الشاي بحذر، وكأن المقهى يلغي الفوارق الطبقية للحظات، ليجمع الكل تحت سقف الألفة نفسها. هنا يلتقي التاجر الثري بالموظف البسيط، والمتقاعد بحلمه الضائع بالطالب بطموحه المتقد، في تعايش يومي تذوب فيه الفوارق لتحل محلها لغة القهوة المشتركة.
في زاوية خلفية، يمسك رجل عجوز بيد مرتعشة فنجان قهوة، يهمس لصديق لم يأتِ بعد: ‘لا تخف، ما زلت أنتظرك’. والطاولة تشهد على موعد دام أربعين عاماً.
كما يجلس أشخاص آخرون في الزاوية نفسها، يلجؤون إلى وسطاء مهمتهم تسوية الملفات العالقة داخل العمالة أو تسهيل بعض الإجراءات الإدارية مقابل أتعاب غير معلنة. حتى أوقات الصلاة تنظم حركة المكان: يُغلق التلفاز، تختفي الوجوه، ثم تعود تدريجيًا، وكأن شيئًا لم يكن.
وفي لحظات نادرة، يذوب كل هذا التنوع في بوتقة واحدة؛ حين يعلن مذيع التلفاز عن هدف لمنتخب الوطن في مباراة حاسمة. في تلك اللحظة السحرية، تنتفض القاعة كلها كجسد واحد: يهتز المقهى بتصفيق المدير والبناء، والعاطل والموظف، والشاب والشيخ.
تتداخل الأصوات في هتاف واحد، وتتلاقح النظرات في فرحة مشتركة. حتى إبراهيم “عويطة” يتجمد في مكانه حاملاً صينيته ولا يبقى سوى روح جماعية تنتشي بشراب الانتماء، قبل أن يعود كل إلى كأسه وحديثه، وكأن شيئًا لم يكن، لكن الرباط الخفي بينهم يزداد متانة.
عبد الصمد: روح المكان الهادئة
وكان عبد الصمد أكثرهم التصاقًا بروح هذا المكان؛ فبالنسبة إليه، لم يكن المقهى مجرد محطة صباحية، بل امتدادًا لذاته، لذكرياته، وللطمأنينة التي افتقدها في أمكنة أخرى. كل صباح، يدخل بخطى هادئة، يحمل على وجهه آثار الليل وثقل الأيام، ثم يتوجه إلى ركنه المعتاد كما لو كان يستعيد توازنه بصمت.
في تلك اللحظات القليلة التي يسبق بها الأصحاب، ينزع عبد الصمد قناع العالم الخارجي، ويجلس مع نفسه في حوار صامت. تمر أمام عينيه شريطته اليومية: وجه زوجته الراحل في صورة معلقة في البيت، صوت ابنه من المدينة البعيدة في اتصال نادر، وهموم لقمة العيش التي تلاحقه كظل لا يفارق. هنا، في هذا الركن، لا يحتاج إلى شرح أو تبرير.
المقهى يحتمل كل هذا الثقل دون أن ينهار. ينظر إلى فنجانه وكأنه مرآة لمشاعره، فيجد في مرارة القهوة ما يواسي مرارته، وفي دفئها ما يذيب شيئًا من جليد الوحدة الذي تراكم في صدره طوال الليل.
كان المكان يحتضنه دون سؤال، ويترك له فسحةً ليكون كما هو، دون تكلّف أو ادعاء.
وما إن يستقر في مقعده حتى يبدأ العرض اليومي بحلولة الأصحاب…
طقوس الصباح ونداء الأصحاب
وفي هذا الفضاء الحميم، يبرز عبد الصمد، الهادئ العميق، كنقطة التقاء الرفاق. وما إن يستقر في مقعده حتى يبدأ العرض اليومي بحلولة الأصحاب: يصل فؤاد بضحكته الصاخبة التي تملأ المكان حيوية، يتبعه خالد، المتتبع النهم لأخبار العالم، يلوّح بهاتفه كأنه يحمل أسرار الدنيا، ثم عبد الواحد، الذي يفتتح يومه كعادته بتنهيدات ثقيلة وشكاوى موسمية عن حال الحي وغلاء الأسعار.
سخرية بلون القهوة
ووسط ارتشاف القهوة وتبادل الأحاديث، تبدأ السخرية اللطيفة تسرق الأضواء، كأنها طقس مقدس في جدولهم اليومي:
عبد الصمد (وهو يحرّك الشاي متأففًا): “والله يا إخوتي، هذا السكر لا يذوب! كأنني أحرّك الحصى في كوب ماء لا شاي.”
خالد (يتفحّص فنجانه وهو يضحك): “لا تستغرب يا عبد الصمد… في هذا المقهى حتى الصبر يحتاج إلى صبر!”
فؤاد (يمضغ لقمة من المسمن): “وهذا المسمن؟ والله لو استُخدم كوسادة، لما اشتكى الرأس من قسوة النوم!”
عبد الواحد (ينظر إلى الرغايف في طبقه): “أما هذه الرغايف، فأظنها صُنعت خصيصًا لاختبار الأسنان. من ينجو من قضمتها يستحق ميدالية!”
عويطة (النادل) (يمرّ حاملاً صينية من الكؤوس دون أن يلتفت إليهم): “من لم تعجبه الوجبة، فالمخبزة لا تزال مفتوحة، ويمكنكم تقديم شكوى إلى وزارة المسمن!”
خالد (ساخرًا): “ومتى نراها في الأخبار؟ ‘انقلاب شعبي بسبب مسمن شبه مسلح’!”
فؤاد (ضاحكًا): “والرغايف، يا أخي، لو أُلقيت بها على لص، لأعاد لك محفظتك واعتذر!”
عبد الصمد (يرتشف الشاي بتنهيدة): “ورغم هذا كله، نعود كل يوم وكأننا مدمنو عذابٍ لطيف.”
عبد الواحد (يرفع كوبه ضاحكًا): “نعم، لأن الضحك هنا مجّاني، ولا يُسجَّل في الفاتورة!”
هكذا تمضي الجلسة بين دفء الأحاديث ومراوغة الملل، حيث يختلط طعم القهوة بنكهات السخرية، وتتحول البساطة إلى طقس جماعي يعيد للقلوب توازنها، ولو مؤقتًا.
ومع اقتراب المساء، يبدأ المقهى في ارتداء ثوب جديد. يخفت ضجيج النهار، وتتحول الأضواء إلى درجات ذهبية دافئة، فتُلقي بظلال الوجوه على الجدران، كمسرح للعزلة والخلوات. يختفي رواد الصباح، ويحل محلهم عشاق الليل: من ينتظر صديقًا قديمًا، أو عاشقان يتبادلان الهمسات في البالكون، أو كاتب يسعى عن إلهام بين الأكواب الفارغة.
حتى الروائح تتغير، فبخار النعناع يسيطر على رائحة البن، ممتزجًا بنسيم الليل البارد. المقهى في المساء لا يروي حكايات، بل يستمع لها، كصديق أمين يحتفظ بأسرار الجميع تحت سقفه المضيء في عتمة الليل.
حين يتحول المقهى إلى مدرّج وبيتٍ ثانٍ
في هذا الفضاء الفريد، يمنح التكرار اليومي دفئه الخاص، وتُصاغ العلاقات من صدق اللحظات العفوية. يكفي أن تجلس على طاولةٍ شاركها معك صديق قديم، أو أن يلمح نادلٌ يعرف اسمك ابتسامةَ ترحيب، حتى تستشعر تلك الألفة الصامتة التي تحكم المكان.
هنا، لا شيء يُجبرك على الحديث، ولا أحد يلومك إن جلست ساعاتٍ تطالع الجريدة أو تتابع المارة بصمت. وكأن المقهى كائن حيّ، يتنفس من حضور مرتاديه، ويستمد دفئه من تكرار وجوههم، وأحاديثهم التي تبدأ باليومي وتنتهي بالحياة كلها.
ولكن اللحظة الأكثر حيوية هي تلك التي تُعرض فيها مباريات كرة القدم؛ حيث يتحول المقهى برمته إلى مدرّج صغير ينبض بالحياة. تضج أركانه بالتشجيع والصراخ والانفعال، ويعيش الجميع اللحظة بكل تفاصيلها.
عبد الصمد، فؤاد، خالد، وعبد الواحد – الأصدقاء الذين جمعتهم جلسات المقهى – لا يكتفون بالمشاهدة، بل يتقمصون أدوار المحللين الرياضيين، يعلّقون بشغف، ويتجادلون بانفعال، وكأن المباراة تمسّ حياتهم الشخصية. تتقارب المقاعد كما تتقارب الأنفاس مع كل هجمة مرتقبة، وتنفجر الكلمات الحماسية مع كل هدف، في مشهد يعيد إلى الأرواح شيئاً من الطفولة والحماسة البريئة.
وهكذا، يصبح المقهى شيئاً يتجاوز مجرد الجدران والطاولات؛ إنه مكان يعيش من خلال من يرتادونه، ومن خلال علاقاتهم، وطقوسهم، ومشاعرهم. المقهى ليس هروباً من البيت، بل هو عودة إلى بيت الروح الأول، حيث لا جدران إلا جدران القلوب المفتوحة. إنه فضاء يومي بسيط، لكنه يحمل في قلبه دفء الانتماء، حين يتعذر الانتماء إلى أماكن أخرى.
إنه البيت الثاني الذي يجد فيه المرء مساحةً لذاته بعيداً عن صمت البيوت وضجيج الحياة.
الضوء الذهبي لا يضيء الوجوه فقط، بل ينقش على الجدران خريطة الأرواح التي مرت من هنا، كأن المكان يحتفظ بظل كل من جلس فيه.
وهكذا يصبح المقهى إجابة عن سؤال المدينة الحديثة: أين نذهب حين نريد أن نكون أنفسنا دون أقنعة؟ هنا، حيث تتحول القهوة إلى مرآة، والطاولة إلى فراش اعتراف، والجلوس إلى صلاة يومية.
وختاماً، يمكن القول إن في كل فنجان قهوة هنا، تختبئ أسرار المدينة التي لا تُقال، لكنها تُشرب. هنا، حيث يلتقي دفء المقهى بصمت البيوت، تبدأ الحكاية التي لا تنتهي؛ ففي كل رشفةٍ تختبئ قصة، وفي كل مقهى ينبض قلب المدينة بحكايات لا تُنسى.